Menu
حضارة

كتاب "الإسلام في السعودية": الدعوة الوهابية بوصفها أداة سياسية

غلاف الكتاب

إبراهيم درويش

وصف السياسي ورئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرتشل في بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939 الإتحاد السوفييتي بأنه «لغز مغلف بأحجية في داخل لغز» ومنذ سقوط الإتحاد السوفييتي عام 1991 يبدو الوصف صالحا على أكبر دولة منتجة للنفط في العالم والبلد المثير للجدل على الأقل في الوعي الغربي ونعني به السعودية. فهذا البلد الذي يقصده سنويا ملايين الحجاج هو أرض الإسلام ويقصده ملايين من العمالة الأجنبية الباحثة عن فرصة للحصول على قطعة صغيرة من ثروة النفط هو بالضرورة بلد قائم على التناقضات وفي داخله أحجية كبيرة تواجه أي باحث في الشأن السعودي معضلة في فهمها وفك أسرارها. وفي الرواية التي كتبت عن أرض الجزيرة أو السعودية يظهر هذا البعد والتوزع بين التقى والإلتزام بالرؤية الدينية وبين التحرر. وليس في السعودية ملمح للدين واحد وإن كان المستوى الرسمي يحاول الإلتزام برؤية دينية/تفسير واحد للدين وهو ما قدمه المصلح من نجد محمد بن عبدالوهاب الذي دعا للتوحيد الخالص ونبذ البدع والشرك وكل ما يمس العقيدة الصحيحة المتمثلة بالإيمان بالله الواحد والعودة بالضرورة لطريق السلف الصالح. فاعداء بن عبد الوهاب أطلقوا على حركته بالوهابية وأتباعه نظروا إلى أنفسهم أتباعا للسلف الصالح. وهنا تكمن الرمزية في التسمية.

عائلة أمام تحديات

لكن السعودية في تمثلها الحديث أو الدولة الثالثة التي نشأت في عام 1932 بعد سلسلة من الحملات العسكرية التي قام بها عبد العزيز بن سعود مدعوما بأتباع السلفية- الإخوان الذين تربوا في المعسكرات – الهجر- وتشربوا الرؤية الدينية العابرة للحدود والتي ترى أن فكرة المؤسس بن عبد الوهاب ليست محددة بحدود الجزيرة العربية. فمنذ لقاء محمد بن عبد الوهاب بأحد أعمدة العائلة السعودية في أربعينيات القرن الثامن عشر جرى نوع من المعاهدة التي التزمت بها وأحيتها الدولة الثانية والثالثة. فإن كان مصير الدولة الأولى الدمار والسحق على يد التحالف العثماني – المصري والتفكك للثانية، فلا تزال الدولة الثالثة قائمة. واستطاعت الصمود أمام التحديات الخارجية والداخلية وأن تثبت خطأ التكهنات. وليس أدل على هذا عملية نقل السلطة السلس بعد وفاة الملك عبدالله بن عبد العزيز وتولي أخيه الملك سلمان بن عبد العزيز الذي كان جريئا في مواجهة أزمة الخلافة في العائلة وتجاوز جيل الأبناء للأحفاد. ورغم أن التجربة ما زالت مفتوحة على كل الإحتمالات إلا أن العائلة السعودية تجاوزت منذ وفاة مؤسسها إبن سعود عام 1953 العديد من الأزمات، فقد تجاوزت أزمة الخلاف بين سعود وفيصل الذي تولى العهد بعد تنحي سعود عن السلطة وتجاوزت أزمة اغتيال فيصل عام 1975 واحتلال الحرم وتداعيات حرب الخليج الأولى والصحوات التي طالبت بالإصلاح وما جرى للمملكة وصورتها في مرحلة ما بعد هجمات 9/11 خاصة أن 15 من منفذي الهجمات ضد الولايات المتحدة كانوا من السعودية، والعقل المدبر وراء العملية كان سعوديا وهو أسامة بن لادن، زعيم تنظيم القاعدة وهو ما فرض الكثير من التحديات أمام السعودية تجاه حليف تقليدي ارتبطت معه في مرحلة ما بعد الحرب العالمية بتحالف استراتيجي يقوم على تأمين النفط وبالضرورة الحكم السعودي. ورغم ما يقال اليوم عن تخلي أمريكا في ظل باراك أوباما عن مبادئ التحالف وتقاربها مع إيران ودول آسيا إلا أن السعودية تظل مهمة في السياق الجيوسياسي لعوامل مهمة. ففي ظل الأزمات التي تعج بالعالم العربي باتت السعودية تلعب دورا مهما فيها سواء في سوريا أو اليمن ولبنان والعراق. ومن المتوقع أن يشكل التنافس السعودي- الإيراني طبيعة وشكل المنطقة في السنوات المقبلة.

