Menu
حضارة

الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: محطات من المسيرة (8- 8)

غازي الصوراني

غزة _ بوابة الهدف

 ثانياً/ الوثيقة التنظيمية: "نحو رؤية تنظيمية جديدة"

وفي هذا الجانب تؤكد الجبهة الشعبية على ضرورة الربط الجدلي بين المستويين السياسي والتنظيمي ، حيث تشير الوثيقة التنظيمية إلى " أننا قد حددنا في الوثيقة السياسية نواظم وركائز ومحددات الرؤية السياسية للمرحلة الراهنة ، غير أن هذه تبقى تعاني من نقص جوهري إذا ما توقفت عند هذا المستوى ، يعود ذلك إلى أن الرؤية السياسية مهما كانت جميلة و سليمة ، تبقى مجرد كلام إذا لم تتجلَّ في بنى و مؤسسات و هيئات و منهجيات و آليات وممارسة تنظيمية ، هي جزء عضوي و مكون داخلي أصيل من أية رؤية شاملة . و بهذا المعنى ، فإن تناغم الرؤية السياسية –الفكرية و الرؤية التنظيمية ، هو بمثابة شرط لازم للعمل و النجاح".

وبالمقابل " فإن الاختلال في الرؤية السياسية الفكرية ، إنما يعكس اختلالاً جذرياً في رؤية الواقع و شروط الصراع و محدداته ، و أما اختلال الرؤية التنظيمية ، فإنه يعكس وجود عدم تناسب خطر بين الرؤية التنظيمية و بين الرؤية السياسية –الفكرية ، أي بين السياسة و الهدف و بين أداة تحقيقها . وعليه ، يجب الانتباه كي لا تقع الرؤية السياسية –الفكرية في وهم التماسك المنطقي الشكلي الذي قد يبدو بناءً جميلاً ، و لكنه لسوء الحظ ليس البناء المطلوب و الملائم لاستحقاقات الواقع ، وهذا لا يعني تغيب الانجازات التي تحققت في سياق النضال الوطني الفلسطيني ، ولكننا نتحدث عن واقع مأزوم ، يحتاج لجرأة عالية لتخطي دوائر المراوحة و التذمر و محاولات تبرير الفشل ، باتجاه التأسيس لعمليات نهوض لا بد منها ، كوننا كشعب و قوى وطنية لا نزال ، على ما يبدو ، في جولات الصراع الأولى رغم كل عقود النضال التي انقضت حتى الآن".

يشترط هذا حكماً ، -كما توضح الوثيقة التنظيمية للمؤتمر السادس- "ضرورة توفير مجموعة محددات و نواظم ، دون توفرها ستبقى العملية أسيرة العفوية و ضيق الأفق . و هنا تطرح الوثيقة ثلاثة محددات رئيسية هي ":

أولاً : إن وعي الأزمة و الاعتراف بها دلالة حيوية و صحة ، و ليس دليل عجز أو إحباط ، كما أنه دليل مقاومة و صفاء و ثقة بالذات و بالمشروع الوطني ، هو بمثابة الشرط اللازم لإنقاذ التنظيم من خطر مميت إذا ما واصل التصرف ، و كأنه في أحسن حال . إنه و الحال هذه ، بالضبط مثل مريض يعطي بعدم وعيه الفرصة للمرض ليواصل الفتك بالجسد و الروح ببساطة و سهولة . أما وعيه و عدم الاعتراف به فهو بمثابة انتحار.

وعي هذه الحقيقة و العمل بموجبها هو ضمانة أساسية لتجنيب الحزب دفع كلفة باهظة سياسياً و معنوياً و مادياً ، كان بالإمكان تجنبها بثمن زهيد و هو التصحيح في الوقت المناسب و على النحو المناسب . أو بكلمات أخرى يكثفها مأثورنا الشعبي : درهم وقاية خير من قنطار علاج.

