Menu
حضارة

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: محطات من المسيرة (7- 8)

غازي الصوراني

بعد سبعة أعوام على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس وستة أعوام على انعقاد الكونفرنس الأول، عقد المؤتمر الوطني السادس في تموز 2000 في ظروف ومستجدات سياسية مغايرة – بل ونقيضه في جوهرها- لظروف ومعطيات المرحلة التاريخية السابقة منذ إعلان الكفاح المسلح الفلسطيني على أثر هزيمة 1967 حتى تاريخ انعقاد كل من المؤتمر الوطني الخامس و الكونفرنس الحزبي الأول ، حيث شهدت الساحة الفلسطينية متغيرات نوعية من منطلق سياسي هابط بدأ – كما أشرنا من قبل – منذ مؤتمر مدريد ومفاوضات واشنطن وصولاً إلى إعلان المبادئ في أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية في تموز 1994 ، وتواصل المفاوضات العبثية بين القيادة المتنفذة في م.ت.ف من ناحية وحكومات العدو الإسرائيلي من ناحية ثانية، في هذا المؤتمر، ألقى الرفيق جورج حبش، مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، خطابه الخاص والاستثنائي الذي أعلن فيه تسليم دفة القيادة التنظيمية لرفاقه في المؤتمر، " دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال الابتعاد عن الجبهة التي أعطيتها عمري ، أو عن العمل السياسي والمهمات النضالية الأشمل وطنياً وقومياً".

وفي هذا المناخ المفعم بالمشاعر الذاتية والموضوعية الصادقة تجاه القائد المؤسس، إلى جانب المناخ السياسي العام الزاخر بالمتغيرات والتراجعات السياسية الخطيرة ، استكملت الجبهة عقد مؤتمراها الوطني السادس الذي اصدر وثيقتين هما : الوثيقة السياسية بعنوان "نحو رؤية سياسية جديدة للمرحلة " ، والوثيقة التنظيمية بعنوان "نحو رؤية تنظيمية جديدة".

أولاً / الوثيقة السياسية: نحو رؤية سياسية جديدة للمرحلة:

هذه الوثيقة هي خلاصة الحوار والتفاعل الذي شهدته منظمات الجبهة الشعبية في الوطن والشتات والذي توج في المؤتمر الوطني السادس للجبهة. وقد استهدفت هذه الوثيقة الوصول لقراءة منهجية للتطورات السياسية التي شهدها الواقع الفلسطيني منذ انعقاد الكونفرنس الوطني الأول عام 1994.

ففي الفصل الأول بعنوان: لا حلم خارج الواقع ولا مستقبل دون حاضر وماضي، تشير الوثيقة إلى "أن عملية أوسلو وما ترتب عليها مرتبطان تماماً ومستغرقان بالكامل في النتائج المادية والمعنوية التي أفضى إليها مجمل الصراع طيلة العقود السابقة، وهذا هو السبب وراء الخطوة المنهجية للجبهة الشعبية، التي ارتأت عند قراءة أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية وفي السياق أزمة الجبهة الشعبية، العودة بالظواهر والنتائج المحققة إلى مقدماتها التاريخية من اجتماعية وسياسية وفكرية...الخ. هذه الخطوة، كانت تعكس قناعة راسخة للجبهة بأن الاستمرار في ذهنية معالجة النتائج دون التوغل في الأسباب، يعني مواصلة الدوران في حلقة مفرغة عدا عن كونه يحمل مخاطر تشويه الوعي، وإشاعة الوهم، ومراكمة الأخطاء، وبالحصيلة، تبديد مزيد من الزمن ومكونات القوة والمستقبل".

من هنا "ضرورة الوعي والتمييز لأبعاد تلك العملية وتشابكها، كونها تحفظ الشفافية والكفاءة المطلوبة لقراءة علمية هادئة لتجاربنا، وبالتالي: يجب أن يبقى ماثلاً في الذهن ونحن نحاول قراءة الواقع الراهن، أن التراجع يحمل أيضاً بعداً إنهاضياً، ويحفل بدروس قيمة، دون احترامها ووضعها تحت الضوء، وتحويلها إلى قوة فعل وإعادة بناء، تتحول إلى قوة استنزاف معنوي ومادي مدمرة. لعل النموذج الأبرز على ما تقدم، هو ما نلمسه ونعيشه اليوم كحزب وحركة وطنية، حيث تبين لنا، أن المشكلة لا تكمن، في حدوث الهزيمة فقط، وإنما فقط في عدم الوصول إلى رؤية فكرية – سياسية تتخطى الهزيمة فكراً وممارسة، وفي حالة العجز التي تلف مختلف تيارات الحركة الوطنية الفلسطينية ومسمياتها".

