Menu
حضارة

مقال لغسان كنفاني: المؤامرة على المقاومة

غسان كنفاني

غسان كنفاني

في الذكرى 47 لاستشهاد الأديب والكاتب الفلسطيني الكبير غسّان كنفاني، تُعيد بوابة الهدف نشر مقالٍ له بعنوان "المؤامرة على المقاومة"، من أرشيف مركز التوثيق الفلسطيني - روما.

كيف تسير محاولات تصفية العمل الفدائي في ظل الحل الاستسلامي.. هل تستطيع المقاومة الرد بعنف لدحر هذه المحاولات وتحطيمها؟؟

تقول أوساط عالمة أن الأنظمة العربية التي قبلت شروط الاستسلام الأمريكية أن الحل السلمي يحتاج إلى 5 شهور كي يكون موضع التنفيذ، وأن هذه الأشهر الخمسة تتعلق بقضايا أمريكية بالدرجة الأولى، وقضايا عربية داخلية على نفس المستوى.

  • من جهة أولى، فإن الشهور الخمسة هي المدة التي تحتاجها حكومة الولايات المتحدة كما تدّعي كي "لا تتنازل" تحت ضغوط القوى التي ستبرز خلال معركة الكونغرس الانتخابية القادمة.
  • من جهة ثانية، فإن تقدير الولايات المتحدة وحكومات الأمة العربية القابلة بالشروط الأمريكية إن عملية انتزاع القاعدة الاجتماعية للمقاومة الفلسطينة الموحدة تحتاج إلى 5 شهور قادمة.

وتقول الأوساط هذه ذاتها أن هاتين المسألتين قد طرحتا بشكل أو بآخر في جميع الاتصالات الرسمية العربية التي جرت خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، وأن المحور الأساسي في هذه الاتصالات، وفي الاتصالات التي جرت على مستوى دولي، لم يكن (كما حاولت الأنباء أن توحي)، خرق أو عدم خرق وقف إطلاق النار من قبل هذه الجهة أو تلك، ولم يكن موضوع شكل المفاوضات الذليلة هو الموضوع، ذلك أن الشيء الرئيسي كان: المقاومة الفلسطينية ووسائل تصفيتها.

وفي هذه الاتصالات يتردد أن الأطراف المختلفة بحثت:

1- مدى النجاح الذي حققته الحكومة الأردنية، حين ألفت قضية التجنيد الإجباري عمليًا، ذلك أنّ الاعتقاد الأمريكي يقول أن التنامي السريع بعدد أفراد ميليشيا المقاومة يعود في أحد أسبابه إلى رغبة الكثير من المطلوبين في تجنب الانخراط في سلك الجنودية النظامي، وذلك عن طريق الالتحاق بصفوف الفدائيين, ولذلك يعتقد الأمريكيون أنّ تخفيف الطلب على المطلوبين للجنودية الإجبارية يلغي عندهم أحد "حوافز" الالتحاق بالعمل الفدائي.

2- مدى "التفكك" الذي أحدثه قبول بعض الحكومات العربية، خصوصًا القاهرة، في الصفوف الفدائية (النمو السريع مثلًا في أحد التنظيمات الصغيرة المفتعلة، بعد أن التحق بصفوفها عدد من رجال الاستخبارات والمطاردين والمنتفعين، وكذلك البطء الكبير في التنسيق العملي بين الفصائل الأخرى).

3- اتباع النصائح الأمريكية التي تدعو في هذه المرحلة إلى العمل على تجنب صدام مسلح واسع النطاق مع الفدائيين.

4- التلميح الأمريكي "بمشروع ممكن" لجمع 4 بلايين دولار (بمعدل بليون دولار من كل دولة من الدول الكبرى، ثم يُضاف إليه ما يُقرر أن تدفعه إسرائيل)، لمنح 5 آلاف دولار كتعويض لكل فلسطيني يتنازل عن حقوقه في أرض فلسطين، ويقبل إسكانه في البلاد العربية (أو في غيرها).

إن هذا المشروع الذي تلمح به أمريكا هو النقطة المركزية في جميع الاتصالات الجارية وراء الكواليس في هذه المرحلة.