ثانياً : ضرورة التمييز أثناء مواجهة المعضلات و القصورات التنظيمية ، بين النقد العلمي و القراءة العميقة لجذور تلك المعضلات الفكرية و السياسية و العملية ، و عمليات الندب و النواح. يؤسس المظهر الأول لديناميات تطور و نهوض ، و يؤشر المظهر الثاني لبؤس معرفي و معنوي، و يقود في حال استفحاله إلى تبديد المزيد من الطاقات و الاستنزاف الداخلي ، و تعطيل العقل و إشاعة مناخ من اليأس و الإحباط.

ثالثاً: وعي العملية التنظيمية و ما يرافقها من معضلات على أنها عملية وطنية و اجتماعية موضوعية و تاريخية ، إذ يمثل وعي هذه الحقيقة ، أهمية قصوى كونه يرتقي بالمسألة التنظيمية من مجرد عملية فنية إدارية و بعض الآليات و القواعد و النصوص الجامدة ، التي يتعامل معها البعض و كأنها خاصة به و بعاداته و مستواه ، إلى مستوى اعتبارها انعكاساً كثيفاً للرؤية الاجتماعية و الفكرية.

 

هكذا يمتلك الحزب المواصفات المطلوبة التي تكفل دوره الإيجابي و ممارسته ، الطبيعية داخل التنظيم الأشمل و الأعقد و الأغنى ، أي المجتمع.

بهذا الفهم –كما تضيف الوثيقة- يتم إنقاذ العملية التنظيمية من محاولات الهبوط بها و كأنها صراع أشخاص يمارسون عبرها هواياتهم.

وفي هذا السياق تقر الوثيقة بحجم الثغرات والأخطاء في مساحة السنوات المنصرمة الفاصلة بين مؤتمرين التي لم تستثمر كما يجب ، بل إن تلك السنوات "كانت حافلة بالثغرات والأخطاء ، وبتواصل ضغط عناصر وتجليات الأزمة الوطنية والداخلية. غير أن ذلك لم يحرف الاتجاه العام الذي بدأ بطور الاعتراف بالأزمة، مروراً بسيادة مظاهر النقد، ثم الانتقال لطور وعي الأزمة وقراءتها العميقة من خلال عمليات ووقفات ووثائق مراجعة شاملة، وصولاً إلى المرحلة الراهنة التي تمثل عملية التهيؤ للدخول في ديناميات النهوض".

"و بناءً عليه ، تصبح الجبهة الشعبية ، ارتباطاً بالرؤية التنظيمية ، أمام جملة استحقاقات و اشتراطات بعضها يعود للمرحلة السابقة ، و معظمها يتجه للواقع و المستقبل . يتمثل أهم استحقاق ناظم على الصعيد التنظيمي في قدرة الجبهة الشعبية على تطوير بناها و مؤسساتها و أدائها ، بما يلبي الوظيفة و الدور التاريخي الذي يجب أن تقوم به".

و لذا ، يجب أن تتم العملية وعياً و ممارسة بوصفها صيرورة تقوم بوظيفتها و دورها المحدد ، من خلال عمليات تركيم و إزاحات متتالية تصل إلى لحظة التقدم النوعي بعد تأمين مقدماتها :-

أولاً : تأمين الديمقراطية الداخلية ، التي تعني توفير البيئة القادرة على استيعاب مجمل العمليات التنظيمية الداخلية ، بحيث تغدو الديمقراطية نظام حياة . هكذا لا تكون الديمقراطية مناسبة ليرقص كل من يشاء وفقاً لفكرة فوضوية خطرة "أنا حر" . هنا لا بد من التشديد على أن لا أحد ، مهما كان ، هو حر بالمعنى المطلق ، لأن الديمقراطية مشروطة بالوعي و مصلحة الجماعة ، مشروطة بالنواظم المنهجية الملاءمة . الديمقراطية التي تحمي ذاتها من الفردية و الأنانية و الانغلاق و في ذات الوقت من الابتذال و الانفلات و إلحاق الضرر بالجماعة . ما لم يتوفر هذا الشرط التأسيسي فإن كل حديث عن "الديمقراطية الجماعية" مجرد لغو أو لهو.