ثالوث مقدس

ومن هنا فالدارس للسعودية عليه أن يفهم الدعائم التي تقوم عليها الدولة والتي تتلخص بثالوث: الإسلام والنفط والعائلة السعودية. وفهم هذه الديناميات الثلاث تمنح الباحث الفرصة لفهم وتفسير التناقض الظاهري الذي يقوم عليه البلد. فالعلاقة بين آل سعود وآل الشيخ- أحفاد محمد بن عبد الوهاب التي نشأت منذ 200 عام لا تزال تمنح الدولة الإستقرار، فرغم ما يبدو من سوء فهم وتناقض إلا أن ممثلي الحكم وممثلي السلفية السعودية يحتاجون لدعم بعضهم البعض ومال النفط يعطي كل طرف منهما الوسيلة للتحكم والسيطرة على الشؤون الداخلية وعلى نشر مبادئ السلفية أو الحركة الوهابية في الخارج. وهذه قضية تحضر في معظم الدراسات التي تكتب عن السعودية حيث تتميز في طرحها وتتباين في فهمها لطبيعة العلاقة القائمة وأهميتها بين آل سعود وآل الشيخ. لكن ديفيد كومينز، استاذ التاريخ بكلية ديكنسون الأمريكية ومؤلف عدد من الكتب عن تاريخ الفكر الإسلامي الحديث ومن أهمها «الإصلاح الإسلامي: السياسة والتحولات الإجتماعية في اواخر الدولة العثمانية بسوريا» وهو الكتاب الذي حلل فيه معالم السلفية الدمشقية وأفكار المصلح جمال الدين القاسمي. وأصدر كتابا عن «الدعوة الوهابية والدولة السعودية» وكتابه الجديد الذي صدر عن دار نشر أي بي توروس بلندن «الإسلام في السعودية» يحاول البحث في معالم الضعف والقوة والتناقض داخل الدولة السعودية. وعنوان الكتاب مثير لأن لا حاجة للحديث عن الإسلام في السعودية خاصة أن الدولة تقدم نفسها باعتبارها ممثلا للإسلام في الجزيرة والخارج. ولكن الكاتب يطمح كما يكتشف القارئ لاحقا لاستكشاف الحركية والتفسيرات الدينية التي يقوم عليها المجتمع السعودي. فالمبدأ الرئيسي الذي تعتمده الدولة هو ذلك الذي يستلهم من أفكار محمد بن عبدالوهاب والمدرسة الحنبلية في الفقه ولكن في داخل السعودية تفسيرات أخرى بعضها مقموع وينظر إليه نظرة حذر وشك مثل الإمامية والإسماعيلية وآخر تسامحت معه الدولة السعودية في بداياتها قبل أن تطغي الثقافة النجدية على البلاد كالثقافة الحجازية التي ظلت تمتمع بنوع من التسامح خاصة أن الملك عبد العزيز كان بحاجة لخبرة الحجازيين في مجال التجارة ونظرا لتحول جدة لمركز البعثات الدبلوماسية ولأن المدينة ظلت طوال تاريخها بوابة الحجاج القادمين من أصقاع الارض إلى المشاعر المقدسة، وفي داخل هذه الثقافة الحجازية الكوزموبوليتية انتعشت الحركات الصوفية التي لم تكن مرتاحة لتشدد السلفية الوهابية. فالحركة الوهابية ظلت ترفض البعد الطرقي في الإسلام وحملته مسؤولية تشويه فهم الدين ولهذا ظلت الصوفية محرمة ومحلا للشجب من أقطاب الدعوة السلفية.