خطوط التصفية وأساليبها

 إن الذي يهمنا في هذا الأمر هو، بالإضافة إلى ما يعنيه هذا الكلام، على صعيد تطور المؤامرة، هو أن الاتجاه الذي تندفع فيه الحلول الاستسلامية، يكاد يكون مركزًا على نقطة واحدة، هي المقاومة الفلسطينية.

وهذا التركيز كما هو واضح حتى الآن يتجه أكثر فأكثر وبالدرجة الأولى نحو تجريد المقاومة الفلسطينية من قواعدها الاجتماعية وعزلها إما لكي يسهل ضربها أو لكي يسهل "ذوبانها الذاتي".

ولا شك أن النقطة المركزية الآن في مؤامرة الاستسلام هي نقطة "التعامل" مع المقاومة الفلسطينية- ومن الواضح أن هناك 3 خطوط تندفع فوقها هذه المحاولات:

  • الخط الذي تهمس به أوساط القاهرة ومن دار في فلكها: "إن مشروع روجرز يُعطي الشعب الفلسطيني عن غير عمد فرصة نقل المقاومة المسلحة إلى الضفة الغربية وإلى غزة، دون أن يجري مس قيم هذه المقاومة، ودون أن تُطالب بأي نوع من التنازل السياسي والقتالي".

وهذا الهمس الذي يقال أنه "أقنع" سليمان النابلسي حين كان في زيارته الأخيرة للقاهرة والذي يُقال أنّه جرى الهمس به أيضًا أمام وفد اللجنة المركزية للمقاومة الفلسطينية عندما كان في القاهرة، هو كلام على صعيد الواقع لا يعني شيئًا، وكل ما يمكن أن يؤدي إليه هو تشويش موقف المقاومة، وتأخير ردة فعلها وعرقلة تحركها نحو العمل على إحباط التوجه العربي الرسمي نحو الاستسلام.

إن مشروع روجرز واضح جدًا وكذلك التفسيرات المختلفة التي أضيفت إلى قرار مجلس الأمن، وكذلك الإجابات العربية والإسرائيلية على أسئلة يارينج العشرة، وجميع هذه النصوص تعتبر أن عبارة "إنهاء حالة الحرب"، تتضمن بوضوح مسألة منع قيام أية عمليات حربية من قبل "جيوش أو منظمات أو مؤسسات أو أفراد"، ورغم كل ذلك، فإن المسألة ليست "قانونية"، لكنها في الجوهر مسألة تطمح إلى إجهاض النضال الفلسطيني، عن طريق أقلمته ونسف صلاته العربية، ومن ثم تصفيته كليًا، سواء بوسائل القمع الجسدي أو الحصار السياسي.

وبالطبع ليس من المتوقع أن يجري الهمس بمثل هذه "الخطة الجهنمية" في أذن المقاومة وآذان حلفائها، إذ ان الهمس بأقل من هذه "الفهلوية" سيبدو تنازلًا تراجيديًا عن مواقف معلنة، هي التي تشكل عمليًا أمجاد الهامسين هؤلاء!

ولذلك فإن ترداد الكلام الذي يجعل من "مشروع روجرز" و"الغباء الإمبريالي" السلاحين الرئيسيين الباقيين في أيدي المقاومة، لا يمكن أن يكون إلا نكتة فظّة!

ولكن إذا نسينا مؤقتًا هذه النكتة الفظة فإنه من التعاسة حقًا أن يصبح المعنى الوحيد لشعار الالتزام العربي الرسمي بحقوق شعب فلسطين مشلولًا في هذا الهمس القاصر، وأن ينتهي هذا الالتزام إلى استسلامٍ كليّ بين أذرعة الإمبريالية واعتبار هذا "الخنق" الإمبريالي لذلك الالتزام "معانقة ودّية"!

الدولة الفلسطينية المسخ

*الخط الثاني الذي يجري التركيز عليه لحل "مشكلة" المقاومة الفلسطينية المسلحة، هو السعي الدؤوب نحو بلورة مشروع الدولة الفلسطينية.

والواقع أن هذا الخط يكاد يكون أعقد الخطوط المتعمدة الآن وأكثرها تشابكًا، وتوجد نسخ عديدة لمشاريع مختلفة في هذا النطاق، منها مشروع "غولدمان" وتلميحات فولبرايت، واتصالات "وجهاء" الضفة الغربية والمشروع المخبأ في خزائن الأربعة الكبار!

