Menu
حضارة

أمريكا وإيران: أبعاد المواجهة

موسى جرادات

منذ خروج الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي مع إيران، وما تبع هذا الخروج من فرض عقوبات عليها وتنصل الدول الأوروبية من التزاماتها تجاه الجمهورية الإسلامية، أصبحت المواجهة بين الطرفين متجاوزة لأبعادها السياسية والدبلوماسية، ومرتبطة بتحد مصيري بين الطرفين، يريد كل منهما أن  يثبت قدرته على فرض منطقه على الآخر.

لهذا رأينا في الأسابيع الاخيرة مدى قدرة الطرفين على إحداث نقلات نوعية في مواجهة بعضهما البعض والتي أفضت إلى وضع المنطقة تحت شفير الحرب، فبعد حادثة إسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة وما تلاها من تهديدات أمريكية بالرد، أصبح الحديث يدور عن أن هذا المسار سيفضي في النهاية إلى حتمية المواجهة العسكرية الشاملة بين الطرفين، خاصة أن حالة التسخين من كلا الطرفين قد بلغت ذروتها.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الوضعية يتعلق بإدارة ترامب للأزمة، هل هو قادر على الاستمرار في خنق إيران وحصارها وتركيعها اقتصاديًا لكي تذهب إليه صاغرة وقابلة بالشروط الأمريكية؟ هل هذا هو السيناريو المتوقع في ظل وجود إدارة يمينية متطرفة في البيت الابيض، والتي لا تؤمن بالقوانين الدولية ولا الأعراف ولا المواثيق وتكتفي برسم معالم السياسة الأمريكية من فوهة البندقية؟

المتتبع للمسار السياسي لإدارة ترامب منذ توليه سدة الحكم قبل عامين، يجد أن هذا المسار قد تعرض لإخفاقات كبرى، تجلت في فشله في إدارة ملف النزاع مع كوريا الشمالية، وكذلك النزاع التجاري مع الصين، مرورًا بسور المكسيك، والصراع مع الروس، وفي أكثر من منطقة، وانتهاءً بالصراع المفتوح اليوم مع إيران.

ومن هنا يبرز الإشكال المركزي في الفهم الخاطئ الذي تتبناه هذه الإدارة العمياء، فهي من جهة وترت الأجواء الدولية، وأدخلت العالم في تصوراتها الأيديولوجية الاستعلائية والقائمة على الهيمنة المفضوحة دون قناع، وفي نفس الوقت، لم تستطع حسم أي ملف فتحته لصالحها حتى هذه اللحظة.

فبتنا أمام إدارة يصدر عنها خطابات سياسية متناقضة، غير مبنية على نسق محدد وواضح، وتتنصل على الدوام من كل المواقف السابقة لها دون النظر إلى حجم التناقض الشديد الذي أحدثته في الوعي العام العالمي، فهي إذًا في هذه الحالة تتكئ على قاعدة أن كل الدول تخضع لإرادتها، وإن بدرجات متفاوته، وهي التي يحق لها أن تجرب مدى درجة الهيمنة مع هذه الدولة أو تلك.

لكن هل يمكن أن ينطبق هذا الأمر على الحالة الإيرانية بحيث تستطيع الإدارة الامريكية إخضاع إيران؟ هل فعلًا إن الإدارة الأمريكية قادرة على النزول نحو مواجهة عسكرية ومفتوحة مع إيران؟

الثابت حتى هذه اللحظة أن المواجهة العسكرية المفتوحة ليست الخيار المفضل للطرفين، على الرغم من حالة التسخين اليومي، فالإدارة لم تحسم أمرها حتى هذه اللحظة، في حين أن إيران تقف في موقف الدفاع عن النفس أمام حالة التغول الأمريكي غير المسبوقة في تاريخ المواجهات بينهما طوال الأربع عقود الماضية.

ولهذا نرى دخول الكثير من الدول على خط الوساطة لتبريد الصراع ومحاولة تدوير الزوايا بين الطرفين، وربما ستشهد الأسابيع والأشهر القادمة مدى قدرة هذه الوساطات على إحداث ثغرة في جدار العزلة بين الطرفين الآخذ بالتوسع يومًا بعد يوم.

لكن المهم الذي لا بد من الالتفات له في قراءة تبعات هذه المواجهة، أن إيران أثبتت القدرة على إدارتها للصراع وعلى كل المستويات، سواء على المستوى السياسي متجليًا في تناغم التصريحات الصادرة عن مختلف مؤسسات الحكم السياسية، وجهوزية قواتها المسلحة وإعلانها استعدادها للحرب، دفاعًا عن كرامة أمة تريد أن تبقى على مسرح التاريخ، فاعلة وقوية ومنتجة، بعيدًا عن هيمنة الغرب الغارق في عبادة القوة.