Menu
حضارة

عن الغُزاة وأذيالهم

خاص بوابة الهدف

السعي الأمريكي للإمساك بموارد الطاقة وطرق امدادها متواصل، فلم تكتفِ الولايات المتحدة بعقوباتها على إيران، وانتقلت مع حلفائها لمرحلة قطع الطرق تصعيدًا لهذا الحصار، وخلال الساعات الماضية تعاقبت تصريحات أمريكية مختلفة عن إطلاق عملية عسكرية أمريكية في منطقة الخليج العربي، بررتها بمحاولة حماية ناقلات النفط، متنكرة لدورها كمتسبب أساسي في التوتر في منطقة الخليج، والذي أدى لخلق هذه التهديدات لناقلات النفط وللمنطقة برمتها. السياسات الأمريكية لها تاريخها الأسود في التعامل مع أزماتٍ كهذه، فالتدرج في ملاحقة الدول التي تنتهج سياسات مستقلة عن الهيمنة الأمريكية، هو لازمة معروفة، على غرار حصار العراق والتضييق عليه ثم توجيه عمليات عسكرية ضده بحجة ضمان أمن الخليج، وصولاً لغزوه وتقطيعه وتشظية مجتمعه وإغراقه في الصراع والإرهاب ونهب ثرواته الطبيعية وإفقاره، ونموذج أفغانستان لا يزال ماثلًا، كما الأمثلة الحاضرة من أمريكا اللاتينية: كوبا وفنزويلا نموذجًا، وهذه السياسات امتداد تاريخي لنشأة ودور الولايات المتحدة منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية.

العملية الأمريكية الجديدة تأتي لتهديد حرية الملاحة في الخليج والتضييق على خصوم الولايات المتحدة فيه، بحجة حماية ناقلات النفط التابعة لحلفائها، كما لو كان يحق لهؤلاء الحلفاء الاغتراف من ثروات المنطقة دون حسيب أو رقيب، فيما تتعرض بعض من شعوبها لحصار وعقوبات تجويعية مدمرة. وبينما تواصل الولايات المتحدة وذيولها في المنطقة تجاهل السبب المباشر لهذه الأزمة، وهو قرار دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وتحظى في خطواتها بتهليل وتسويق معيب من قبل قطاع واسع من الإعلام العربي، الذي يبدو أن مموليه من أمراء النفط فرحين باستدعاء الأساطيل الأمريكية مرة أخرى لنشر الدمار في هذه المنطقة.

يُصر إعلام دول النفط ومن يسير في ركبه، على تجاهل دور التصعيد الأمريكي في إحداث هذه الأزمة، كما لو أن الأزمات تنشأ من فراغ، وتفرز ما تبعها وسبقها من عقوبات أمريكية استهدفت الشعب الإيراني، وحقه في العيش والنمو والازدهار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، كما فعلت مع عديد من شعوب المنطقة في جولات كثيرة. يقفز هذا الإعلام وحكوماته الرديئة عن التاريخ العربي، هذا التاريخ الذي يشهد بسوابق حضور الولايات المتحدة في المنطقة، والملايين من العرب الذين ارتبطت مصارعهم بكل حضور غربي استعماري في هذه المنطقة، ويواصل ترداد رواية الغازي الإمبريالي الذي اختار أمراء النفط التنافس على التحالف معه، ولو على حساب مصير كل إنسان يعيش في هذا الجزء من العالم، وأيضًا على حسابهم هم، فهؤلاء الغزاة، لا أصدقاء لهم إلا مصالحهم، ونهب ثروات الشعوب وحقوقها.

من حسن حظنا أن ذاكرة الشعوب يقظة، ولم ولن تنسى، من اختاروا التحالف مع أعداء شعوبهم، ومن اختار التصفيق لهم، وللغزاة الطامعين المستعمرين الذين يجلبونهم في كل مرة لارتكاب المجازر في منطقتنا، ويطمعون في استعباد شعوبها، وكذلك لم تنسَ من قهروا المارينز في بيروت، وأذلوا إمبراطورية الهيمنة في فيتنام، وأذلوا وحشية المستعمرين في الجزائر و مصر وفلسطين وغيرها، ففي هذه المنطقة من يحمل كل هذا الإرث الكفاحي، ويتحضّر لمثل هذه المعارك منذ سنوات طويلة، فحين ينجلي الغزاة كعادتهم، سيكون أتباعهم وحدهم ليواجهوا ما اقترفت أيديهم وألسنتهم بحق الشعوب.