وقد قاد هذا الواقع إلى شبه إحباط وشلل، وإلى تدني الثقة بين الكتلة الجماهيرية والحركة السياسية المنظمة من ناحية، وبين الأحزاب وقواعدها من ناحية أخرى، حيث تسود حالة من الإرباك والتذمر واللافعل.      
وعن اتفاق أوسلو ، هل هو سلام أم إعادة إنتاج للصراع بأشكال متجددة؟ تقدم الوثيقة إجابتها على هذا السؤال عبر التأكيد على أنه " ليس مطلوباً منا الآن إعادة النقاش في المخاطر والأضرار الجسيمة المتراكمة التي لحقت بالقضية الفلسطينية، جراء اتفاق أوسلو وما تلاه، لأن ما ورد في الوثيقة السياسية الصادرة عن الكونفرنس الوطني الأول عام 1994، بالإضافة إلى ما تناولته وثائق الجبهة الشعبية الصادرة عن هيئاتها الأولى بهذا الصدد وغيرها، أكثر من كاف" . "فقد ألقت القيادة الفلسطينية المتنفذة، بعد حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفييتي، بمعظم أوراق القضية الفلسطينية وأهمها، في خانة الرهان على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى ما يزعمه الكيان الصهيوني من استعداد للسلام" ، ما يعني استجابة القيادة المستنفذة في م.ت.ف "لمقتضيات الإستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية، وسمحت لديناميات تلك الإستراتيجية بأن تتحكم بها وبخياراتها".

هذه السياسة البائسة في فهم الصراع وإدارته مع العدو، "هي الوجه الآخر لسياسة بائسة أخرى تجاه الداخل الفلسطيني، والتي تجلت في ذهنية قاصرة، تراكمت تاريخياً لتأخذ شكل بيروقراطية عاجزة ومدمرة، سلاحها الإفساد، وهو ما قاد إلى تبديد كثير من مكونات القوة الفلسطينية، وأدى إلى عدم امتلاك رؤية شاملة وبعيدة النظر لتعزيز البنية الداخلية للمجتمع الفلسطيني في مختلف مواقع انتشاره، من خلال تعزيز البنى التنظيمية والمؤسساتية والإدارية ... لهذا المجتمع".

وأبرز نموذج على ذلك هو، "عملية تحطيم وتمزيق أهم إطار وطني فلسطيني في الفترة المعاصرة أي م.ت.ف . حيث جرى التعامل معها بصورة محزنة ومؤلمة. إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على قصر نظر السياسة التي مورست، وخفة التعامل مع هذا الإطار الهام، الذي كان من المفروض أن يبقى بمثابة الإطار الوطني الجامع".

كما "ترافق الواقع المشار له، مع ممارسة لا تقل خطورة وقصر نظر، تمثلت في النظرة الاستخدامية للحركة الشعبية الفلسطينية، مما أدى إلى توسيع المسافة بينها وبين السلطة السياسية، وبالتالي فقدان الثقة بالسلطة التي لم تحافظ على الحد الأدنى من الحقوق الوطنية وحمايتها، وفي الوقت نفسه لم تدل ممارساتها تجاه المجتمع الفلسطيني، ولو على حد أدنى من الاحترام والثقة، تجلت تلك السياسة وأخذت ثلاثة أشكال أساسية هي : أ- الملاحقة والاعتقال نزولاً عند إملاءات الاحتلال. ب- الانتهازية والاستخدام اللحظي المؤقت للحركة الشعبية. ج- محاولة تكييف المعارضة مع سقف السلطة وسياساتها . وكان من الطبيعي ان تقود هذه السياسة "إلى نتائج خطيرة على الحركة الوطنية الفلسطينية، ذلك أنها ساهمت في تعزيز حالة التمزق والافتراق، وإبقاء أسباب الاستنزاف والانفجارات الداخلية قائمة. كما أفرغت سياسة السلطة، مفهوم الحوار الوطني من مضامينه وركائزه، وبالتالي حولت مسالة الوحدة الوطنية، إلى ورقة مناورة، وليس خطاً سياسياً ناظماً لفعل الحركة الوطنية الفلسطينية بتلاوينها وتياراتها وتنظيماتها المختلفة".

بناء على ما تقدم، لا تعود المشكلة في هذه الحكومة أو تلك كما يحاول البعض أن يروج، إن المشكلة تكمن بالأساس في طبيعة المشروع الأمريكي – الإسرائيلي للسلام الذي هو في الحقيقة ومن ناحية المنطق والهدف مشروع واحد، وبالتالي فأي رهان على هذه العملية إنما يعبر عن قصر نظر، أو إحباط مأساوي، أو التسليم بقضاء المشروع الأمريكي- الإسرائيلي وقدره.

