Menu
حضارة

خطاب مقارعة إسرائيل في العالم العربي: من عبد الناصر إلى نصر الله

د. أسعد ابو خليل

نقلاً عن الاخبار اللبنانية

مرَّ خطابُ مقارعة إسرائيل في العالم العربي في أطوار عديدة منذ وعد بلفور. تغيّر الخطاب عبر العقود، وإن بقي بعض السمات ثابتاً على ألسنة البعض. قبل أيّام فقط خطبَ فتحي حمّاد، عضو المكتب السياسي في «حماس»، في غزة قائلاً: «يجب أن نهجم على كل يهودي موجود في الكرة الأرضية ذبحاً وقتلاً.. حنفسِّخهم تفسيخ»، (تنصّلت «حماس» من خطابه في ما بعد، وهو أوضح أنه ملتزم بسياسات الحركة. هل يعني أنه كان يمزح؟). لكن هذا الكلام الذي يقدّم ذخيرة قويّة للدعاية الصهيونيّة ليس جديداً. ومنظمّة «ميمري» الصهيونيّة تأسّست فقط لرصد خطاب الكراهية العربي وتسويقه في الغرب لصبغ العرب والقضيّة الفلسطينيّة بأبشع الصفات (وليس هناك من منظمّة عربيّة واحدة ترصد خطاب الكراهية الصهيونيّة لتعميمه على العالم).

يعتري خطابَ مقارعة إسرائيل مزيجٌ متناقضٌ من التهديد المفرط غير المستند إلى عناصر قوّة، ما يسهم في سرعة انفضاح خوائه، كما يعاني من الاستعطاف الضعيف واستدرار الدموع. والخطاب بقي لعقود طويلة يجسّد مظهراً من مظاهر الانفعاليّة التي اتّصف الخطاب العربي ــ الرسمي والثوري ــ بها، أي إن الخطاب في مواجهة إسرائيل لم يكن محسوباً وفق جدول الربح والخسارة، بحسب نظريّة الواقعيّة في العلاقات الدوليّة. الخطاب كان هدفاً بحد ذاته، وقادة «منظمّة التحرير» أولوا الخطب الكثير من الأهميّة، شأنهم شأن الحكّام العرب في ما مضى (الحكّام العرب اليوم باتوا يثقون بطاعة ومطواعيّة شعوبهم إلى درجة أنه قلّما يخاطبونهم مباشرةً، إذ يفضّلون مخاطبة «بلومبرغ»: مَن سمع خطبة لمحمد بن زايد أو محمد بن سلمان أو محمد السادس أو تميم بن حمد أو قابوس؟).

التعامل مع نكبة فلسطين لخّصَ طريقة التعاطي مع العدوان الخارجي: أي في التراوح بين التهديد والوعيد المبالغ في قدراته، وبين الرثاء على طريقة الخنساء. يروي المؤرّخ ابن الأثير في «الكامل في التاريخ» عن ردّ الفعل العربيّ على سقوط القدس على أيدي الصليبيّين: «وورد المستنفرون من الشام في رمضان إلى بغداد، فأوجدوا في الديوان كلاماً أبكى العيون وأوجع القلوب، وقاموا في الجامع يوم الجمعة فاستغاثوا وبكوا وأبكوا وذكروا ما دهمَ المسلمين بذلك البلد الشريف المعظم من قتل الرجال وسبي الحريم والأولاد، ونهب الأموال. فلشدّة ما أصابهم أفطروا». والشعر العربي بعد النكبة كان على هذا النمط، وهناك الغزير منه إلى درجة أن أستاذ الأدب العربي في كليّة الآداب في جامعة دمشق في الستينيّات، صالح الأشتر، تخصّص في شعر النكبة وصفاتها (وله في ذلك عدة كتب). يقول الأشتر عن النكبة: «وأما مأساتنا في فلسطين فقد منحت الأدب العربي ديواناً دموياً ضخماً» (صالح الأشتر، «مأساة فلسطين وأثرها في الشعر المعاصر»، ص. ٧.) والطريف أن الأشتر يعترف بغلبان العواطف والدموع على شعر النكبة، لكنه يجد استثناءً في قصيدة لإيليا أبو ماضي يقول فيها: «سهرنا له فكأن السيوف، تحزُّ بأكبادنا ههنا. وكيف يزور الكرى أعينا ترى حولها للردى أعينا» إلى أن يقول: «فإن تطلبونها بسُمر القنا، نردَّكم بطوال القنا». أي إن أبو ماضي زاوج بين العواطف المدرارة والتهديد، لكن الأشتر رأى في القصيدة تطوّراً عقلانيّاً.

والبكائيّات الشعريّة كانت تستعين بالماضي العربي: «في أحزانه ونكباته وفي أمجاده وانتصاراته. فيقول عمر أبو ريشة: رُبَّ، وامعتصماه، انطلقت ملء أفواه البنات اليتّمِ، لامست أسماعهم لكنّها، لم تلامس نخوة المعتصمِ». أي إن المفاهيم التقليديّة وانتظار القائد كي يحقق النصر يصلحان لكلِّ زمان ومكان. لكنّ بعض الشعر أتى ليهجو القادة العرب المسؤولين عن الهزيمة. الشاعر الياس فرحات مثلاً قال: «وإذا لقيتَ ذوي الجلالة من ساداتنا المتحكّمين بنا، وذي السموّ وكل ذي لقب خاو كصاحبه قليل غنى، فأهزأ بألقاب لهم سمنت وكرامة هزلت أسى وضنى، ديست بأقدام اليهود فيا شم الأنوف استنشقوا الدرنا». وإبراهيم طوقان حذّر شعراً من البكائيّات والمراثي فقال: «كفكف دموعك ليس ينفعك البكاء ولا العويل، وانهض ولا تشك الزمان، فما شكا إلا الكسول».