ثانياً : تؤمن البيئة الديمقراطية المناخ المناسب لإطلاق أوسع فاعلية فكرية في الحزب.

ثالثاً : توفر البيئة الديمقراطية و الفاعلية الفكرية الحل المناسب لإدارة تناقضات الحزب الداخلية بهدف إنضاجها و حلها و توظيفها إيجابياً.

فالتنوع و صراع الأفكار هو مصدر إثراء و إغناء طبيعي لمن يقدرها و يعرف كيف يستفيد منها ، لأن التطابق و التماثل لا يعني سوى الموت و الركود الذي يقود إلى دكتاتورية الرأي الواحد، فيتحول الحزب إلى قوى طاردة بدل أن يكون مركزاً جاذباً للطاقات الاجتماعية.

وعن كيفية توفير شروط الفعالية القصوى والوحدة الصلبة، تضع الوثيقة التنظيمية سبيلاً لذلك عبر " توفير البيئة الديمقراطية و ترجماتها الملموسة في معايير و نواظم و آليات ، إلى جانب إطلاق الفعالية الفكرية ، ووعي التناقضات الداخلية ، و احترام الآراء و التعامل معها كعنصر قوة للارتقاء بدور الحزب و رؤيته و ممارسته ، و احترام علاقات الخاص و العام ، تؤمن الأسس و الشروط الضرورية ، لتركيز وحدة الحزب على بنى و نواظم و آليات و قناعات عميقة ، و فعالية سياسية و فكرية متواصلة".

هكذا "تتخطى وحدة الحزب مصيدة توليف المواقف و توازنات القوى و الكتل و تمويه التناقضات و سياسة التراضي و مزاج الأفراد و الانفعال . إن وضع الحزب تحت رحمة هذه المناهج و العقلية ، يؤدي بصورة حتمية إلى هبوط مريع في الأداء و المعايير، هذه العملية السلبية تفتح الباب واسعاً أمام توليد بيئة ملاءمة للنفاق و فقدان الجرأة و الصراحة و اللعب على التناقضات و شخصنتها ، و فقدان القدرة على المحاسبة و النقد الجريء .و بالحصيلة ، إغراق حياة الحزب و ما تواجهه من أسئلة و معضلات و مهام كبرى فكرياً و سياسياً و كفاحياً في المناورات و الحسابات الأنانية التافهة".

"وتكمن المأساة في مثل هذه الحالة ، في أن الحزب هو الذي يدفع الثمن من رصيده السياسي و المعنوي ، على شكل فقدان الشروط الضرورية لتأدية دوره ووظيفته السياسية و الاجتماعية على المستوى الوطني ، و يخل ببنيته كعقد اجتماعي . هكذا تصل الوحدة الشكلية إلى نهايتها المحزنة ، على شكل نزف داخلي مستمر ، و فقدان للثقة و الهيبة داخلياً و خارجياً وصولاً إلى تصدع البناء الحزبي بالكامل ، و في أحسن الأحوال ، تحوله لتنظيم هامشي و تابع ، يتخطاه الواقع و التاريخ عاجلاً أم آجلاً".

وبالتالي "فإن إنقاذ الحزب ووحدته من مثل هذه المصيدة المميتة ، يأتي من خلال عملية واعية لأقصى حد بإطلاق دينامية معاكسة و نقيضة للأول تماماً".

خلاصة القول ، -كما تضيف الوثيقة- أن وحدة الحزب الحقيقية ، إنما تأتي كحصيلة إجمالية لفاعليته القصوى سياسياً و فكرياً و كفاحياً و هذا غير ممكن ، إلا إذا تم الارتقاء دوماً بالممارسة الديمقراطية و بالمعايير التي تحكم العمليات التنظيمية المتنوعة ، لتصبح بمستوى الرؤية السياسية، التي بدورها ترتبط بمعايير الصراع الأشمل و أداء الطرف النقيض.