ما تقدم "يفرض علينا كشعب فلسطيني وحركة وطنية فلسطينية، تعويد أنفسنا وعقولنا بأسرع وقت ممكن على التجذر والمرونة اللازمة، لتلمس واستيعاب أية حركة أو مستجد في الواقع، وأن نخفف من الصخب والضجيج، ونكثف القراءة الدقيقة والفعل المستند لرؤية شاملة ومتماسكة للصراع، الذي لم يعد سراً، أنه صراع على الوجود نفسه ويدور في حيز الواقع ويدار بناء لقانون ميزان القوى".

ذلك "إن الوقوع في محظور الاكتفاء بالتشخيص وكشف المخاطر، يعني جعل الحزب والحركة الوطنية رهينة دوامة الديناميات التي أطلقها ويطلقها مشروع أوسلو. بكلمة أخرى، العمل بموجب سياسة رد الفعل، مما يتيح للعدو الاحتفاظ بزمام المبادرة ويسهل عليه إدارة الصراع لتحقيق مزيد من الأهداف دون مواجهة منظمة وقوى موحدة، تستند إلى رؤية واضحة شاملة وممارسة إيجابية تعرف ماذا تريد في ظل الظروف المستجدة ومعطيات الواقع التي أصبحت محدداً قسرياً للصراع الدائر وكيفية إدارته".

لذلك ، فإن المطلوب هو "الارتقاء بالرؤية والممارسة من مستوى المناهضة الدعاوية، أو ردود الفعل المتفرقة إلى مستوى المجابهة الفعلية، بمعنى تقديم البديل التاريخي الشامل، أي مجابهة مشروع أوسلو بمشروع نقيض كامل، يتيح الفرصة للمبادرة واستثمار كامل عناصر القوة، من فاعلة وكامنة، على قاعدة التواصل والقطع في الصراع في آن معاً. التواصل مع الماضي بما يمثله من أهداف وحقائق تاريخية وطنية وقومية، والقطع مع الثغرات والأخطاء في الرؤية والممارسة الفكرية والسياسية والعملية".

أما بالنسبة لأبرز المعطيات – المحددات التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار بوصفها سمات أساسية للمرحلة، فالوثيقة تحصرها في خمسة معطيات:

المعطى الأول : أن السمة الأساسية للمرحلة هي التراجع والانكفاء/ الدفاع، فيما المشروع النقيض في حالة هجوم.

المعطى الثاني : ويستعرض أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث تؤكد الوثيقة على أن الهزيمة كشفت عمق الأزمة البنيوية التي تعصف بالحركة الوطنية الفلسطينية، والتي هي من طبيعة تاريخية تراكمية، أسفرت عن نتيجتين أساسيتين :

  1. استسلام القيادة الرسمية وخضوعها لمشروع التسوية الأمريكي – الإسرائيلي.
  2.  عجز قوى المعارضة، وتفاقم أزمتها متمثلة بعدم قدرتها على بلورة ولعب البديل الوطني القادر، من خلال توحيد صفوفها على أساس برنامج وطني مشترك يعبر عن نفسه بأطر تنظيمية وسياسية بما يؤمن الشرعية وبالتالي المرجعية البديلة عن القيادة التي تخلت عن البرنامج الوطني.

المعطى الثالث : ويتناول موضوع التناقض الرئيس والتناقضات الثانوية، حيث تطرح الوثيقة : "إن التناقض الرئيسي كان ولا يزال مع الاحتلال والشرائح المرتبطة به وتتم مواجهته بالمقاومة، وذلك بحكم طبيعة المرحلة باعتبارها مرحلة تحرر وطني وديمقراطي كون أهداف وحقوق الشعب الفلسطيني الأساسية لم تتحقق".

أما المعطى الرابع : فيتناول الواقع العربي الذي " بدأ يشهد حالة صراع بين القوى الدافعة في المشروع الأمريكي – الإسرائيلي، والقوى المتصدية لهذا المشروع. حيث يشهد الوضع العربي حالة من الحراك والتناقض الذي يتمظهر في مستويات مختلفة:

المستوى الأول : التناقض المتصاعد بين سياسة النظام الرسمي العربي الذي يميل للمهادنة وميوعة المواقف تجاه سياسات الحلف الأمريكي – الإسرائيلي وبين طموحات وأهداف الجماهير العربية.

