Menu
حضارة

مقال لغسان كنفاني.. نحو حوار بنّاء حول الوحدة الوطنية الفلسطينية

غسان كنفاني

غزة _ بوابة الهدف

بمُناسبة الذكرى السابعة والأربعين لاستشهاد غسان كنفاني ، تُعيد "بوابة الهدف" نشر مقال بعنوان "نحو حوار بناء حول الوحدة الوطنية الفلسطينية"، والذي نُشر في يوم السبت 16 آب 1969 في العدد الرابع من مجلة الهدف.

حديث الوحدة الوطنية الفلسطينية هو الحديث الذي يغلب الآن على اهتمامات العمل الفدائي, وعلى اهتمامات الجماهير التي تشكّل في نهاية المطاف أساس هذا العمل ورمحه ودرعه, وهذه الحقيقة البديهية تفترض على التو أن تعطي التنظيمات الفدائية على مختلف أحجامها وتوجهاتها العقائدية أولوية للمُهمة العاجلة التي تدعوا إلى ايجاد صيغة حقيقية ومتينة لتوحيد جبهة الكفاح الفلسطيني المسلح.

في هذا النطاق توجد سلسلة من الحقائق، لابد من إدراكها من قبل الأطراف جميعًا بمقدارٍ متساوٍ من المسؤولية:

أولاً: إن أي انتكاسة تلحق بأي تنظيم فدائي عامل، عسكريًا أو أساسيًا، لا يمكن حصرها بذلك التنظيم، بل هي تعكس نفسها فورًا على جميع التنظيمات الأخرى. وبكلمات أوضح: إن أي موجة ضعف تلحق بـ "فتح" سيتوجب على الجبهة الشعبية أن تدفع ثمنها من وجودها ذاته، والعكس صحيح، فأية مؤامرة تُصيب الجبهة الشعبية برذاذها ستعكس نفسها على "فتح".

ثانيًا: إن التناقضات الجزئية القائمة، من ناحية إيديولوجية، فيما بين التنظيمات الفدائية العاملة، يمكن ويجب تطويعها لخدمة التناقض الرئيسي القائم بين حركة التحرير الفلسطينية والعربية من جهة، وبين الحركة الاغتصابية الصهيونية كممثلة أصيلة للامبريالية العالمية، من جهة أخرى.

ثالثًا: إن مجموع الأخطار والتحديات، المحيط بالعمل الوطني الفلسطيني، هو من الضخامة بحيث يتضاعف الإلحاح على ضرورة إيجاد صيغة لتوحيد العمل الفدائي في هذه المرحلة، أو على الأقل لرصه في صيغة جبهوية فاعلة.

رابعًا: إن التنظيمات الفدائية المختلفة، تضع في صلب استراتيجيتها وفي أساس تبرير وجودها مسألة التحرير من خلال ممارسة الكفاح المسلح، والمقاتلون الذين يقدمون دماءهم وأعمارهم إنما يفعلون ذلك في سبيل قضية التحرير أولاً، وليس في سبيل مجد اسم من الأسماء على أن اختيار المقاتل لتنظيم معين يؤدي من خلاله دوره، ويحقق بواسطته مطامحه الوطنية، هو بدوره مسألة قناعة يجب أن تعطي حقها من الاحترام، و"الخطأ" ليس هنا، ولكن في أن يحول هذا الاختيار إلى مبرر مفتعل لتراشق الاتهامات ولمضاعفة كمية التشنج ولنوع من "الحوار" الذي يهدف إلى نفي الآخر، في حين أن ذلك الاختيار بالذات يجب أن يكون موضع جدل صحي، وحوار تفاهمي، واعتراف متبادل، يدفع في قضية التوحيد أشواطًا فعلية إلى الأمام.

إنجاز الوحدة الوطنية

على ضوء هذه الحقائق، التي تشكل في مجموعها أرضًا واسعة مهيأة لحوار بنَّاء، لابد للحديث عن الوحدة الوطنية أن يأخذ مداه، وإذا فعل ذلك – من خلال هذا الجو- لابد له أن ينتج صيغًا إيجابية تخدم قضية الثورة وتضاعف فعاليتها وتزيد في تسارع خطوتها.

ولكن الوحدة الوطنية، كقضية مصيرية، لا يمكن فرضها من خلال جو مشحون بالتوتر والتشنج، كما أنها لا تنجز من خلال الضغط والاتهام والحصار، وحتى لو حدث أن أنجزت من خلال ذلك فإنها عند ذاك تكون مُهدّدة بالتفجّر في أية لحظة، طالما أنها تحمل بذور تصدعها منذ البدء.

وإدراك هذه الحقيقة يستدعي تغيير الكثير من أسلوب نظرتنا إلى قضية الوحدة الوطنية، فمثل هذه الوحدة ليست "تكتيكًا" مؤقتًا يسعى إليه التنظيم لمُنافسة تنظيم آخر، أو لتحريض تنظيم ثالث، أو لتحقيق مكاسب إعلامية، أو للتخلص من حالة حصار، ولكنها مسألة أكثر جدية، وأكثر خطورة على المدى البعيد، خصوصًا إذا كان التوجه إليها نابعًا من قناعة عميقة بضرورتها التاريخية، وبقيمتها الثورية، وبمعناها المصيري, ولو كانت قضية الوحدة الوطنية قضية مناورة تكتيكية مؤقتة تفرضها ظروف ذات طبيعة خاصة، تنتهي هذه الوحدة بانتهائها، لما كان هنالك أسهل من اتخاذ قرار سريع في هذا الصدد.