على أن الوصول بالعملية لهذا المستوى الراقي يتوقف، "على مدى الانضباط للقيم و الممارسة الديمقراطية ، و احترام العقل الجمعي و الفردي ووعي التناقضات الداخلية كمظهر طبيعي و شرط للتطور و الارتقاء "، وفي سياق هذه العملية تتراجع عقلية التوليف و تمويه التناقضات و تفقد مراكز القوى –بما هي تعبير سلبي يتمظهر على شكل أحزاب صغيرة في إطار الحزب الأشمل- البيئة التي تحتضنها و التربة التي تغذيها".

وهنا تطالب الوثيقة بوجوب "التمييز جيداً بين مفهوم مراكز القوى السلبي كظاهرة تحتضن الضعف و العجز لتأمين الحماية لذاتها ، و بين الاصطفافات الطبيعية ، التي تظهر في سياق العملية الإيجابية القائمة على إطلاق الفعالية الحزبية ضمن الشروط الناظمة التي أتينا على ذكرها . بهذا المعنى نفهم مقولات من نوع "في التناقض حياة" ، "التناقض جوهر الديالكتيك" ، هكذا يتاح المجال لقانون التناقض كي يفعل فعله في الحزب بحرية كاملة كمدخل للتطور و التقدم".

وفي هذا السياق تستنتج الوثيقة "أن وحدة الحزب المتجسدة في بنى و نظم و هيئات و أفراد و ممارسة ، يجب أن تتناغم مع الرؤية السياسية-الاجتماعية ، وإن عملية التناغم تلك شرط ناظم لتطور الحزب و إخراجه من مأزق الاستنزاف الداخلي، ذلك أن "العمليات المشار إليها هي بمثابة الصيرورات التي لا تتوقف ، وأي ممارسة أو تدخل سلبي لحسبها تحت سقف معايير هابطة، يعني التأسيس لديناميات الأزمة، وبالتالي فإن وعي واستيعاب تلك العمليات بصورة صحيحة، مشروط بمستوى كفاءة الهيئات والأفراد والممارسة، وتبعاً لذلك يرتبط مستوى الكفاءة بشرط القدرة على مواكبة واستيعاب تطور الواقع المادي والعملي والمعرفي. هذا ينقل النقاش لعنوان آخر من عناوين المسألة التنظيمية، نقصد عملية التجديد الحزبي".

وحول مفهوم التحول والتجدد أو الضمور والتلاشي ترى الوثيقة أن أي نجاح أو إخفاق لأي حزب ، يتقرر بمدى قدرته الدائمة و المتجددة على مواكبة حركة المجتمع المعقدة و المتشابكة لأبعد حد ، و بالتالي القدرة على تلبية مصالح و أهداف ذلك المجتمع ، في كل مستوى و مرحلة".

"فالحزب ليس فوق المجتمع أو خارجه أو تحته ، بل هو مكون داخلي أصيل من مكونات المجتمع ، و ميزته الحاسمة تتجلى في وعيه لدوره ووظيفته كجسم عالي التنظيم و الأداء ، لصالح الأصل / المجتمع ، سواء على الصعيد البنائي الداخلي ، أو على صعيد الصراع ضد عدو قومي كالعدو الصهيوني" .

إن "نجاح الحزب في تأدية وظيفته و دوره ، يوفر شرطاً حاسماً ليصبح الحزب دائرة جذب ، تقوم على القناعة و الثقة و الاحترام من قبل أوسع الطبقات و الفعاليات و القوى الشعبية، هذا يفرض ضرورة التحرك الدائم لتلبية استحقاقات عملية الجذب تلك ، بما تعنيه و تحمله هذه العملية من تناقضات جديدة ، و أسئلة جديدة ، و مهام جديدة ، وصولاً للحظة القطع الثوري ".

"هنا يجب الانتباه لمخاطر جدية ترافق هذه العملية الحيوية تتمثل في وهم التسرع و القفز عن تشابكات الواقع و بالتالي إقحام الحزب و المجتمع في عملية صراع داخلي مبكرة ".