المستوى الثاني: التناقض بين أهداف المشروع الأمريكي – الإسرائيلي للتسوية والحد الأدنى من الحقوق والمصالح القومية والوطنية للشعوب العربية.

المستوى الثالث : اتضاح حقيقة الدور الأمريكي في عملية التسوية والذي يقوم على تطويع مواقف الأنظمة العربية والطرف الفلسطيني والضغط عليها، بما يستجيب لشروط المواقف الإسرائيلية.

المعطى الخامس : ويتناول البعد الدولي حيث تشير الوثيقة إلى "تباين السياسة الأمريكية والرؤية الأوروبية لحل الصراع : مع أن التباين بين السياستين الأمريكية والأوروبية لم يصل إلى مستوى المواجهة بينهما ".

فما دام المشروع الصهيوني يهدد كل جوانب حياة المجتمع الفلسطيني، إذن المواجهة معه يجب أن تجري عند كل جانب وفي كل زاوية تتبدى المساحة الشاسعة للصراع في : حق العودة - الدولة - القدس – السيادة - إزالة الاستيطان – المياه – الاستقلال الاقتصادي – الزراعة – حماية المؤسسات الوطنية المدنية – التعليم – الصحة – الرياضة – التنمية – الصناعة – التراث – الآثار – الحريات – البيئة – القانون – الموسيقى – السينما – المسرح – الأدب – العمل – الثقافة – التاريخ – العمارة – حرية المرأة – حقوق الطفل ..الخ. حيث يحتاج كل واحد من هذه العناوين إلى آليات وبرامج وكفاءات خاصة تتلاءم مع كل خصوصية من خصوصيات هذه العناوين، وعلى رأسها تعدد التجمعات الفلسطينية.

خلاصة القول –حسب الوثيقة- "أننا أمام لوحة واسعة متناقضة، ونشطة، متحركة ومفتوحة بالكامل على المستقبل ولنا بها بمقدار ما علينا. وبناء عليه، فمن غير الممكن التعامل معها بنجاح وبصورة متحركة باستمرار، دون وعيها على نحو كفؤ وشرط ذلك، امتلاك عقل ورؤية تصل إلى مستوى استيعاب كل حركية وتناقض ونشاط لوحة الصراع بكل أبعادها ومستوياتها الممتدة في المكان والزمان والوجدان، والتي تحكم المرحلة بما هي مرحلة تحرر وطني وديمقراطي ببعديها التحرري والاجتماعي في آن".

وبهذا –كما تضيف الوثيقة- "تتكامل النشاطات والمبادرات الموقعية أو الاجتماعية/ الفرعية مع الأهداف العامة العليا الإستراتيجية، ويتحول الفعل الديمقراطي الاجتماعي إلى جزء عضوي من مشروع سياسي أشمل، وهو الشرط الضروري لحماية الحزب والحركة الوطنية من خطرين هما":

  1. خطر : الانعزال في المباشر أو الخاص، أو ألمطلبي.
  2. خطر : التهويم عند الاستراتيجي أو المجرد، أو السياسي العام.

ضمن هذا الأفق، يمكن التأسيس لحركة شعبية واسعة ذات مضمون اجتماعي – ديمقراطي منظم.
وبناء على ما تقدم ، فإن مفهوم الصراع الاجتماعي الديمقراطي –كما تؤكد الوثيقة- يأخذ ترجمات متنوعة وشاملة لأبعد حد، ويشكل مدخلاً أساسياً لإعادة الاعتبار لبرنامج البديل الوطني الديمقراطي، ذلك أن التمايزات على صعيد العنوان السياسي بين تيارات قوى المعارضة تبقى متقاربة، بينما التمايز الجدي بالنسبة لنا في الجبهة يتجلى في البرنامج الاجتماعي الاشتراكي من منطق الرؤية الماركسية ومنهجها المادي الجدلي.

