Menu
حضارة

عدالة المخيم!

حاتم استانبولي

مرة أخرى تقفز كلمة لاجئ فلسطيني على السطح .لاجئ فلسطيني هذا الإنسان الذي دفع ثمن سايكس بيكو ووعد بلفور(والثورة العربية الكبرى) والوطن القومي لليهود.

هذا اللاجئ الذي يدفع الثمن على مدى 72 عامًا أو بالأحرى مائة عام. هذا اللاجئ الذي شُكلت له مؤسسة خاصة تحمل اسمه لتعويضه عن ما خسره وأصبحت هذه المؤسسة وطنه، فهي تعطيه الطعام والدواء لتبقيه في حالة الانعاش، وهوية تحمل مصطلح لاجئ، يعني أن تعيش خارج منظومة المجتمعات وقوانينها، وأصبحت مخيمات اللجوء ينظر إليها وكأنها مناطق للخارجين عن العدالة في حين معيار العدالة الإنسانية هي بتحقيق عدالة المخيم.

اللاجئ الفلسطيني تم التعامل معه بمعايير مختلفة منها؛ معايير الإلغاء وإعادة الإلحاق الكامل في وطنه، وإعادة انتاج وعيه بصورة تجعله يعيش حالة انفصام دائم، حتى أنهم أرادوا أن يلحقوا لهجته وعمموا لهجة ومخارج للحروف تتعارض مع إرثه وتقاليده وأصبحت مخرجات الحروف هي إعلان عن هويته وأصله وفرضت أربع مقاطع للاسم لكي يتم معرفته رغم عبور الزمان، في حين أن القانون الإنساني يسمح للإنسان بتغيير اسمه، ومقاطع الأسماء في جميع المجتمعات هي اثنان.

في مصر أُعطي الفلسطيني هوية للاستخدام مرة واحدة، فإذا خرج من الدولة لا يمكنه الرجوع إليها، أو حتى تجديد الوثيقة، ويصبح في حالة ضياع كامل وشامل.

وفي لبنان الفلسطيني هو خارج المنظومة الإنسانية ويتعامل معه على أساس أنه خارج القانون، وعليه أن يثبت كل يوم حسن سلوكه لكل حاجز وشرطي، وعليه أن يعيش في حدود المكان الذي رسمت حدوده بحواجز أمنية ولا يمكنه تغيير سقف بيته أو ترميمه أو الخروج من حدود المخيم للعمل أو حتى للتسكع، وإذا حصل فإن إجراءات القمع تلاحقه وتحجزه. ما قبل 1967 كانت تستبيح مخيمه متى تريد وفي أية ساعة يرغب قائد الفرقة 16، هذه الفرقة التي كانت متخصصة في قمع المخيم.

وفي سورية كانت الحالة هي الأفضل، حيث تم التعامل مع الفلسطيني بالتساوي مع السوري، لكن المحيط العربي رفض أن يعترف بهذا التعامل وبوثيقة الفلسطيني السورية، وهو من فرض الإقامة الجبرية على الفلسطيني داخل الجغرافيا السورية.

أما الغرب فقد تعامل مع الفلسطيني وخلال مراحل مختلفة من على قاعدة فتح الباب من أجل تأمين ظروف حياتية إنسانية وقانونية، لتعيد إنتاجه بما يتوافق مع إلغاء عودته إلى وطنه.

في كل الحالات الفلسطيني تكيف مع محيطه الاجتماعي مع الإلحاق والإلغاء والسجن القسري والإقامة الاجبارية والمنع من دخول الحدود، تحملها وطوعها جميعها من أجل تأكيد هويته وحق عودته. لكن ما تم في نهر البارد هي إعادة تذكير الفلسطيني بشروط لجوئه إلى لبنان، هذا اللجوء الذي استفادت منه مافيات الطوائف العنصرية كما تستفيد الآن من اللجوء السوري.

هذا القرار الذي صدر بعد 24 ساعة على مطالبة السيد حسن نصر الله في مقابلته على أن يعاد طرح ملف اللجوء من على قاعدة حقهم الإنساني الذي يجب أن لا يتعارض مع حق عودتهم. وبعد لقاء عزام الأحمد مع جعجع رئيس القوات اللبنانية الذي ينتمي لها وزير العمل، وفهم القرار وكأنه نتاج لاجتماع الأحمد مع جعجع، وردًا على مطالبة السيد حسن نصرالله بطرح ملف اللجوء الفلسطيني.

قرار الوزير في تفعيل منع الفلسطيني من العمل يريد أن يعيد المخيم إلى حالته قبل عام 1967، أي حالة استباحته وحالة إعادة المخيم من مكان للمقاومة إلى سجن وإقامة اجبارية، يريدون أن يلغوا مطلب تحقيق عدالة المخيم كرمز مكاني وزماني، لتشريع مفهومهم.. لتشريع اغتصابهم واحتلالهم لوطن المخيم، هذا الوطن الذي كان يراد له أن يكون مؤقتًا، لكن جشعهم وتآمرهم وخبثهم عطل عودة المخيم إلى وطنه.

مر 72 عامًا وهذه الطوائف والحكومات تقبض ثمن إلحاقها وإلغائها وسجنها وقمعها وإغلاق الحدود في وجه الفلسطيني، وتحويل حياته إلى نقمة، لكي تجبره على تغيير هويته ولهجته وموافقته على تصفية قضيته.

72 عامًا وهم يعملون ليل نهار من أجل أن يعترف الفلسطيني ويتعايش مع إلغائه وإلحاقه وسجنه، وأنه متهم بهويته وبتاريخه، ولا خيار له إلا أن يلبس ثوبهم ويتكلم بلهجتهم ويعيد صياغة تاريخه ويوافق على أن الزيت والزعتر ليسوا طعامه، وأن أرض البرتقال ليست أرضه، وأن التاريخ أخطأ بذكر اسمهم وليسوا هم المقصودين بكتب آلهتهم.

72 عامًا لم يقم النظام العربي المسؤول عن النكبة والهزيمة، بأية خطوة للضغط على المجتمع الدولي لإعادة الفلسطينيون إلى أرضهم، بل إنه وظّفها لتشريع استمرارية هذا النظام.