ثمة خطر آخر هو ، استمرار العمل بنفس المعايير و الأداء و الأدوات السابقة ، الأمر الذي يقود الحزب إلى دائرة العجز عن استيعاب حركة الواقع ، و بالتالي إضاعة فرص ثمينة لتجديد بنيته و رؤيته و ممارسته، يتأتى هذا الخطر الجدي ، عن عقلية قاصرة و نرجسية ، تفسر نجاح الحزب و تستخدمه باعتباره نجاحاً شخصياً ، الأمر الذي يعني السقوط في وهم أن البنية و القيادة و الممارسة و الآليات التي أتى النجاح في ظلها في لحظة أو مرحلة ما ، صالحة لكل زمان و مكان. إن الوقوع في أسر هذا المحظور الخطر ، يؤشر على خلل منهجي و معرفي تجاه بديهيتين هما :

  1. إغفال مبدأ التجديد كخط ناظم يعبر موضوعياً عن مبدأ تعاقب الأجيال بصورة طبيعية في المجتمع و الحزب . إن إغفال هذا المبدأ و عدم وعيه بعمق ، ينقل فعله من ديناميات التركيم و التكامل و التواصل بالمعنى الإيجابي ، إلى ديناميات الصراع و الصدام.
  2. القفز عن بديهية أن المجتمع يملك طاقات و كفاءات مبدعة أكثر من كل الأحزاب السياسية مجتمعة. يقود إغفال هذه الحقيقة إلى البيروقراطية و علاقة فوقية مع المجتمع.

 

هكذا تصل الوثيقة إلى نتيجة مفادها " إن عملية التجديد في الحزب ذات طابع موضوعي ، مستمرة و متواصلة باستمرار و شاملة لكل الجوانب . يستدعي حماية عملية التجديد من مصيدة الشكلية ، و الفهم الضيق ، الذي يحصرها في الحراك و التبادل الحزبي الداخلي ، و إعادة النظر الشكلية في النصوص بصورة مجردة ، إلى مستوى التعامل معها ، مفهوماً و ممارسة ، كعملية تبادل فعالة بين الحزب و المجتمع . إن التجديد الحقيقي يكون بإضافة طاقات جديدة ، لم تكن أصلاً موجودة داخل الأطر الحزبية . هذا يعني بالضرورة ، الارتقاء بمعايير التجديد لتصبح متناغمة مع أفضل ما يضمه و يختزنه المجتمع من كفاءات ، و إلا سيجد الحزب نفسه في لحظة معينة أمام مشكلة جدية ، تتجلى في تراجع مستوى معايير قيادته و كوادره و أعضائه و بناه و ممارسته ".

وبناء على ذلك، كما تضيف الوثيقة " فإن عملية التجديد بقدر ما هي عملية موضوعية تعكس قوانين الحياة ، بقدر ما يجب أن تتم في الحزب بصورة واعية ، و إلا ستتحول إلى عملية عفوية ، تجري تحت ضغط الأزمات و الأحداث مع ما يرافق ذلك من نبذ للكفاءات ، و نزيف داخلي ، و فقدان للهيبة و الثقة على أكثر من مستوى، لأن الأمر لن يقف عند حدود التذمرات الداخلية والاستنكاف، بل –وهذا هو الأخطر- سيتعداها إلى تآكل الحزب كمشروع سياسي –اجتماعي- تحرري. وتبعاً لذلك، فقدان المبادرة، والتخلف عن صيرورات المجتمع، واستحقاقات الصراع الأشمل ".

"إن عملية التجديد الحزبي تشمل أيضاً التجديد على صعيد الرؤية السياسية و الفكرية و الاجتماعية ، و البنى و الأطر و البرامج ، بصورة مستمرة و متواصلة ارتباطاً بحركة الواقع و شروط الصراع ، و الأهداف الوطنية و القومية ، و تبعاً لذلك التجديد في وظيفة الحزب و دوره".