لهذا فإن قدرتنا في الجبهة على صياغة برنامجنا الاجتماعي على أساس ديمقراطي تقدمي، وعلى أساس معطيات الواقع، وقدرتنا على استعادة دورنا في المجتمع سيشمل اختباراً حقيقياً لجديتنا وفعاليتنا، وهذا غير ممكن بدون إعادة نظر جدية في خطابنا وممارستنا، وبدون إعادة بناء جدية على الصعيد الفكري/الثقافي لمفاهيمنا السياسية الاجتماعية،والأيديولوجية، بحيث يصبح في مقدورنا التأثير الملموس والمتدرج، لإحداث إزاحات حقيقية في موازين القوى الاجتماعية وبالتالي السياسية داخل المجتمع الفلسطيني، وبهذا الفهم يمكن لبرامجنا على صعيد العمال، والفلاحين، والعاطلين عن العمل، وعلى صعيد الاقتصاد، الصناعة ، الزراعة، المياه، كما على صعيد الشباب و المرأة والمهنيين.... إلخ ، أن لا تظل أفكاراً مجردة معزولة عن أعضاء حزبنا وعن القطاعات الشعبية ذات العلاقة من أبناء شعبنا، وإنما تصبح برامج مقبولة من جميع الأوساط إذا ما أعددناها وفق منهجية علمية متخصصة تستند إلى حقائق المجتمع وفق كل اختصاص ، وبهذا المنهج والأداء التطبيقي له سنحقق الربط الجدلي بين مختلف جوانب العملية النضالية ببعديها الوطني التحرري والاجتماعي الديمقراطي من ناحية والربط الجدلي والموضوعي بين الواقع الفلسطيني والواقع العربي القومي ببعده الأممي من ناحية ثانية.

هكذا تتكامل النشاطات والمبادرات الموقعة أو الاجتماعية مع الأهداف العليا/ الإستراتيجية، ويتكامل الآني مع البعيد والخاص مع العام، ويتحول الفعل الديمقراطي الاجتماعي إلى جزء عضوي من مشروع سياسي أشمل، وهو الشرط الموضوعي لحماية الحزب والحركة الوطنية من خطرين ، خطر الانعزال في المباشر أو الخاص أو ألمطلبي، وخطر التهويم عند الاستراتيجي أو المجرد أو السياسي العام.

أما فيما يتعلق بسؤال "منظمة التحرير الفلسطينية ...إلى أين ؟ فإن الوثيقة السياسية – الصادرة عن المؤتمر الوطني السادس – تذكرنا بالمنطلقات التي حددتها الجبهة الشعبية تجاه هذا العنوان في وثيقة الكونفرنس الوطني الأول الصادرة في حزيران عام 1994، المشار إليها في هذه الدراسة ، ثم تؤكد الوثيقة على أنه " بدلاً من أن تصبح م.ت.ف إطاراً لجذب الطاقات المادية، والكفاءات المعنوية لعموم الشعب الفلسطيني، وتدار على أساس رؤية وطنية ترتقي إلى مستوى الصراع المفتوح مع الاحتلال، جرى تحويل المنظمة بفعل السياسة القاصرة إلى مجرد إطار تستخدمه القوة المهيمنة لتوفير الشرعية لخياراتها وبرنامجها الخاص".

في ضوء ما تقدم، تحذر الوثيقة من " اعتبار م.ت.ف إطاراً أدى دوراً ووظيفة في مرحلة معينة، والآن استنفذت ذاتها، ووصلت إلى طور السقوط والتلاشي. إن التسليم بهذا الخيار يؤدي إلى التقاطع مع هدف الاحتلال لتصفية المنظمة، إضافة أنه يضرب بصورة نهائية المضمون الأساسي للمنظمة كمعبر عن وحدة الشعب الفلسطيني وكيانيته الشرعية".

لكن بقاء الحال على ما هو عليه، وترك المسألة برمتها تحت رحمة الواقع –كما تضيف الوثيقة - فإن النتيجة إفساح المجال أمام المشروع الإسرائيلي لتصفية المنظمة دون مقاومة من ناحية، وتركها تحت رحمة وهيمنة الفريق المتنفذ من ناحية أخرى.

نلاحظ في هذا الجانب ، أن الجبهة الشعبية ما زالت تنطلق في تعاملها مع م.ت.ف ، بأنها وبالرغم من كل ما لحق بها، "لا تزال تمثل شعبياً وقانونياً إطاراً وطنياً جمعياً، ومعبراً معنوياً وكيانياً عن وحدة الشعب الفلسطيني ، الأمر الذي يعني أن المنظمة تبقى معبراً عن معاني ومضامين وحدة الشعب السياسية، وبالتالي فهي ومضامينها ميدان لصراع القوى السياسية، دون أن يصل ذلك الصراع إلى حدود المساس بها كوجود قانوني وإطار مؤسساتي عام" .

يستدعي ما تقدم "تحويل موضوع منظمة التحرير إلى ميدان مجابهة ضد نهج يبدد دورها ومكانتها، ويواصل توظيفها بصورة استخداميه لخدمة خيار أوسلو، وهو ما يصب في خدمة محاولات الكيان الصهيوني شطب المنظمة وإنهائها. إذن فإن التعامل مع م.ت.ف مسألة متحركة ترتبط بمدى التزام المنظمة بالثوابت الوطنية الفلسطينية والدفاع عنها".