ولكن هذا الخط بالذات سيظل إلى فترة غير مرئية خاضع للاتصالات وللامتحانات وسيستخدم في هذه المرحلة فقط من أجل انتزاع القاعدة الاجتماعية للمقاومة وعرقلة وحدتها وتشويش توجهها.

ومن الواضح أن هذا الخط هو الذي يشكل بالنسبة لمختلف الأطراف تقريبا "هامش المناورة" المشترك، وقد يكون مشروع روجرز (تجنبًا لإحراجات دولية ومحلية محتملة)، قد ترك منفذًا واحدًا أمام "الطرف الفلسطيني" وذلك بمحاصرته ودفعه بصورة غير مباشرة لقلب النظام في الأدرن!

فإذا حدث ذلك (من قبل من؟) فإن مسألة الدولة الفلسطينية، تصبح فورًا قيد البحث، ويحدث بلا شك تغير كبير في الصورة.

إن أهم تطورات السنوات الثلاث الماضية حدثت عندما بدأت إسرائيل تعترف "بالهوية الفلسطينية"، وقد انتقل هذا الاعتراف بصورة مدهشة، من البهلوان "أوري أفنيري" إلى "أبا أيبان"، إلى "جولدامان" ومؤخرًا إلى "جولدا مائير" وهذه الأسماء الأربعة تعكس الرقعة الصهيونية من أدناها إلى أقصاها.

ومن مجموع التصريحات التي أدلى بها هؤلاء الأربعة، يلفت نظرنا تصريح مطول لأبا إيبان، قال فيه من بين ما قال: "لو أطلق العرب على الأردن اسم فلسطين لانتهت المشكلة"!

هل لهذا التصريح الذي أدلى به أيبان قبل شهور أي معنى- الآن- على صعيد التطورات الجارية؟

هل له معنى مقترنًا بتلميحات الأربعة بلايين دولار؟

هل له معنى مقترنًا بمقترحات جولدمان، وأنور نسيبة، وموسى العلمي، وخصوصًا بمقترحات "فولبرايت" التي تقول: "إننا نرفض مشروع الدولة الفلسطينية التي يدعو لها الفدائيون، ولكننا لا نرفض قطعة أرض أو إقليم غير إسرائيلي للفلسطينيين"!؟

هل له معنى مقارنةً بهمس القاهرة، حول فرصة المقاومة للعمل من الضفة الغربية وغزة؟

إن تطور الأحداث القادمة، خصوصًا الشكل الذي سيرسو عليه ميزان القوى المحلي في المنطقة، هو الذي سيجيب على هذه الأسئلة:

التصفية الجسدية للمقاومة

  • الخط الثالث الذي يجري التركيز عليه لحل "مشكلة" المقاومة الفلسطينية المسلحة يتلخص في العمل حاليا لعزلها عن طريق تجريدها من قاعدتها الاجتماعية (اعتمادًا على بطء حركة المقاومة في الرد) ثم ضربها بعنف، وإجراء تصفية جسدية لزعاماتها وإطاراتها وطلائعها على الطريقة الإندونيسية أو في أفضل الحالات الطريقة اليونانية..

ويعتمد سلوك هذا الخط على حجم القوة الذي تستطيع المقاومة أن تظهره، والواقع أن عملية عرض عضلات القوة، ما تزال منذ 23 تموز الماضي ( وهو للمصادفة تاريخ ثورة تحول إلى تاريخ استسلام) ما زال قائمًا على قدمٍ وساق.

ولكن مهما يكن فإنه من الواضح أن القوى المضادة لا تستطيع أن توجه ضربة قاصمة للمقاومة الفلسطينة في هذه المرحلة، لأسباب عديدة، وهي في سبيل أن تستطيع توجيه مثل هذه الضربة في وقت لاحق، لابد لها أن تسير بحذر شديد وبذكاء، فوق الخطوط التالية:

  • 1- حملة إعلامية تهدف لكسب الوقت وتشكيل مرحلة انتقالية تفصل بين التغني بالمقاومة حتى بعد ظهر 23 تموز 1970 وبين الهجوم العنيف عليها. إذ ليس من المعقول أن يتوقف امتداح المقاومة الفلسطينية فجأة، على أقنية الإعلام الرسمي العربي، ويذهب على التو للهجوم عليها، فذلك سيؤدي إلى نتائج معاكسة، ولذلك لابد من مرحلة انتقالية تتميز بالصمت والانتظار، وقد اخترع الإعلام العربي الرسمي "الأعداء" اللازمين (العراق والجزائر)، مبتعدًا عن التصدي المباشر للمقاومة. (في الواقع إن مثل هذا الميزان الدقيق يفتضح عندما يصل إلى صحف التاكسي المتميزة بالعصبية والزعرنة، إذ أنها تشبه المرتزق القبضاري، الذي يتجاوز العيار المرسوم من قبل المعلّم، فيفضح عن غير قصد النية الحقيقية لذلك المعلم.. وهذا ما فعلته الصحف الناصرية في بيروت).
  • 2- محاولة تأجيل الصدام المسلّح مع المقاومة (هذه نصيحة أبلغت للأردن من قبل أكثر من طرف خلال الشهر الماضي)، وكذلك محاولة تجنب الصدام مع فصائل اليسار، حتى لو كان الظرف على المستوى التكتيكي مناسبًا، لأن مثل هذا الصدام قد يدفع مجموع الفصائل إلى الالتحام مع بعضها.
  • 3- العمل باتصال على الإيقاع بين فصائل المقاومة، هذا الإيقاع الذي لن يتخذ في هذه المرحلة طابعًا دفع هذه الفصائل للاقتتال مثلًا، ولكنه سيأخد طابع التباين في رسم الخطط: ذلك هو المعنى الوحيد للاتصالات وحيدة الجانب، الجارية الآن.

 ومن الطبيعي أن يكون لمثل هذا التباين في هذه المرحلة، والمراحل اللاحقة نتائج شديدة الخطورة (يدخل في هذا النطاق ما يتردد عن اتصالات تجري مع بعض شخصيات جيش التحرير والمنظمة، للعب دور لاحق في "تمثيل شعب فلسطين").

*4- بعد ذلك من الممكن القيام بخطوات مختلفة مثل تحريك قوى "فلسطينية" مختلفة ضدّ القوى الشاجبة لقبول الأنظمة بشروط روجرز، مثل منع الاتصال بين الجبهات العسكرية المختلفة للمقاومة. مثل سلسلة من الاغتيالات لقادة وإطارات بعض فصائل المقاومة. مثل تجميد الحسابات الجارية الممكن تجميدها للمقاومة (المصارف العربية فعلت ذلك بالنسبة للهيئة العربية العليا عام 1948).. إلخ.

*5- وذلك كله يمكن أن يكون مع الخطوط الأخرى وسيلة تؤدي لعزل المقاومة عن قواعدها وجماهيرها، حصارها، تصفيتها سياسيًا أو جسديًا، وجرّ ولاءات الكثير من مؤيديها نحو شعارات أخرى لا بد أن تفرزها الساحة الرسمية العربية فيما بعد.

هل الحل السلمي سهل؟

إن هذا الكلام كله يجب أن يعاد وضعه في إطاره العلمي، خشية أن يكون قد أوحى عن غير قصد بسهولة أو بساطة التطور المتوقع في المراحل القادمة.

إن الإطار العلمي والموضوعي لمجريات الأحداث الراهنة، يُمكن تحديده من خلال النقاط التالية:

أولاً: إن قبول الأنظمة العربية بمقترحات روجرز الاستسلامية لم يكن مسحًا سحريًا لمجموع التناقضات المعقدة القائمة بين المستويات المختلفة لهذه الأنظمة وبين المستويات المختلفة لمعسكر العدو. فمثل تلك التناقضات ما تزال قائمة بكل عناصرها الموضوعية، وقبول بعض الأنظمة بشروط الاستسلام الأمريكية لم يحذفها، وهذا يعني أن "المؤامرة" ليست تحركًا وحيد الجانب، ولكنها حصيلة سلسلة من التناقضات خاضعة للتغير التكتيكي في أية لحظة، وكذلك لسلسلة من التراجعات أو الضغوطات، لابد أن تشهدها الساحة السياسية لفترة طويلة قادمة.

