Menu
حضارة

الفلسطينيون في لبنان وحقّ العمل

ربيع مصطفى

صحيفة السفير العربي 

علاوة على التوظيف السياسوي الطائفي على المستوى الداخلي، يأتي المس بحق العمل للاجئين الفلسطينيين في لبنان متزامناً مع محاولات جاريد كوشنر تفعيل "صفقة القرن"، وهي التي تصطدم بعقبات من أهمها قضية اللاجئين في لبنان.
ينخرط الفلسطينيون اللاجئون في لبنان في تحرّك احتجاجي منذ السادس عشر من تموز/يوليو الحالي ردّاً على بدء تنفيذ قرار لوزارة العمل اللبنانية يقضي بمكافحة ما تسميه الوزارة "العمالة الأجنبية غير الشرعية" والذي كان من مفاعيله مطالبة الأجراء وأصحاب العمل الفلسطينيون بتسوية أوضاعهم واستصدار إجازات عمل.

وقد حاول البعض الحصول على هذه الإجازات لكنهم وجدوا أنّ عليهم دفع مبالغ كبيرة على الرغم وجود استثناء للفلسطينيين من دفع الرسوم في تعديل للمادة 59 من قانون العمل، حيث ينص التعديل على التالي: "يستثنى حصراً الأجراء الفلسطينيون اللاجئون المسجلون وفقاً للأصول في سجلات وزارة الداخلية والبلديات - مديرية الشؤون السياسية واللاجئين - من شروط المعاملة بالمثل ورسم إجازة العمل الصادرة عن وزارة العمل". في إحدى الحالات، قرّر مشغّل دفع الرسوم للحصول على إجازاة لعاملين فلسطينيين لديه، وبعد الحصول عليها أعلم أنّ عليه تشغيل ثلاثة لبنانيين مقابل كلّ فلسطيني...

الحراك بدأ عفوياً بعد أن ظهرت أخبار عن توقيف فلسطينيين عن عملهم بسبب عدم حيازتهم على الإجازات، فكان أن اعتصم الناس على مداخل جميع المخيمات، ثمّ بدأ إحراق الإطارات ومنع دخول البضائع إليها، اوتلاه الحشد لتظاهرة يوم 17 تموز /يوليو التي أرادت الانطلاق من "جسر الكولا" إلى مقرّ مجلس النواب في بيروت، لكن القوات الأمنية منعتها من التحرك وسمحت بالاعتصام لساعت قليلة في نقطة الانطلاق.

ومن بين الخطوات المتخذة حتى الآن الإضراب عن العمل، ومقاطعة البضائع القادمة من خارج المخيمات، وسحب عدد من التجار الفلسطينيين أموالهم من البنوك، ومطالبة المهاجرين من الفلسطينيين بالامتناع عن إرسال حوالات إلى لبنان في هذه الفترة. تهدف هذه الخطوات إلى إظهار الدور الفاعل للفلسطينيين في الاقتصاد اللبناني والتأثير الذي يمكن أن يحدثه إخراجهم من هذا الاقتصاد. ويلقى الحراك تفاعلاً وتضامناً كبيرين من اللبنانيين، وخاصة في مدينة صيدا حيث هناك حضور فلسطيني كبير خارج المخيمات. وقد نشرت صور لتكدّس البضائع في سوق خضارها المركزي مع عزوف أبناء مخيم عين الحلوة ذي الكثافة السكانية العالية عن شراء خضرواتهم وفواكههم منه.

الفلسطينيون في لبنان ممنوعون من مزاولة 36 مهنة أهمّها الطبّ والهندسة والمحاماة ويطالب "الإئتلاف اللبناني الفلسطيني لحملة حق العمل للاجئين الفلسطينيين في لبنان" بإيقاف هذا المنع بعد النجاح في استصدار قرار وزاري عام 2005 يتيح ممارسة ما يقارب 70 مهنة كانت محظورة. الإئتلاف ناشط في الحراك الحالي ويعتبر إجراءات وزارة العمل الاخيرة تجعل العجلة تدور إلى الوراء بدل أنّ تتقدّم نحو إعطاء حقوق أساسية لمن يعيشون في لبنان منذ أكثر من سبعين سنة وتزداد التضييقات عليهم مع مرور السنوات.
يستمر يومياً هذا التحرك الفلسطيني على الرغم من مطالبات تصدر عن جهات فلسطينية "رسمية" بالكف عنه وأن التفاوض مع السلطات اللبنانية يمكن أن يعطي ثماره. لكن الناس ينزلون للشارع بكثافة وبشكل منسق للمرة الأولى منذ سنوات، وذلك للمطالبة بحقوق أساسية. فكأنّ قرار وزارة العمل هذا أطلق شرارة الاحتجاج على المعاملة السيئة التي يلقونها منذ عقود طويلة، وتحديداً منذ خروج منظمة التحرير من بيروت إثر الاجتياح الاسرائيلي 1982. فمن "حرب المخيمات" وحصارها إلى التضييق على الحركة بين المخيمات ومحيطها الذي وصل إلى ذروته مع بناء جدار يشبه جدار الفصل العنصري حول مخيّم عين الحلوة، إلى تصوير الإعلام للمخيمات كبؤر أمنية وليس كأماكن يعيش فيها مجتمع متحرّك وفيه تنوعات وتباينات، مثل كلّ المجتمعات، وإن كان أغلب سكّانه من الفقراء. هذه المعاملة راكمت غضباً كبيراً يخرج الآن، مع الحرص على إبقائه سلمياً، لأن أيّ احتكاك مع قوى الأمن أو الجيش قد يحيول الامر الى مسارب أخرى.

يأتي هذا التطور في لبنان متزامناً مع محاولات جاريد كوشنر تفعيل "صفقة القرن" وهي التي تصطدم بعقبات من أهمها قضية اللاجئين في لبنان. فالمطروح لبنانياً هو دفع مبالغ مالية للحكومة اللبنانية وللفلسطينيين مقابل توطينهم، ولكن التركيبة السياسية للسلطة في لبنان ترفض ذلك لكونه يمسّ بالتوازن الديمغرافي الطائفي الذي يقوم عليه تحاصص السلطة والمال في هذا البلد. وهي تفضّل أن تتخلّص من الفلسطينيين بطريقة أخرى أكثر جذريّة عبر التضييق عليهم إلى أقصى حدّ حتّى يهاجروا. وهذا ما حصل بكثافة في السنوات الاخيرة الماضية، لكنّه لا يصل إلى النتيجة المرجوّة لأنّ أغلب الباقين هم الفقراء الذين ليس بمستطاعهم تأمين تكاليف الهجرة غير الشرعية المرتفعة. والتوطين لن ينجح أيضاً لأنّه مرفوض من أغلبيّة الفلسطينيين واللبنانيين..

يذكر أنّ حملات التفتيش استهدفت في البداية العمال السوريين بأشكال مهينة وبمرافقة من القوى الامنية وعدسات الكاميرات، لكنّ هؤلاء لم يستطيعوا التظاهر والاعتراض لأنّ معظمهم يعيشون في لبنان دون إقامات رسميّة ويخشون من الترحيل إلى بلدهم حيث لا تزال الحرب قائمة وحيث ينتظرهم التجنيد الإجباري أو الاعتقال.