عوامل خمسة

يرى كومينز أن الباحث في دور الدين داخل الدولة السعودية عليه أن يأخذ بعين الإعتبار خمسة عوامل: الدعوة الوهابية، العائلة السعودية، مؤسسات الدولة وبيروقراطيتها، تنوع المجتمع السعودي وأخيرا علاقة السعودية بالعالم الإسلامي. وحلل الكاتب هذه العناصر. فقد اتسمت علاقة الدولة السعودية الأولى والثانية مع العالم الخارجي- الإسلامي بالتوتر نظرا لفهم أتباع الحركة للجهاد العابر للحدود وهو ما أدى لقيام أتباعها بغارات في العراق ضد المشاعر الشيعية. وقد فهم عبد العزيز بن سعود الذي بدأ حملاته لبناء المملكة في شكلها الحالي عام 1902 هذا التوتر وفهم أن الجهاد العابر للحدود سيضعه في مواجهة مع القوى الكبرى وهو ما اضطره للدخول في معركة مع جهاديي الحركة الوهابية – الإخوان. وجاء التوتر في وقت كانت تعيش فيه السعودية حالة من الفقر خاصة ان ولادتها تزامن مع الأزمة الإقتصادية العالمية ومن هنا سمح إبن سعود لرجال النفط الأمريكيين عام 1933 للتنقيب عن النفط. ونظرا لانعزال هؤلاء عن بقية السكان بمناطق سكنية خاصة بهم فلم يؤد هذا لتمرد او انتقاد المؤسسة الدينية. ووفر تصدير النفط الذي بدأ عام 1946 للملك إبن سعود ثروة مالية مكنته من السيطرة والتأثير على سكان البلاد وتغيير معالمها رغم أن الثروة النفطية لم تغير الكثير من معالم المنطقة الشرقية أو المدن التي يعيش فيها الشيعة. وبزيادة عوائد النفط بدأت الدولة بتطوير مؤسساتها الحكومية التي انشئ معظمها في الستينيات من القرن الماضي حيث أنشأت وزارة الدفاع والخارجية والتعليم وغيرها. وامتدت بيروقراطية الدولة إلى المجال الديني حيث دمجت المؤسسة الوهابية في مؤسسات الدولة وتحولت الدعوة الوهابية إلى مقرر تعليمي وطني، وسيطر أتباعها على التعليم والمساجد والمحاكم الشرعية والسلوك العام الواضح في مراقبة من لا يغلقون محالهم أوقات الصلاة وزي المرأة ومنعها من العمل مع الرجال أو قيادة السيارات. ومكن المؤسسة الدينية للقيام بهذه المهمة هيئة خاصة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو المطوعين. ويناقش الكاتب بعدا مهما لدور الدين في الحياة العامة السعودية، حيث يرى أن السعودية في فهمها لدور الدين ليست كما تشي النظرة العامة، نساء بالعباءة ومطوعون يراقبون الأخلاق العامة، فخلف هذه الصورة النمطية تنوعات. فبعيدا عن نجد مهد الدعوة الوهابية دمج إبن سعود مناطق ذات تراث وتقاليد دينية مختلفة المحنا إليها أعلاه، يضاف إلى هذا اندماج السعودية في الاقتصاد العالمي مما عرض السعوديين للتأثيرات الخارجية. كما أن حالة الرفاه بسبب الوفرة النفطية حولت السعوديين إلى مستهلكين للمنتجات العالمية.