ثانيًا: هذا يعني أن "مؤامرة الاستسلام" لن تستطيع أن تفرض نفسها وفق خطٍ مستقيم، بل أن هذا الخط سيشهد الكثير من التراجعات والكثير من المزايدات والمناقصات كذلك سيشهد سلسلة من عمليات استبدال المواقع.

إنه من السذاجة التصور بأن الطريق أمام مشروع روجرز مفروش بالورد أو أن القبول العربي لشروط روجرز هو قبول مقدم على صحنٍ من فضة، ومن السخف الاعتقاد أن مشكلة الشرق الأوسط تنفرج وتتعقد مثل فتح أو إغلاق باب، فهذا خطأ قد يؤدي اعتناقه إلى تشوش خطر في خطط الثورة. إذ لا شكّ أن مفاوضات نيويورك مقبلة على تعقيدات، وأن "شعرة معاوية" ستكون إلى فترة طويلة سيدة الموقف، وأن وقف إطلاق النار سيُنتهك، وأن الخلاف سيتفجر من جديد حول تفسيرات مجلس الأمن، وربما ستسقط طائرات فانتوم أخرى، وستحدث معارك جديدة وسيمر الموقف بجمودٍ طويل أو قصير، باردٍ أو ساخن... ولكن ذلك كله لن يعني على الإطلاق أن "المناورة" العربية المزعومة كانت صائبة أو ذكية، وكذلك فإن هذا لن يعني أن الاستسلام الذي أظهرته الأنظمة العربية، لم يكن عملياً استسلامًا استراتيجيًا.

إن الانحراف الأساسي يبدأ في النقطة التي نتنازل فيها عن استراتيجيتنا التحريرية لحساب استراتيجية العدو. إن الخلاف هنا ليس على كمية هذا التنازل، ولكن على نوعية هذا الانتقال، من "الصمود" و"التحرير" إلى الاستسلام لإرادة العدو.

وبالتالي فإن التراوح داخل تلك الرقعة الاستسلامية مسألة محتملة ولا شك أنها ستحدث في الفترة القادمة، ولكن هذا لن يعني على الإطلق أن ذلك التراوح يخدم قضية معركة التحرير- وإن كان يخدم ربما قضية المساومات الكمية الجارية داخل الإطار الاستسلامي ذاك. إن الخلاف ليس على حق طرف من الأطراف في المناورة، ولكن عمّا إذا كانت المناورات التكتيكية قادرة فعلًا على خدمة قضية التحرير. لا وجود لتكتيك بدون إستراتيجية، وإستراتيجية الأنظمة العربية حتى الآن كانت مجرد شعارات يمكن توظيفها لخدمة تسويات كمية هي في الحقيقة سلسلة خطوات استسلامية تؤدي على المدى الاستراتيجي إلى تصفية الثورة العربية لمصلحة الهجمة الإمبريالية!

مهمات المقاومة في هذه المرحلة

إذا كان هذا واضحًا بالنسبة لحركة المقاومة، وهو واضح تمامًا، وأكّده أكثر من تقرير قُدم إلى اللجنة المركزية وحاز على موافقتها- فما هي الخطوات التي يتوجب على المقاومة اتخاذها الآن، ليس فقط للدفاع عن نفسها، لكن أيضًا لإحباط هذه المؤامرة وتحطيمها؟

ينبغي قبل البدء بالإجابة على هذا السؤال، أن نقر ها هنا أن الخطوات البطيئة، البطيئة جدًا، التي اتخذتها المقاومة ككل ردًا على مشروع روجرز، وردًا على الذين قبلوه، كانت ذات مستوى أدنى من مستوى الخطر الذي يمثله هذا المشروع، والذي يمثله القبول العربي له.

والواقع أنه هنا، وهنا بالضبط، يجيء دور الاختبار التاريخي لشعار "عدم التدخل في الشؤون العربية الداخلية" الذي ترفعه منظمة التحرير وبعض فصائل المقاومة. فمن حيث الشكل، يبدو هذا الشعار الآن، كما كان دائمًا تقريبًا ممكن التطبيق. ولكن الحقيقة تفترض العكس، إذا أن الثورة الفلسطينية تؤكد بالبداهة أنها على المستوى التكتيكي المستوى والإستراتيجي "شأن عربي" مصيري.