أما القسم الخامس من الوثيقة ، وهو بعنوان "بصدد مفاوضات ما يسمى بالحل النهائي" حيث يشير إلى أنه "بعد مرور عشر سنوات على مؤتمر مدريد، وما ترتب عليه من اتفاقيات وتفاهمات بدءاً من اتفاقات أوسلو مروراً باتفاقيات القاهرة - باريس الاقتصادي - الخليل – شرم الشيخ – واي بلانتيشن – وشرم الشيخ الثانية إضافة لاتفاقية وادي عربة مع الأردن. اتضحت معالم التسوية كما يراها ويريدها الحلف الأمريكي – الإسرائيلي".

وفي السياق ذاته عمل الحلف المعادي على فك ارتباط القضية الفلسطينية ببعدها العربي. كما استخدم الاحتلال فترة العشر سنوات الماضية لاستنزاف الواقع الفلسطيني ودفعه بصورة متواصلة إلى خط التنازل عن الحقوق الوطنية الفلسطينية وإيصاله إلى لحظة يوافق فيها الفريق الفلسطيني المفاوض على المطالب والشروط الإسرائيلية.

وهكذا نستطيع القول أن اتفاقات أوسلو قد استنفذت أهدافها المحددة، ويحاول الآن الكيان الصهيوني وبدعم أمريكي شامل، فرض تسوية نهائية يتم عبرها ضرب ركائز القضية الفلسطينية الأساسية: حق العودة – تقرير المصير – القدس – والدولة الفلسطينية ذات السيادة الكاملة. وبهذا المعنى فإن الاحتلال يحاول بكل طاقته توظيف ما راكمه من إنجازات خلال العقود الماضية بهدف ترسيخ الاحتلال ومشاريعه.

وبهذا يكون قد قام بتصفية ثوابت القضية الفلسطينية كقضية حقوق تاريخية وكقضية تحرر واستقلال. ومن خلال هذه السياسة وهذه الرؤية يتم تكريس المشروع الصهيوني كمشروع هيمنة وسيطرة في قلب العالم العربي.

بناءً على ما تقدم فإن الجبهة الشعبية ترى بأن مفاوضات ما يسمى الحل النهائي ما دامت تقوم على قاعدة الربط بين اتفاقيات أوسلو والحل النهائي، وعلى قاعدة إبقاء عملية التفاوض مستمرة على أساس مرجعية التفرد الأمريكي – الإسرائيلي وبعيداً عن مرجعية قرارات الشرعية الدولية، وقرارات المجالس الوطنية وبرنامج الإجماع الوطني فإنها لن تقود لنتائج تفضي إلى نيل حقوقنا الوطنية الثابتة، عدا عما تحمله من أخطار المساومة عليها. وعلى هذا الأساس فإن الجبهة الشعبية تدعو إلى ما يلي:

أولاً : اعتبار اتفاقات أوسلو وما ترتب عليها من ترجمات قد انتهى عمرها الزمني، وبالتالي فليس هناك علاقة بين أوسلو ومفهوم الحل النهائي.

ثانياً : إن مرجعية الحل المرحلي للقضية الفلسطينية يجب أن تقوم على أساس قرارات الشرعية الدولية وتنفيذها بالكامل من قبل الكيان الصهيوني.

ثالثاً : التمسك بالقرار 194 كأساس قانوني لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين.

رابعاً : إن الحل النهائي كما نفهمه يقوم على ضمان حقوق شعبنا الكاملة في العودة والاستقلال والسيادة وبالتالي فإن أي مساس بحق العودة، أو عروبة القدس، أو بقاء المستوطنات، أو منح الاحتلال حرية التحرك واستخدام أراضي الدولة الفلسطينية لأغراض أمنية وعسكرية يمس بمفهوم ومعايير السيادة والتحرر، وبالتالي فإنه حل يستدعي المقاومة والنضال بمختلف الأشكال.

وهذا يطرح على قوى المعارضة بمختلف تياراتها، استحقاقات تحشيد طاقاتها، وتنظيم فعلها، وتأطير أدائها، للدفاع عن الحقوق الوطنية مع تركيز خاص في هذه المرحلة على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين وقضية القدس كعناوين مركزية للصراع.

وفي سبيل ذلك، تؤكد الجبهة -حسب الوثيقة- بوضوح على أن أشكال النضال " السياسية – الاقتصادية – والعسكرية – والفكرية في ظل معطيات الحالة الفلسطينية مفتوحة على كل الأساليب بدون استثناء، التي تكفل الدفاع عن الحقوق العربية والفلسطينية واستعادتها".

