Menu
حضارة

على هامش تصريحات علي باباجان

علي جرادات

نقلًا عن الخليج الإماراتية

«مَن يربح إسطنبول يحكمُ تركيا ». كلمات مهمة وذات دلالات كبيرة أطلقها الرئيس التركي أردوغان، ليس فقط لأسباب تتعلق باستنهاض وتحشيد طاقات جمهوره الانتخابي، لكسب معركة انتخابات المجالس البلدية الأخيرة، وللحفاظ، بالتالي، على شعبية حزبه أو زيادتها؛ بل، أيضاً، لأسباب أكثر جوهرية، الأول لمعرفته، ومعه أركان قيادة حزبه، أن لكسب الانتخابات في المدن الكبرى، وفي إسطنبول وأنقرة تحديداً، أهمية كمية تتمثل في العدد الهائل للناخبين فيها، وأهمية نوعية تتمثل في أن هذه المدن هي، أساساً، مفرخة نخب الطبقة الوسطى، ونخب القوة الناعمة، بمجالاتها المختلفة. أما السبب الثاني، وهو الأهم، فيتمثل في معرفة أردوغان أن خسارة حزبه الحاكم في انتخابات المدن الكبرى، تنطوي على تداعيات كبيرة على مستقبله السياسي، سواء كرئيس لتركيا، أو كزعيم للحزب الحاكم فيها، بل وتنطوي على احتمال تفجير الخلافات القائمة داخل هذا الحزب، الأمر الذي، ربما، يقود إلى حدوث انقسام في صفوفه، وبالتالي إلى أفول دوره كحزب حاكم في البلاد.
لذلك، أي لهذه الأسباب الجوهرية، فإن أردوغان لم يحترم إرادة الناخبين، ولم يُسلِّم بخسارة حزبه للانتخابات في إسطنبول وبقية المدن الكبرى، بل شكك في نتيجة الانتخابات، وحاول الالتفاف عليها وتغييرها في إسطنبول، بكل ما يملك من عوامل الضغط كرئيس للبلاد، بداية بطلب إعادة فرز الأصوات، ثم بطلب إعادة الانتخابات، لكن النتيجة في الجولة الثانية جاءت أسوأ مما كانت عليه في الجولة الأولى، حيث زاد الفارق بين ما حصل عليه مرشح حزب العدالة والتنمية، وما حصل عليه مرشح أحزاب المعارضة التي قبلت التحدي ونجحت فيه. بذلك أضاف أردوغان سبباً آخر لأسباب الخلافات القائمة داخل حزبه، وداخل حكومته. يلخص الأمر، هنا، التصريحات التي أطلقها، في إطار تقديم استقالته من عضوية هذا الحزب، علي باباجان، أحد المقربين من أردوغان، والذي سبق له أن تولى عدة مناصب حكومية رفيعة، أبرزها: نائب لرئيس الوزراء، ووزير للخارجية، ووزير للاقتصاد، ووزير لشؤون الاتحاد الأوروبي، بالقول: «كنت أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية عام 2001 وأنا فخور بأنني أسهمت قدر الإمكان في تطوير بلادنا. وخلال تولي منصبي كنت مؤمناً بالمبادئ والقيم التي أعلنها حزبنا، لكن في السنوات الأخيرة نشأت فجوة عميقة بين العمل الحقيقي والمبادئ في كثير من أنواع الأنشطة، ما شكل صدمة كبيرة بالنسبة لي.. العالم تغير سريعاً، وتركيا تواجه تحديات كثيرة، وتحتاج في الظروف الراهنة إلى رؤية جديدة للمستقبل، ولا بد من محللين محترفين واستراتيجيين وبرامج جديدة تستجيب لروح الزمن. أنا وكثير من زملائي نشعر بالمسؤولية التاريخية عن القيام بهذا العمل، الذي سيكون ممكناً في حال إشراك كوادر جديدة».
كلام باباجان هذا يعني أن ثمة أزمة غير مسبوقة تواجه الرئيس التركي، أردوغان، ذلك اتصالاً بنهجه الإقصائي، وبعقله الانتصاروي الفاقد للحس التاريخي، وبأسلوبه السلطوي الملتوي الذي عالج به أمر تراجع شعبية حزبه، أي اتصالاً بتهربه من الاعتراف بأن هذا التراجع إنما يمثل حصيلة سياسته الإقصائية لمعارضيه حتى داخل حزبه، أي حصيلة ما سماه باباجان ب«الفجوة العميقة بين العمل الحقيقي والمبادئ». ويعني، أيضاً، أن أزمة حزب العدالة والتنمية الداخلية سائرة نحو حدوث انقسام داخلي، وإلا ما معنى أن يعلن باباجان أن «تركيا تواجه تحديات كثيرة وتحتاج إلى رؤية جديدة»، وأنه «وكثير من زملائه» يشعرون ب«المسؤولية التاريخية عن القيام بهذا العمل»؟ ويعني، أيضاً وأيضاً، اهتزاز هيبة ومكانة وسطوة أردوغان، سواء كزعيم للحزب الحاكم، أو كرئيس لتركيا، وهو الأمر الذي سيصب الحب في طاحونة أحزاب المعارضة في أي انتخابات سياسية، برلمانية ورئاسية قادمة. نعم يواجه أردوغان الآن، كما يُرجح أغلب المراقبين والمحللين الأتراك والأجانب، ما واجهه، في التاريخ المعاصر، زعماء أحزاب حاكمة اختزلوا أحزابهم في شخوصهم، وكأنهم «الحاكم بأمره». أما النتيجة فتراجع شعبية أحزابهم، وحدوث انقسامات داخلها، وخروجها من السلطة بفعل سنوات من ممارسة سياسة الإقصاء لجميع معارضي «الحاكم بأمره»، سواء من خارج أو من داخل حزبه.