إن عملية التجديد من ناحية المبدأ ، هي عملية موضوعية ، لكنها يجب أن تتم في الحزب بصورة واعية ، هذا يعني ، أن هيئات الحزب القيادية ، يجب أن تملك الوعي و الكفاءة و الصبر لإدارة هذه العملية بنجاح و إنقاذها من مزاجية الأفراد ،ومما يتراكم من هبوط في المعايير مع مرور الزمن، وما تفرضه عملية احتدام الصراع من إعادة نظر في المعايير بصورة متواصلة، وإلا ستتخلف عن مواكبة الأحداث واستحقاقات المشروع بجانبيه التحرري والاجتماعي، وهو الأمر الذي يقود لتأسيس ديناميات كبح داخلية حفاظاً على سقوف الوعي والأداء والبني القائمة".

وترى الوثيقة بحق " أن نجاح القيادة في إدارة هذه العملية و إطلاق فعالياتها لأقصى مدى ، هو معيار عمق وعيها لدورها ووظيفتها في إطار الحزب كمشروع وطني شامل و ممتد و متواصل و متجدد باستمرار، كظاهرة اجتماعية عمرها من عمر المجتمع و ليس الأفراد، هذا الأمر يعني حكماً أن ثقل دور القيادة و مكانتها في صفحات تاريخ الحزب و الوطن ، مرتبطان بقدرتها على شروط استمرار الحزب و تطوره ، ارتباطاً بدوره ووظيفته كحامل لرؤية سياسية-اجتماعية متطورة باستمرار تبعاً لتطور الواقع الموضوعي والذاتي، وتبعاً لتطور الأهداف من مرحلة لأخرى".

حيث تؤكد الوثيقة على أن هذا الدور المطلوب من الهيئات القيادية مرهون بعمق وعي هذه الهيئات، إن وعي الهيئات القيادية أفراداً و جماعة يعني أن تقوم بتوفير شروط ارتقائها بذاتها باستمرار ، عبر التغذية المستمرة للعقل ، و التجديد المستمر للذات بتوظيف كفاءات جديدة و إخلاء من لم يعد لديه القدرة على التقدم ، أو من تثبت الممارسة عجزه و تخلفه سواء بحكم عوامل موضوعية أو ذاتية". لان القيادة –كما توضح الوثيقة – " تحتل، عبر هذه العملية و النجاح في تأمين شروطها ، دورها و مكانتها في تاريخ الحزب و الشعب و لا تختلسه اختلاساً في غفلة من الحزب أو الزمن، لأنها تستعيد في هذا المجال مضامين وأبعاد الفكرة التي أطلقتها الجبهة الشعبية في مرحلة متقدمة، من تاريخها ألا وهي : "مبدأ التحول"، بما هو عملية شاملة ومتواصلة دائماً وأبداً ، وحيث يتماهى التحول تماماً مع مبدأ التجديد الذي أتينا على ركائزه ونواظمه الموضوعية والذاتية".

أخيراً تستذكر الوثيقة موضوعة التحول – كحزب ماركسي- بقولها " إن إعادة الاعتبار للتحول، بما هو عملية تجديد مستمر، تحفظ للجبهة الشعبية تاريخها وحقوقها، وتسلحها بمبدأ أن يكون التجدد جوهر حياة الحزب ومصدر شبابه. إن التاريخ مدعاة للفخر، ولكن الفخر الأكبر هو في الاستمرار بالمستقبل عبر عطاء متواصل وكثيف ، وهذا غير ممكن إلا إذا واصل الحزب تجدده بصورة دائمة كحامل لمصالح وأهداف الشعب الوطنية والاجتماعية العليا، ليس في مرحلة ما ، بل في كل المراحل. إن شرط ذلك، وكما هو معروف، تحضير الذات، وعبر التجدد، للمستقبل.

وتضيف الوثيقة مخاطبة كافة الرفاق في الجبهة " إن واجبنا جميعاً ، سواء في هيئات الحزب و منظماته و أعضائه أو أصحاب فكر و مسؤولية وطنية الارتقاء لمستوى هذه المهمة الإنهاضية الكبرى ، بوصفها شأناً وطنياً قبل أن تكون مسألة حزبية ، بهذا نؤسس جميعاً في الداخل و الخارج فكرياً و عملياً ، للانتقال من مرحلة الأزمة و المراوحة و الإحباط و اليأس و التذمر إلى مرحلة النهوض عبر تلبية اشتراطاتها و استحقاقاتها التي نحن على ثقة أننا قادرون عليها ، فيما لو قمنا بما نستطيع .كما أننا على ثقة أن الحزب يملك ممكنات النهوض ، على الرغم من كل الأثقال التي يعاني منها و التحديات الوطنية الكبرى التي تواجهه ، و مفاعيل الأزمة التي يعيشها".