وانطلاقًا من هنا، يبدو أن المؤتمر الوطني الفلسطيني الطارئ الذي لم يقصر في شجب مشروع روجرز، قصر كليًا في شجب الخطوات العملية التي يشقها روجرز نحو قلب الثورة الفلسطينية، ونعني بذلك القبول العربي لهذا المشروع الاستسلامي. ويكاد ينطبق على هذا الشجب الوحيد الجانب، وعلى ذلك القصور في شجب القبول العربي بالمشروع، الوصف القديم "خطوة إلى الأمام.. خطوتان إلى الوراء"!

وعلى أي حال، فإن بطء تحرك المقاومة في الرد على "الاستسلام الإستراتيجي" الذي أعلنته الأنظمة العربية، هذا البطء الذي انعكس على مختلف مستويات العمل (المقصود: العلاقة بين أفراد المقاومة، إقرار خطة موحدة، إقرار مواقف من الكويزلينغيين المحتملين، إقرار هجمة إعلامية معاكسة ضد الأنظمة الراكعة، تصعيد العمل ضد الأعداء لتحطيم وقف إطلاق النار.. إلخ)- هذا البطء لا يمكن إلا أن يُضاف لحسابات الأنظمة في تحركها المضاد، فهذه الأنظمة ترغب رغبة عميقة في التقدم إلى الأمام عن طريق الاستفادة إلى أقصى حدٍ من "تحييد" المقاومة في هذه المرحلة، والاستفادة إلى أقصى حد من السكون الذي تتوقع أن تستمر المقاومة رازحة في قيوده لفترة قادمة، كما ذكرنا سابقًا.

ومن هنا فإن حركة المقاومة الفلسطينية مطالبة أكثر من أي وقتٍ مضى، وبأسرع مما كان مطلوبًا في أي فترة سابقة، أن تتحرك وفق الخطوط التالية:

أولًا: إقرار خطة عمل موحدة وقيادة موحدة لمواجهة المهمات العاجلة والمصيرية لهذه المرحلة. إن الظروف تقتضي إقرار برنامج عمل موحد من الممكن جدًا الاتفاق عليه لهذه المرحلة، شعاره "تحطيم المؤامرة". ذلك يعني أن تطرح فصائل المقاومة من حساباتها المخبأة مسألة انفراد أي منها بعمل قد يؤدي إلى الايقاع فيما بينها (الحقيقة أن ثمة قوى كل منها تدفع فصيلًا معينًا للانفراد بخطوة ستؤدي حتمًا إلى إثارة المزيد من التناقض بين أطراف المقاومة).

وليس من المبالغة التنبيه إلى أنه قد تكون هذه الفرصة هي فرصة المقاومة الأخيرة لوضع نفسها على مستوى انطلاق ثوري حقيقي، وإلا فإن الثمن سيكون باهظًا!

إنّ مثل هذا البرنامج المطلوب يجب أن ينبذ من تحت مظلة المقاومة كل تنظيم يعاكس الإرادة المتفق عليها بين الثوار لمواجهة الموقف، وبمثل هذا الإجراء تكون المقاومة قد فوتت على القوى المضادة محاولة عزلها عن طريق الإيقاع بينها وبين تنظيمات مصطنعة خُلقت أصلًا لمثل هذه المناسبات!

ثانيًا: إن مستوى جادًا أو متقدمًا من أحكام الثورة يجب أن تصدر في هذه الفترة لتصفية أي "كويزلنغ" فلسطيني تظهره الصفقات القادمة. إن "أشكال النضال" في هذه المرحلة تفترض استخدام كل الوسائل الممكنة في إطار استراتيجية الثورة، للقيام بتصفيات سياسية ضد العناصر التي يمكن أن تنبثق في هذه المرحلة لخدمة مخططات العدو.

ثالثًا: إنّ سطوة تحييد قوة من القوى المضادة الآن غير ممكنة، ولا تؤدي إلّا إلى نتائج معاكسة، إن الصمت عن أي نظام قبل بشروط روجرز وركع أمام السوط الإمبريالي، لا يؤدي إلا إلى إسداء المعونة لمد ذلك النظام، كي يعبر عنق الزجاجة، ويستخدم فترة الحيرة والتشويش لاجتياز الغضب الشعبي بسلام. إن هذه المسألة تختلف كليًا عن مسألة إقرار خطة ناجحة، ومرنة لكسب المعركة ضد مثل هذه الأنظمة.

