Menu
حضارة

مقال لغسان كنفاني.. المخيمات معسكرات اعتقال أم قواعد ثورة؟

غسان كنفاني

تقرير_عن_غسان_كنفاني.jpg

غزة _ بوابة الهدف

بمناسبة الذكرى السابعة والأربعين لاستشهاد غسان كنفاني ، تعيد "بوابة الهدف" نشر مقال بعنوان "المخيمات معسكرات اعتقال أم قواعد ثورة؟"، والذي نُشر في يوم السبت 8 تشرين ثاني/نوفمبر عام 1969، في العدد 16 من مجلة الهدف.

بوسع الجماهير الفلسطينية أن تدرك ببساطة أن ثمة بنود في "اتفاقية القاهرة" التي لم تعلن تفاصيلها، يجب أن تبقى إلى حد بعيد بنوداً سرية، وهي تلك البنود التي تتعلق بالعمل العسكري والقتالي. ولكن هذه الجماهير تدرك، بنفس البساطة، أن ثمة بنود أخرى لا مبرر على الإطلاق لاعتبارها سرية والاستمرار في جعلها مسألة خاصة لا تعلن بنصوصها على الجماهير لتشكل إلزاماً علنياً للسلطة، تحاسب عليه من قبل الجهة المعنية، وهذه الجهة هي في نهاية المطاف الجماهير.

هناك نقاط أساسية ينبغي أن تكون قاعدة لا غنى عنها لإدراك قيمة أي اتفاق يمكن أن يشكل أساساً لحد الأدنى المقبول من قبل الجماهير الفلسطينية، وعلينا التشديد على هذه النقاط:

أولاً: إن الأحداث التي امتدت بين مجزرة مجدل سلم واتفاقية القاهرة، لم تكن في أية حال من الأحوال أحداثاً مرتبطة كلياً بتنظيم واحد من تنظيمات المقاومة. كذلك فهي أحداث لم تكن مقتصرة كلياً على مجموع تنظيمات المقاومة (بدرجة أو بأخرى)، بل تعدت ذلك إلى وقفة حاسمة قررتها مجموعات تنظيمات المقاومة ومجموعات الحركة الوطنية والتقدمية في لبنان، مؤيدة من الجماهير العربية خارج لبنان أيضاً.

ومن هنا فإن أية محاولة للتقليل من دور هذا التنظيم أو ذاك، كذلك أية محاولة لعزل حركة المقاومة الفلسطينية عن الحركة التقدمية والوطنية في لبنان، لن يؤدي إلى دعوة السلطة عملياً للاستفراد بالفصائل الوطنية واحدة بعد الأخرى.

وعلى سبيل المثال فإن الدور الذي لعبته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في المخيمات الفلسطينية في لبنان كان دوراً أساسياً في مجمل الأحداث التي وقعت، وفي الحقيقة فإن الوجود التنظيمي والقتالي لرجال الجبهة الشعبية في مخيم نهر البارد كان عملياً سابقاً على أحداث مجدل سلم، وربما كان في التحليل النهائي جزءاً لا يتجزأ عن مجمل تطورات الأحداث اللاحقة، وكذلك ما مثله هذا الوجود في معظم المخيمات الفلسطينية، وقد لاحظ الجميع أن العلاقات فيما بين قواعد التنظيمات الفدائية المنضوية إلى قيادة الكفاح المسلح كانت في كثير من الأحيان أمتن وأقوى من العلاقات بين عدد من التنظيمات الأعضاء في قيادة الكفاح المسلح، وهذه الحقيقة إن دلت على شيء فهو أن القوى الفلسطينية المقاتلة خاضت المعركة في صف واحد، وبالتالي فإنه من الخطر الوصول بها، بالنتيجة- إلى مواقع متباينة بالنسبة للسلطة في مرحلة المواجهة القادمة.

ثانياً: لقد ثبت واضحاً – خلال المواجهة- أن أي حدث يقع إنما يعكس نفسه على مجمل القوى الواقفة في الصف الأول من المعركة، وكما أدت أحداث الجنوب الدامية إلى استنفار المخيمات، وأدى الحدثان معاً إلى استنفار القوى الوطنية والتقدمية في لبنان، كذلك فإنه على صعيد عسكري مباشر، مثلاً أدت الصدامات في الجنوب إلى تأثير فوري على قواعد الجبهة الشعبية هناك، وكذلك على قواعد الفصائل المقاتلة الأخرى في الجنوب، وهذا يعني- بكل بساطة – أن النتائج المترتبة على أي اتفاق يعقد بين منظمة التحرير وبين السلطات اللبنانية سيعكس نفسه مباشرة على مجموع التنظيمات الفدائية، ومن الطبيعي أن يجوز تطبيق هذا المنطق على الوجه الآخر للمسألة: أي أنه في حال رفض أية قوة من قوى العمل الفدائي الفلسطيني لأي بند من بنود الاتفاق، فإن ذلك الرفض سيعكس نفسه على مجمل المعركة ومجموع فصائلها، وسيؤدي بدرجة أو بأخرى إلى تحميل المسؤولية – سلباً أو إيجاباً – لجميع الأطراف الوطنية والتقدمية،فلسطينياً ولبنانياً، في الساحة ونتائج ذلك كله (بما فيها إمكانية استفراد السلطة بتنظيم واحد أو اثنين ستمس جميع التنظيمات الأخرى.