ولكنها ليست كذلك، ومن هنا فهي بحاجة إلى جهد من نوع خاص، وإلى جو صحي من الحوار البناء، يقوم على الاعتراف المُتبادل بوجود خلافات، وبأن هذه الخلافات هي نتاج طبيعي لاختلاف الموقف الإيديولوجي، وإن طريق تذويبها في برنامج توحيدي أو برنامج جبهوي لا يمكن أن يحدث من خلال أسلوب التشنج، و"النفي" والإلغاء، والاتهام.

وجهتا نظر بمسألة الوحدة

وفي نطاق المساعي المبذولة الآن للوصول إلى وحدة وطنية توجد وجهات نظر مختلفة، وهذا شيء طبيعي، وإلا لما كان هناك أي مبرر لوجود منظمات مختلفة، ذات حجم سياسي وقتالي كبير.

ولكن الشيء غير الطبيعي هو اعتبار وجهات النظر هذه وكأنها موقف عدائي، أو مبرر مفتعل للانفراد، واعتبار الوسيلة الوحيدة لدفع الطرف الآخر على التخلي عنها هي وسيلة الضغط أو الاتهام أو تجريد وجهة النظر تلك من كل قيمتها.

نعرف حتى الآن – في الساحة الفلسطينية – وجهتي نظر في موضوع الوحدة الوطنية:

الأولى: ترى أن قرار الجبهة الشعبية بدخول قيادة الكفاح الفلسطيني المسلح هو القضية الأولى والمركزية, والتي تحت عنوانها يمكن – فيما بعد – حل التفاصيل الأخرى.

والثانية: هي وجهة نظر الجبهة الشعبية التي ترى أن قرارها بدخولها قيادة الكفاح الفلسطيني المسلح لا يمكن أن تكون إلا نتيجة لبرنامج متفق عليه, يتناول بالتوضيح قضايا أساسية تعتبرها الجبهة داخلة في صلب المهمات الراهنة للعمل الفدائي في هذه المرحلة.

إن وجهتي النظر هاتين تؤديان بالطبيعة إلى طرح قضايا أخرى, متعلقة بهما, في سياق الحوار: هل تشكل قيادة الكفاح المسلح صيغة حقيقية للوحدة الوطنية؟ هل يؤدي دخول الجبهة الشعبية إلى قيادة الكفاح المسلح حلاً فوريًا للقضايا موضع الخلاف إذا لم يتوفر سلفًا الاتفاق الواضح عليها؟ هل تشكل منظمة التحرير في وضعها الراهن, التنظيمي والتشريعي والتنفيذي والسياسي والعسكري الاطار القادر على استيعاب خطوة وحدوية ذات مهمات ثورية متقدمة؟ هل يمكن تحقيق الوحدة الوطنية من خلال مساومة على عدد الكراسي التمثيلية في هذا الجهاز أم ذاك؟ هل يشكل اتفاق من هذا الطراز وحدة وطنية راسخة غير معرضة للتصدع؟ وهل هي مهمة حقاً قضية نسب ممثلي هذه المنظمة أو تلك إن كان الاتفاق على برنامج واضح وقاطع هو الذي يشكل قاعدة اللقاء؟

كيف نتوصل إلى اتفاق 

إن هذه القضايا والأسئلة المتفرعة عنها, ليست مسألة رفاه, كما أنها لا تدخل في باب لزوم ما لا يلزم, ولكنها تشكل قضية جوهرية وأساسية في السعي لأي وحدة وطنية.

أنه من غير الحكمة الاعتقاد بأن الأطراف المختلفة في حركة التحرير الفلسطينية ستصل, في هذه الفترة على الأقل, إلى صيغة كلية تشكل اتفاقًا تامًا على مجموع القضايا والمواقف المطروحة, ولذلك فإن "النقاط الخمس التي طرحتها الجبهة الشعبية ليست بالضرورة البرنامج الحتمي للوحدة الوطنية الفلسطينية بنصوصها الكاملة التي كتبتها الجبهة، ولكنها تطرح وجهة النظر الواضحة للقضية التي تعتبرها الجبهة قضية استراتيجية، وهي لا تطلب "تواقيع" المنظمات الفدائية تحتها – فذلك لا يمت إلى الواقعية بصلة- ولكنها تعرض مواقع الجبهة بالنسبة للقضايا التي ترى أن لها الأولوية في أي حديث عن وحدة وطنية وحقيقية، أما مسألة الاتفاق على البرنامج، وحجج ذلك الاتفاق فلا يمكن أن يكونا إلا نتيجة لحوارٍ صحي وجاد.

ومثل ذلك الحوار هو وحده الذي يستطيع أن يكشف كمية الاتفاق وحجم ذلك الاتفاق، وهذه مسألة شديدة الأهمية عند الدخول في بحث طبيعة ومدى وحجم الخطوة الوحدوية أو الجبهوية الممكنة، والتي تشكّل قاعدة قوية وصلبة لخطوات قادمة.

فالوحدة الوطنية لا تبنى من فوق ولا يمكن انجازها بواسطة قرار علوي مقطوع الجذور عن أساس المهمات التي ستجد هذه الوحدة نفسها في مواجهتها، كما أنها ليست قرارًا تكتيكيًا عابرًا يمكن ارتجاله ثم ارتجال التخلي عنه فيما بعد.

وكي لا نسقط في مصير التجارب الوحدوية السابقة التي شهدها العمل الفلسطيني خلال السنوات الخمس الماضية، فإن المطلوب الآن هو فتح الحوار عبر مناخ ايجابي، دون الإصرار على أن وجهات النظر المطروحة تنفي بعضها، وتشكل مواجهة مستحيلة.