Menu
حضارة

الوعي في مواجهة الاستسلام

خاص بوابة الهدف

مقاومة الظلم بأساسها هي فعل غريزي يحفزه الوعي بهذا الظلم، وفي مقاومة الاستعمار والاحتلال الذي يتخذ شكل الظلم الممنهج والمخطط، تبدأ الشعوب بتنظيم ذاتها، للقيام بسلوك جماعي واعٍ ومدروس يستفيد من ذلك الميل الغريزي والاستعداد الفطري لمقاومة الظلم والاحتلال.

في هذا الاطار تنشأ حركات المقاومة، لتطوير الغضب وردود الفعل الغريزية ضد الاحتلال، إلى مشروع تحرر وطني، ينظم الجماهير، ويطلق طاقاتها في مواجهة الاحتلال، و إن أي ارتكاس عن هذا التنظيم الجماعي، أو عن الوعي بطبيعة المعركة، بصفته عنصر أساسي محرك لهذا الجهد الجمعي هو تعبير عن فشل في الأدوات، وتراجع خطير يجب الوقوف عنده ومراجعته ومحاسبة المسؤولين عنه، والبديل هنا بالتأكيد ليس الاستسلام.

يتبارى ساسة فلسطينيين، في وضعنا بين خيارين، ليس أحدهما المقاومة التي تمثل الطريق الأساسي لهزيمة المحتل، بل هما خيار الاستسلام العابث لهذا المحتل ولمشروع القضاء على حقوق شعبنا، ووجوده الأصيل الحر في أرضه، وبين شطحات تقامر بهذا الشعب ومقاومته، ولا تعكس ثقة بوعيه أو قدراته، هذا في وقتٍ لا يبدو فيه خيار المقاومة غائبًا، أو أن شعبنا قد كفر به أو أهمله، بل على العكس من ذلك يبدي هذا الشعب العظيم في كل يوم تمسكه بخيار المقاومة الواعية المدركة الساعية لتحقيق أهدافه في الحرية والاستقلال.

إن استمراء الجنون علامة يأس شخصي، يشخصها علم النفس، أمَّا محاولة تعميم الجنون، ظنًا من صاحبه أنه مذهب سياسي أو حياتي، فهي جريمة ترتكب بحق القضية والجماهير في هذه المرحلة الحساسة، وفي هذا لا يجوز على الاطلاق السماح بأي محاولة للإساءة لطبيعة نضال شعبنا، أو اضرار بإيمان الجمهور بهذا النضال وضرورته وجدواه، فالمقاومة والنضال كانت ولا زالت جسر شعبنا الذي مده الشهداء بأجسادهم نحو الأمل في مستقبل أفضل، والذي قاتل شعبنا لأجل الحفاظ عليه، وهذا لا يمكن السماح بهدمه بالعبث أو الجنون الذي يدعيه البعض.

إن شعبنا اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى مدعو للتمسك بالأمل بكفاحه البطولي ضد هذا الاحتلال، أمل يدعمه وعي حقيقي بضرورة القتال ضد مشروع الاستعباد والابادة الذي يمثله الاحتلال وأدوات الهيمنة في هذه المنطقة من العالم، والمقاومة وقوى العمل الوطني على اختلاف مشاربها مدعوة لتنقية صفوفها، من أولئك المهزومين الراغبين بالاستسلام، أو بهلوانات الاستعراض الكاذب الذين يسخفون نضالات شعبنا، ويلصقون بها عبث شخصي لا يقدر أو يحترم تضحيات هذه الجماهير أو يؤمن بها.

قد يبدو الطريق لوحدتنا طويل، والطريق لانتصارنا أطول بكثير، ولكن المُؤكَّد أن هذا الطريق يبدأ بالوعي وتنظيم الذات، على المستوى الوطني العام، وعلى مستوى أصغر الوحدات المحلية والجماهيرية، فهذا التنظيم الذاتي هو مسؤولية جماعية وفردية، لطالما التزمها كل مناضل من أبناء شعبنا، مُبدعًا أروع أشكال العمل المنظم في مواجهة الاحتلال، دون خسارة للعفوية والحماسة الجماهيرية، ودون استخفاف بوعي الجمهور.

شعبنا اليوم وللأسف، ملزم بالتصدي ليس للاحتلال فحسب، ولكن لكل تلك الظواهر والنزعات التي تقوض كفاحه، وتشتت جهده، هذا الشعب وقواه الحية سينتصر حتمًا، ليس بالعبث أو الاستسلام، ولكن بالوعي والتنظيم الذي يُعبّر عن شخصيته الحضارية وارثه النضالي، ومدرسته الكفاحية التي لطالما علمت هذا العالم الكثير الكثير، عن حق الشعوب، والكفاح لأجل هذا الحق.