في الواقع ثمة مزج بين هاتين المسألتين: تحت ستار "الذكاء المطلوب" لخوض المعركة هذه يصل بعضهم إلى حد المطالبة بالصمت إزاء القرارات الاستسلامية المصيرية التي اتخذها نظام ما. وهذا انتهاك صارخ لأحد أسس المعركة الأولية: القتال مع الجماهير وسط الجماهير، بالجماهير، من أجل الجماهير، ضم المؤامرة المصوبة ضد انتصار هذه الجماهير.

ولذلك بالذات يجب على فصائل المقاومة أنّ تخوض المعركة بصوتٍ واحد، حده الأدنى مرسوم ومتفق عليه، ولا يجوز السماح لأي فصيلٍ بأن "يخوض" المعركة بمواقف هي دون الحد الأدنى هذا.

السؤال بهذه المناسبة هو: لماذا ينعكس موقف صحيفة "فتح" الناطقة بلسان اللجنة المركزية لحركة المقاومة على مواقف جميع الفصائل المنتسبة للجنة المركزية؟ لماذا يعتبر ذلك الموقف رسميًا، ملزمًا لمجموع تنظيمات حركة المقاومة؟ لماذا لا يكون صوت صحيفة "فتح" هو الصوت الرسمي فعلًا؟

وهذا يعني رفض وشجب وسحق كل المحاولات المبذولة، بذكاء مصطنع لتحييد هذا الفصيل أو ذاك، والتعبير عن هذا الفض وذلك الشجب تعبيرًا علنيًا، وذلك لسحقه وإنهائه.

ضرورة تحطيم الهدة

رابعًا: المهمة الأساسية في هذه المرحلة العاجلة التي لا بديل عنها، هي تحطيم وقف إطلاق النار.

و في سبيل ذلك من واجب المناضلين الفلسطينيين أن يفتحوا أبواب تنظيماتهم على مصراعيها أمام الطلائع العربية التي تعتبر وقف إطلاق النار، كما تعتبره الثورة الفلسطينية مؤامرة على حركة التحرر الوطني العربية.

ومن ثم لا بد من التعبير عن رفض إيقاف إطلاق النار (الذي يعني إيقاف المسيرة الثورية) بمختلف الوسائل المتاحة للمقاومة الفلسطينية.

إن تحطيم وقف إطلاق النار مهمة أساسية الآن، وذلك لوضع المعادلة التالية أمام الجماهير العربية: ركوع الأنظمة أمام شروط الاستسلام الإمبريالية، المعبر عنه بوقف إطلاق النار، مقابل تصعيدٍ مستمر في إطلاق النار من قبل المقاومة الفلسطينية، معبرةً بذلك عن إرادة الثورة العربية.

إن الوسائل التي تستطيع المقاومة الفلسطينية استخدامها لتدمير حالة وقف إطلاق النار لا حدود لها، وليس ثمة ضابط سياسي أو عسكري أو أخلاقي لها، إلا مصلحة الثورة، ومصلحة خطتها في دحر محاولات فرض الاستسلام على الجماهير العربية.

ودون اتباع خطة عملية تؤكد هذه الخطوط الأربعة:

- وحدة برنامج عمل ومخطط وقيادة لمواجهة مهمات هذه المرحلة.

- رسم قانون لمعاقبة أي خيانة منتظرة، من العناصر التي ظلت لفترة طويلة تنتظر أن تطعم فتات التسوية.

- تحطيم حالة وقف إطلاق النار بأية وسيلة ممكنة.

دون اتباع خطة عملية لترجمة هذه الخطوط الأربعة إلى ممارسات عملية، ستظل أنظمة الاستسلام تصرف من وقت المقاومة، وتلتهم من أرض الثورة، وتحضّر المقصلة التي تنوي استخدامها ضد المقاومة، لأنها تعرف بأنّ مشروع روجرز لا يمكن أن يصل إلى غايته إلا فوق جثة المقاومة.

ثمة مهمة أساسية إذن، أمام المقاومة لهذه المرحلة: استنهاض كل إمكانيات الثورة، بأقصى درجة من العنف الثوري الممكن، لدحر المؤامرة.