Menu
حضارة

مصر ورسائل أمن

د. سامي محمد الأخرس

في أعقاب ثورة يناير المصرية عام 2011 كتبت مقال استعرضت فيه لأزمات مصر المتعددة، وكذلك العديد من القضايا الاستراتيجية المتعلقة بالشأن الفلسطيني من جهة، والملفات المصرية - الإفريقية من جهة أخرى، وكيف أن مصر فشلت بمعظم هذه الملفات لأنها عالجتها من زاوية أمنية محضة، وأنها تقدمت في معالجة العديد من الملفات عندما استلمت الخارجية المصرية بعض الملفات وأحرزت بها تقدمًا كبيرًا وعلى وجه التحديد بإفريقيا، ألا أن الدولة المصرية بعد ثورة يوليو أو أحداث يوليو 2013 عادت أو أعادت الملفات مرة أخرى لجهاز المخابرات المصرية، وعلى وجه التحديد الملف الفلسطيني، والعلاقة مع غزة على وجه التحديد، من منطلق أن غزة هي البعد الأمني الهام والحيوي لمصر عامة، ولسيناء خاصة، ورؤية الأمن تختلف عن الرؤية السياسية، خاصة وأنها لا تأتي في منظومة العلاقات والتفاعلات مع كيان أو دولة سياسية تخضع لمنظومة العلاقات الدولية والأعراف الدولية، وهو منطق يحمل في طياته منظورين الأول: منظور ترى به مصر صوابية الفعل بما أنها أمام معالجة أمنية أكثر منها سياسية، وكذلك اضطلاع جهاز المخابرات المصري بالشأن الفلسطيني منذ عهد الرئيس المصري حسني مبارك، وبذلك يكون جهاز المخابرات أكثر دراية في مكونات وتفاعلات هذا الملف، أضف لخصوصية الواقع الأمني للكيان الصهيوني. الثاني: منظور رؤية أو تصنيف الدولة المصرية لحركة حماس المسيطرة على قطاع غزة، وهل هي تتعامل معها كحليف استراتيجي وقوة فلسطينية سياسية شريكة؟ أم كجماعة ناصبت الدولة المصرية عداء في مرحلة من المراحل وخاضت معها مصر معركة شد وجذب طويلة، وكانت في بؤرة ومحور الاتهام الدائم حتى أن محاكمة الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي كانت بتهمة التخابر مع غزة (حماس) وأن ضرورات التفاعل الأمني أكثر ضرورة مطلبية للدولة المصرية؟

من هنا فإن الدور المصري الحالي لا يبتعد كثيرًا عن الدور السابق الذي مارسته الدولة المصرية عبر كل المراحل مع الملف الفلسطيني، والخصوصية بالنسبة للدولة المصرية سواء أثناء المفاوضات في أوسلو وما بعدها أو أثناء مرحلة الخلافات الفلسطينية - الفلسطينية، ومن ثم بعد انسلاخ غزة عن النظام السياسي الفلسطيني، والذي يعتبر بمثابة وسيط أمني بين الممثل الفلسطيني بشقيه السلطة الفلسطينية وحركة حماس وبين الكيان الصهيوني، وهذا الدور (الوسيط) هو نتاج إفرازات معاهدة السلام المصرية - الصهيونية عام 1979، والذي تحول به الدور المصري من شريك إلى وسيط يضع مصالح مصر الأمنية والسياسية في سلم الأولويات. ومن ثم منع أي حالة احتقان وتوتر على حدود مصر الملتهبة والتي بدورها تنعكس بالسلب على الأمن المصري، خاصة بعد ثورة يناير 2011 وما نتج عنها من أحداث وتداخلات أمنية وسياسية، ومواجهة شاملة مع جماعة الإخوان المسلمين، وقد نجحت مصر بذلك من خلال توفير حماية أو تحييد أي دعم للجماعات الإرهابية في سيناء من غزة من جهة وتحييد التدخلات الصهيونية في الشأن الداخلي بسيناء وكذلك تحييد أي أطراف فلسطينية ممكن أن تحاول غض البصر عن الحدود المصرية كردة فعل على سياسات الدولة المصرية.

من هنا فإن الرسائل المحمولة والجولات المكوكية المصرية الأمنية هي رسائل تحمل في طياتها وسيط مباشر في المفاوضات غير المباشرة بين الكيان الصهيوني وسلطة غزة وكذلك سلطة رام الله، وأن الطرف المصري هو الطرف الوحيد الذي يستطيع أن يلجم جماح أي طرف فلسطيني نظرًا لمترتبات التشابك بين المصريين والفلسطينيين سواء على مستوى الأمن أو السياسة أو الجغرافيا، فالجيبولتيك الفلسطيني لا يمكن عزله عن الجيبولتيك المصري، كذلك إدراك الأطراف الفلسطينية إنها لا يمكن لها أن تمارس السياسة المستقلة بعيدًا عن مصر التي تتحكم بكل قنوات التواصل الخارجي للأطراف الفلسطينية، خاصة تلك التي تنعدم قنوات الاتصال الجيوسياسي الخارجي مع العالم إلا عبر الجغرافيا المصرية، أضف لذلك قدرة المصريين على التفاعل القوي مع الكيان الصهيوني والتأثير به، والذي من خلاله يؤمن الطرف الفلسطيني استقراره السلطوي الذي يسعى إليه في ظل انعدام الرؤى والأهداف الإستراتيجية الكبرى والأساسية القائمة على الصدام مع العدو أو عملية التحرير، وهو ما ينطبق على كل مكونات النظام السياسي بغض النظر عن الشعارات الحماسية التي تطلق هنا وهناك.