الإخوان المسلمون

والنقطة المهمة التي يركز عليها الكاتب هنا هي الطريقة التي بدأت تستخدم فيها السعودية الدعوة الوهابية كأداة من أدوات السياسة الخارجية. فقد ترافقت مأسسة الدولة والصراع بين سعود وفيصل مع صعود القومية العربية في نسختها الناصرية وما عرف في تلك الفترة بالحرب العربية الباردة. وكان الصراع المصري- السعودي أهم ملامحها. وفي هذا السياق استخدم الملك فيصل الإسلام في حربه ضد القوميات والايديولوجيات المستوردة من الدول الاشتراكية. ووجد الملك فيصل في الإخوان المسلمين الذين وفر لهم الحماية من قمع ناصر. ويشير كومينز إلى محاولات الإخوان إنشاء فرع لهم في السعودية على غرار ما فعلوه في دول أخرى. لكن إبن سعود رد مرة على مؤسس الجماعة حسن البنا بطريقة ذكية أن السعوديين كلهم أخوة فلا حاجة والحالة هذه لفرع للجماعة. لكن أفراد الجماعة أثروا على عدد من المؤسسات التعليمية مثل الجامعة الإسلامية بالمدينة ولعبوا دورا في رابطة العالم الإسلامي والندوة العالمية للشباب. ويرى الكاتب أن التفاهم بين الإخوان والحركة الوهابية أدى لنشر الأدبيات الوهابية في العالم. فالخلافات القليلة بين الإخوان والوهابيين في مسائل العقيدة أدى لتعايش استمر حتى حرب الخليج الأولى وظهور الصحوات التي استطاعت الدولة احتواءها من خلال سياسة فرق تسد. ومنذ تلك الفترة تغيرت نظرة الدولة للإخوان حيث صار ينظر إليهم داخل المؤسسة الوهابية نظرة شك. ولعل هذا نابع من صعود السلفية المتشددة التي انتقدت الجانب السياسي في الإخوان. ويشير الكاتب إلى تداعيات صعود السلفية ودور ناصر الدين الألباني الذي أثر على أفكار أهل الحديث. كما يحلل أزمة احتلال الحرم المكي عام 1979 من جهيمان العتيبي وأتباعه، وكذلك أثر الثورة الإسلامية التي عززت من قوة شيعة شرق السعودية خاصة أن آية الله الخميني تعهد بتصدير الثورة. وفي نفس العام اجتاح السوفييت أفغانستان. ورغم بعد المسافة إلا ان الغزو وتبني الرياض للجهاد الافغاني ترك ابعاده لاحقا من ظهور القاعدة ومواجهة الدولة لها ما بين 2003- 2006. وفي النهاية يقدم الكاتب تحليلا لدور المرأة والنظرة التقليدية لها سواء مشاركتها في العمل أوقيادة السيارة. ويرى ان النقاش حول عملها يدور على مستويين – تقليدي واقتصادي، فنسبة مشاركة المرأة في قطاع العمل لا تتجاوز 15٪.

هل ستتغير؟

في نهاية كتابه يطرح كومينز سؤالا يطرحه الكثير من الغربيين: هل ستتغير السعودية؟ وفي محاولة للإجابة عليه يرى أن هذا مرتبط بالتحديات والتهديدات التي تمس الدولة والمتمثلة حاليا بتنظيم الدولة الإسلامية. وإزاء هذا الوضع فمن المستبعد في الوقت الحالي إحداث تغييرات على الحياة الدينية. ففي الوقت الذي لا يمكن فيه الشك بولاء السعوديين للدين إلا أن مواقفهم منه تتغير، ونعني هنا دور المؤسسة الدينية- الوهابية. فهناك من يرى أن أفكار الدعوة لم تعد مهمة لحياة الناس نظرا لاهتمامها بالأمور الصغيرة وهناك من يرى أنها متجذرة في حياة السعوديين. ويعتقد الكاتب أن مجرد وجود هذا النقاش دليل على إمكانية التغير. كيف، لا أحد يمكنه التكهن.