وفي تناولها لمفهوم ومضمون البديل، تطرح الوثيقة السؤال الجوهري التالي : هل نحن في الجبهة أمام مشروع ديمقراطي شامل أم إعلان سياسي للتاريخ؟ تقدم الوثيقة إجابة تحمل في طياتها حسماً سياسياً ومعرفياً عبر العلاقة الجدلية والعضوية بين البعدين الوطني والقومي معاً، وذلك في تأكيدها على " أننا أمام عملية تاريخية هائلة الزخم، وصراع شامل يطال أبعد الزوايا وأدقها. رغم تركز الصراع وكثافته في فلسطين بحكم اختيارها كمنطقة "إنزال" للمشروع الإمبريالي – الصهيوني في قلب العالم العربي، إلا أن أهداف ذلك "الإنزال" الاستعماري التاريخي أبعد وأشمل من ذلك بكثير".

كما "تستدعي حالة التشابك المشار لها بتجلياتها وتفاعلاتها وحركتها، مستوى راقٍ من الإدارة والأداء والقيادة. وعقلاً قيادياً يملك شروط المعرفة والكفاءة للتعامل مع صيرورات الصراع واستحقاقاته. وفي هذا السياق، يمكن فهم محاولة هذه الوثيقة للارتقاء بالنقاش والفعالية الفكرية إلى مستوى هذه العملية السياسية – الاجتماعية الشاملة، وبالتالي إنضاج رؤية قادرة على قراءة المرحلة بكل أبعادها ارتباطاً بالمصالح الوطنية والقومية العليا" . وكل ذلك مشروط بقدرتنا على تجاوز ومجابهة عوامل وظواهر " تزوير وتجويف الإرادة الشعبية، وتمرير مختلف السياسات العاجزة والقاصرة دائماً باسم شرعيات شعبية، جرى ابتذالها لتصبح شرعية السلطة وأشباه الأنظمة".

أول هذه الظواهر وأخطرها، غياب أو اغتصاب الديمقراطية الاجتماعية – السياسية، الأمر الذي أدى لكبح تطور المجتمع وتدمير روح المبادرة والإبداع فيه. أما الظاهرة الثانية فهي، فقدان الرؤية السياسية/ الفكرية/ الاجتماعية وتشوشها. الظاهرة الثالثة – حسب الوثيقة- فهي تتعلق بـ" هبوط المعايير والاستخفاف بالعقل، مما قاد إلى حالة من الفوضى الفكرية وفقدان الرؤية. هذا الواقع أدى إلى تفشي الشعبوية والبراغماتية المبتذلة في محاولات لا تتوقف لتبرير سياسات القيادة وإخفاقاتها. عمق من هذا المأزق غياب البيئة والممارسة الديمقراطية، وانتشار الفكر الفئوي على حساب الفكر الوطني، وهبوط معايير النقد العلمي وما يستدعيه من فعالية ونزاهة فكرية وأخلاقية".

ما تقدم، "يفرض استحقاق البديل الوطني الديمقراطي وشروط قيامه بصورة قسرية. نقول بصورة قسرية، حيث إننا أمام لوحة تحكمها تناقضات الصراع التاريخية والراهنة أو التي لا تزال في رحم المستقبل. لوحة تعبر عن شمولية الصراع وتاريخيته. صراع يديره الطرف الآخر، بكل ما يملك من قوة وبراعة مستفيداً من آخر ما وصلت إليه البشرية من منجزات العلم والتكنولوجيا والإدارة على مختلف المستويات".

"هنا تقع مكانة الحالة الديمقراطية في الساحة الفلسطينية والدور التاريخي الذي ينتظرها في هذه المرحلة الدقيقة حيث سيتقرر غير شأن مصيري ، وتملأ المساحة الفارغة التي ما زالت تنتظر إطارها التاريخي، القادر على تقديم الرؤية وتقدير اللحظة والدور والمكانة ومؤهل ليعبر عنهما".

في ضوء المعنى الدقيق المشار إليه، "يمكن قراءة التحديات والأسئلة الكبرى التي تواجه البديل الوطني الديمقراطي، واستنتاج أننا أمام عملية عميقة وشاملة تستدعي القطع الجدي مع الفكر السائد، الذي يحصر مفهوم البديل الديمقراطي في وحدة بعض الفصائل الديمقراطية الفلسطينية. تكمن معضلة هذا الفكر في أنه لا يذهب بالمسائل إلى جذورها، بل يعيد إلى إنتاج الأزمة، لأنه يعود إلى نفس الذهنية والمفاهيم السياسية التي قادت إلى الأزمة".