أخيراً ، يهمنا أن نشير إلى أن عملية التحول عاشت نوعاً من المفارقة او الثنائية المتناقضة ، فالجبهة الشعبية وعلى الرغم من توجهها الماركسي الصادق ، إلا أنها لم تستطع الموائمة أو التفاعل الايجابي بين هويتها الماركسية المعلنة وفق وثائق مؤتمراتها ، وبين سياساتها وبناها التنظيمية التي لم تستطع توفير الأسس المطلوبة لعملية التفاعل أو التزاوج بين النظرية من ناحية وتلك البنى التنظيمية من ناحية ثانية، ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة الذهنية السائدة في معظم الهيئات والكوادر القيادية المقررة في الجبهة في تلك المرحلة ، والتي ظلت كما يبدوا أسيرة لماضيها ، خاصة فيما يتعلق بالتزامها بالمفاهيم القومية التقليدية و عدم قدرتها في فهم واستيعاب طروحات النظرية الماركسية ومنهجها ، إلى جانب استمرار ظاهرة الخلط وعدم التمييز بين الأهداف الاستراتيجية الكبرى والأهداف التكتيكية، وبالتالي الانشداد في أغلب المحطات لما هو استراتيجي ، ما يعني جموداً على تلك المواقف بعيداً عن ضرورات الحركة المطلوبة - في تلك المرحلة وكل المراحل – ضد منطق الثبات مما أثر على فعالية الجبهة وأدى في بعض الاحيان إلى عزلتها ، إلى جانب أن عدداً من القرارات أو الممارسات التي أكدت أن تجربة الجبهة التاريخية –واللاحقة فيما بعد- لم تخلُ من أخطاء على حد قول المؤسس الراحل د. جورج حبش حينما أكد على "أننا لم نستعمل عقلنا كما يجب، كنا نقاتل بسواعدنا أولاً وبقلوبنا ثانياً ... أما العقل فلم نستعمله بما فيه الكفاية" ، وفي قوله أيضاً "إن إلتزام الجبهة بالفكر الماركسي لم يمنع وقوعها في بعض الأخطاء والفهم الميكانيكي للمسائل" ، ولذلك فإن دروس وعبر مؤتمرات الجبهة وقراراتها الخاصة بموضوع التحول ، تتجلى في ضرورة النظر إلى عملية التحول ، كعملية جدلية في إطار المنظومة الفكرية والسياسية والتنظيمية المتكاملة، بحيث لا يجوز للكادر أن يكتفي فقط بقراءة العديد من الكتب الماركسية دون أن يتعاطى مع القضايا الأخرى ، السياسية والتنظيمية ، والمجتمعية ، والجماهيرية برؤية شمولية مترابطة ، فالقراءة أو التثقيف الحزبي ، على أهميته وضرورته وأولويته القصوى ، إلا أنه يظل طريقاً أو بعداً أحادياً لا يمكن ان يحقق تأثيره أو نتائجه المأمولة في عملية التحول بدون التفاعل مع كافة القضايا الأخرى بصورة شاملة ومترابطة ، بحيث يمكن عندئذ الحديث عن تحول النظرية الماركسية إلى منهج عمل ، وإلى سياسات وأوضاع وهياكل تنظيمية متلائمة مع شروط التحول، وبدون ذلك تظل الماركسية مجرد لافتة حمراء أو شعاراً مرفوعاً محكوماً للشكل أو المظاهر بعيداً عن الجوهر الحقيقي الذي توخته أو استهدفته عملية التحول منذ المؤتمر الأول للجبهة.

المراجع:

[1] الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين : وثائق المؤتمر الوطني السادس، نحو رؤية تنظيمية جديدة، 2000.