على ضوء هاتين النقطتين الأساسيتين يضحى من الضروري الانتباه إلى جملة المسائل التي يجب أن تشكل الأرض الحقيقية لقبول أو رفض أي اتفاق يعقد بين الحركة الفدائية الفلسطينية والسلطة اللبنانية.

ثمة شعارات يمكن أن تكون مطاطة, بحيث تتيح للسلطة فرصة المناورة من داخلها, وثمة شعارات يمكن أن تؤدي "سريتها" إلى ارتداد السلطة نحو مواقع قمعية أكثر شراسة وعنفاً, وهذا يعني أنه لا بد من الانتباه بحذر شديد لما يجري.

 وفي هذا المجال لا بد من التشديد على النقاط التالية:

أولاً: إن أي اتفاق يؤدي إلى محاولات تمارسها السلطة لعزل حركة المقاومة الفلسطينية عن الحركة الوطنية اللبنانية, بحيث يمكن الاستفراد بإحداهما في عزلة عن الأخرى, هو اتفاق لا يحقق للحركة الوطنية, فلسطينياً ولبنانياً, أهدافها الحقيقية.

ثانياً: إن أي اتفاق يؤدي إلى عزل فصيل من فصائل المقاومة عن مجمل الحركة الفدائية الفلسطينية، هو تمهيد عملي لتصفية المقاومة تنظيماً إثر آخر, وبالتالي فإن اتفاقاً من هذا النوع يكون قد حقق للسلطة أحد أهم مطامحها.

ثالثاً: إن موضوع أوضاع المخيمات الفلسطينية وهو موضوع أساسي, ومن المبكر الآن القول فيما إذا كانت الشائعات والتكهنات التي ترددت حول هذه المسألة وطريقة الاتفاق عليها, هي شائعات وتكهنات لها نصيب من الصحة. إلا أن الجوهري والضروري - في هذا النطاق - التأكيد على ما يلي: 

  1. إن جماهير الشعب الفلسطيني في لبنان هي قطاع لا ينفصم عن مجموع جماهير الشعب الفلسطيني في كل أرض يتواجد عليها، ومعركته هي معركة تلك الجماهير الأمر الذي يحتم مساواة في الواجبات والحقوق بين جماهير المخيمات في لبنان، ومجموع الجماهير الفلسطينية التي تحمل السلاح، وهذا يعني بالبداهة إن المسألة الأساسية في هذا النطاق ليست مقتصرة على رفع الحكم العسكري عن المخيمات، ولكنها تتعدى ذلك إلى حتمية ضمان حقوق التنظيم والتدريب وحرية التنقل وحق القتال. إن هذا الموضوع مرتبط أشد الارتباط بقضية حرية العمل الفدائي، فتلك الحرية لا يمكن أن تكون مقيدة بتحركات محددة لأشخاص محددين في رقعة محددة، ولكن لا بد لها ان ترتبط عضوياً بذلك الخزان الجماهيري الذي يشكل أساس الثورة وقاعدتها ومنجمها الذي لا ينضب. ومن هنا كانت مسألة المخيمات مسألة جوهرية في أي اتفاق، وهي التي تحقق عملياً القيمة الحقيقية له: إن ما تردد عن ضرورة "مصادرة" السلاح من أيدي رجال المخيمات هو نقض لحق لا يجوز التراجع عنه، وبالتالي فإن ضمان حرية التدريب والتنظيم والتنقل والتعبئة، بمعزل عن أي نوع من الإدارة التي تناقض ذلك، هو شيء أساسي في أي اتفاق.
  2. إن "حرية العمل الفدائي" هي ضربة تشمل – بالإضافة لما سجلناه في البند الأاول- حرية تنقل المقاتلين، فالأعداد الكبيرة من الفلسطينيين الذين التحقوا بقواعد القتال خارج لبنان، حرموا من العودة إليه، ومثل هذا الوضع لا يمكن استمراره بالطبع، ومسألة التنقل لا تقتصر على التحرك بين لبنان وبقية الدول العربية، ولكنها تشمل أيضاً الترحك داخل الأراضي اللبنانبة، وفق الحاجات القتالية والتنظيمية والتعبوية التي يفرضها العمل الفدائي.
  3. إن الخطر الكامن في مسألتي"التنسيق العسكري" و"التنسيق الإداري" الأول في مناطق الحدود والثاني في المخيمات خطر يفترض الخشية من فتح الطريق أمام وصاية رسمية على العمل الفدائي، يمكن من خلالها مواصلة الأعمال القمعية جزئياً وانفرادياً ثم تصاعدياً ضد الجهات التي قد يشكل هذا التنسيق بالنسبة لها في فترة أو أخرى قيداً وحاجزاً وإطاراً يفترض تطور العمل تجاوزه. فثمة قناعة بأن التناقض القائم بين السلطة وبين الثورة هو تناقض صدامي، وعملية إخضاع ذلك التناقض الصدامي لقيود التنسيق مهما افترض التكتيك ضرورة ذلك في مرحلة من المراحل يجب ألا تؤدي إلى نسيان السمة الأساسية للعلاقة الحقيقية والتاريخية بين السلطة – من جهة- والثورة من جهة أخرى. ومن هنا فإن وضوح هذه المسألة ينبغي ألا يكون موضع مساومة أو غموض أو اجتزاء أو نجاوز, وأي اتفاق لا يحدد (على الأقل) معنى وحدود وطبيعة وآفاق ذلك الشيء الفضفاض الذي يسمى اختصاراً "بالتنسيق" يجب أن يكون موضع تفحص دقيق.