وبالتالي فإن " البديل الوطني لا بد وأن يكون من خارج أوسلو، لأن غير ذلك يضع النضال الوطني الفلسطيني ضمن دينامية سياسية اجتماعية في منتهى الخطورة، بحكم القيود والهيمنة التي كرستها إسرائيل في الاتفاقات الموقعة وما تفرضه من وقائع مادية ميدانية، الأمر الذي يتيح لها تكريس مصالحها كإطار مرجعي يمكنها من استخدام عناصر تفوقها لتعزيز إنجازاتها من جانب، وقطع الطريق على محاولات النهوض الوطني الفلسطيني من جانب آخر.

بناء على ما تقدم، "فإن مفهوم البديل الوطني الديمقراطي يعني رؤية الواقع ومستجداته وحركته، لخدمة الرؤية الشاملة للصراع الوطني التحرري والاجتماعي الديمقراطي. بهذا المعنى، تتضح فكرة القطع مع أوسلو كمنهج وخيار التصرف تجاهه كواقع معطى".

هكذا تستقيم المعادلة وتنسجم، حيث يتجسد البديل كعملية سياسية - اجتماعية – اقتصادية – ثقافية – كفاحية نقيضه لكل من المشروع المعادي، والفكر اليومي العاجز لليمين الفلسطيني، هذه العملية مشروطة بتوفير الرؤية المنهجية للصراع القادرة على إيجاد التوازن المطلوب في كل مرحلة، وعند كل مستوى من مستويات الصراع، بحيث تترابط أبعاد وركائز البديل الإستراتيجية والتكتيكية.

يستدعي هذا الواقع "العمل لتخطي الخلل، الذي حكم ممارسة المعارضة السياسية، إلى دور الرافعة وحامل مشروع "البديل الوطني الديمقراطي". بما هو تعبير عن مشروع وطني تحرري اجتماعي ديمقراطي إيجابي في جوهره ومظهره. هكذا يجري تخطي جدار الأزمة الذي جعل مشروع البديل يتماهى مع فكرة المعارضة ورد الفعل على مبادرات وسياسات الأطراف الأخرى".

إن تخطي الأزمة التي تعاني منها القوى الديمقراطية الفلسطينية، مشروط بقدرتها على إعادة بناء ذاتها، وفق استحقاقات البديل الوطني الديمقراطي، والانتقال بالعملية من المستوى الفصائلي الضيق إلى المستوى الوطني الشامل، ومن المستوى التنظيمي المحدود إلى مستوى فهمها كعملية بنائية ترتقي عبرها القوى الديمقراطية أو التيار الديمقراطي من مستوى الفعل المحدود لبعض القوى السياسية والشخصيات الاجتماعية إلى مستوى الحالة الديمقراطية الشاملة لعموم الشعب الفلسطيني، التي بدونها يستحيل ترجمة مفهوم البديل الوطني الديمقراطي.

أما بالنسبة لموقف الجبهة من قوى الإسلام السياسي ، فإن "الوثيقة تؤكد على ما تضمنته وثيقة الكونفرنس الوطني الأول تجاه قوى الإسلام السياسي انطلاقاً من أن تلك الرؤية لا تزال تحتفظ بصحتها، وتضيف الوثيقة "إن قوى الإسلام السياسي هي مكون طبيعي من مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية على الرغم من أية خصوصيات تمثلها، وعلى هذا الصعيد يهمنا أن نؤكد بأن الجبهة الشعبية ترى في تلك القوى إحدى دوائر الفعل والتفاعل الوطني، وذلك على قاعدة الوحدة والصراع كقانون يجب أن ينظم العلاقات بين القوى الوطنية في أوساط الشعب الفلسطيني".

وفي ضوء ما تقدم فإن العلاقة مع القوى الإسلامية هي علاقة تقوم على الاحترام وتحشيد الطاقات والجهود في مواجهة التناقض الرئيسي مع الاحتلال والشرائح المتحالفة معه من جانب، وعلى الصراع الديمقراطي فيما يتعلق بالتناقضات الاجتماعية والثقافية وما تعكسه من برامج وممارسات وقيم.

إن هذا الفهم وهذه الرؤية لا يتناقضان مع خيار الجبهة لبناء البديل الوطني الديمقراطي، بل أن صياغة العلاقة مع مختلف القوى في الساحة الفلسطينية بما فيها قوى الإسلام السياسي على قاعدة الوضوح هو شرط واستحقاق دائم على القوى الديمقراطية أن تتعامل معه وتستجيب لأسئلته وإشكالاته بصورة خلاقة، وإلا ستفقد السياسة التحالفية عوامل نجاحها وتأثيرها.

المراجع:

[1] الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين : وثائق المؤتمر الوطني السادس، نحو رؤية سياسية جديدة، 2000.