رابعاً: من مهمات أي اتفاق تحديد مسؤولية حاسمة بالنسبة للسلطة وعناصرها الذين أشرفوا ونفذوا على عمليات القمع الدامية في الجنوب, واكتشاف الدوافع التي أدت إلى ذلك واتخاذ الاجراءات الموازية لمثل هذه المسؤولية. ولكن على نطاق آخر لا بد من إجراء عملية تقييم علمية وشجاعة داخل إطار حركات المقاومة الفلسطينية وفصائلها للأسابيع الدامية الأربعة, ولا بد من القيام بتحليل موضوعي لمسيرة الأحداث منذ تفجرها وصولاً إلى اتفاق القاهرة, لقياس كمية ونوعية العمل الجماعي في تلك الأحداث, ومسؤولية الأطراف المختلفة في تلك المسيرة التي عكست نفسها على مجموع الأطراف بمقدار أو بآخر، وكذلك العمل على تجنيد هذه التجربة من خلال اعتبارها قياساً على تجارب سابقة (أبرزها 23 نيسان) للاستفادة منها في التطورات اللاحقة, والتي ليس من الحكمة عدم توقعها.

من خلال تصور من هذا النوع يمكن قياس وتقييم اتفاق القاهرة, وهذا يدعو - بادئ ذي بدء -إلى إطلاع الجماهير على البنود التي لا يشكل أعلانها أي انتهاك للسرية.

إن المسألة في جزء كبير منها تتوقف عند السؤال التالي: المخيمات الفلسطينية في لبنان هل هي معسكرات اعتقال أم قواعد انطلاق ثورية؟

والإجابة على هذا السؤال تحدد الملامح الأولية للنضال في هذه المرحلة, لأنها تتعدى قضية الوجود العددي والمكاني للعمل الفدائي إلى قضية وجوده التاريخي والمصيري. ولذلك فإنه ليس من المبالغ قيه بشيء أن يكون ذلك السؤال هو القضية المحورية في موضوع تقييم المسيرة التي قطعها العمل الفدائي منذ العدوان على المطار في كانون الأول الماضي، إذا لم تكن اتفاقية القاهرة جزءاً لا ينفصم عن تلك المسيرة، وخطوة إضافية في نطاقها فإن قيمتها تضحي موضع تساؤل.

إن أخباراً شرعت تتردد عن مذكرات توقيف صدرت، وإجراءات خاصة اتخذت، وملاحقات بدأت، وشائعات أطلقت، قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به اتفاقية القاهرة، وليس ثمة دلائل كافية حتى الآن، تتيح الدخول في تفاصيل ذلك كله، ولكن مجرد تردد مثل هذه الأنباء هو الدليل الكافي على ضرورة اليقظة والحذر وحتمية وضع الأمور في مكانها الواضح، والإبقاء على درجة كافية من التعبئة، ليس فقط في صفوف الفصائل الفلسطينية المقاتلة، ولكن- وربما بنفس الدرجة – بين جماهير المخيمات والقطاعات المتقدمة في الحركة الوطنية اللبنانية.