Menu
حضارة

في حال الثقافة الفلسطينية

فيصل دراج للهدف: لم يكن هناك مشهد ثقافي فلسطيني بل مثقفين فلسطينيين ثوريين

عمّان : خاص بوابة الهدف - حوار : وسام الخطيب

سبعٌ وأربعون عامًا بعد الساعة الواحدة، ظهر يوم السبت الثامن من تموز 1972، توقف قلب غسّان مُذّاك بعد أن طار جسده إثر انفجار عبوة متفجّرة كانت قد زُرعت في سيارته، منذ ذلك الوقت، لمّا تزل ساعة يده تدقّ مؤكدةً أن الأجساد وحدها هي التي تسقط لا الفكرة. في هذا العدد الصادر بالتزامن مع ذكرى استشهاد رئيس تحرير مجلّتنا «مجلة الهدف»، نضبطُ ساعاتنا حسب ساعته، ونضع بين أيديكم خلاصة حوار طويل أجريناه مع أحد أبرز مواكبي غسان كنفاني كأديب ومناضل، وأحد أبرز ملاحظي ونقاد الحالة الثقافية الفلسطينية، وفي الأدوار الثقافية والفكرية والصحفية المختلفة التي لعبها من ضمنها تجربته في «هدف» غسان كنفاني. فيصل دراج، كاتب فلسطيني، باحث وناقد في قضايا الثقافة والأدب، وفلسفة الأدب، بعد حصوله على الدكتوراة في الفلسفة من جامعة السوربون في فرنسا، عمل في الكثير من المجلات والمنشورات، ونشر عددًا كبيرًا من الكتب التي تعد علامة فارقة في الثقافة والنقد الأدبي لعل أهمها: ذاكرة المغلوبين، «الذاكرة القومية في الرواية العربية»، و «ماقبل الدولة: مابعد الحداثة»، وأيضا «دلالات العلاقة الروائية»، و»الرواية وتأويل التاريخ» و»الحداثة المتقهقرة»، و»بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية» وغيرها كثير، كما ساهم في العديد من الكتب الهامة التي صدرت بمشاركة آخرين.

* شهد المشهد الثقافي الفلسطيني تحولات عميقة ما بين مشروعي التحرير والتسوية، بدءًا من مشروع النقاط العشر مرورًا بأوسلو وصولًا للحظة الراهنة، وجدية تعرض القضية الفلسطينية لخطر التصفية، من وجهة نظرك، ما هي أبرز تلك التحوّلات؟ وما هو دور النخبة الفلسطينية في ذلك؟ وهل صحيح القول بأنّ فقداننا لمشروع ثقافي فلسطيني مُتكامل لعب دورًا في تلك التحوّلات؟

السؤال عن المشهد الثقافي الفلسطيني هو سؤال واسع نكرره منذ عشرين أو ثلاثين عامًا، وهو ضيقٌ جدًا حيث أنّ المشهد الفلسطيني ثقافيًا وسياسيًا يتداعى منذ أوسلو إلى اليوم.

المشهد الثقافي الفلسطيني كلمة من زمن مضى، ولم يتبقَّ لها معنى كبير. فالحديث عن مشروع ثقافي فلسطيني يعني أنه ثمة حقل متميّز في إطار منظمة التحرير يُدعى الحقل الثقافي، يُبذل فيه جهد مُعيّن وتُفرض عليه رقابة معيّنة ويُلاحظ كيف يتطوّر ويرتقي وما إلى ذلك، وبتقديري هذا عمليًا غير موجود؛ الموجود هو كلمة "المشهد الثقافي الفلسطيني" وهي غالبًا كلمة تميل إلى الصحافة العامة أكثر منها كمفهوم نظري سياسي.

وبرأيي الشخصي، لم يغب المشهد الثقافي الفلسطيني، لأنه من البداية لم يكن هنالك مشهد فلسطيني، بل كان هنالك مثقفون فلسطينيون ثوريون، وهؤلاء المثقفين كأفراد هم الذين أنتجوا حالة ما يدعى "المشهد الثقافي الفلسطيني"، غسّان مثلًا كان مبدعًا في إطار السياسة والأدب، وشعراء المناطق المحتلة عام 1948 كان لهم مساهمة معيّنة أيضًا، وفي العراق جبرا إبراهيم جبرا  يكتب رواية متميّزة، وإميل حبيبي كذلك، فضلًا عن بعض الرسامين المهمين؛ أستطيع القول أن المشهد الثقافي الفلسطيني قد تكوّن بفضل أفراد فلسطينيين مبدعين ومجتهدين، وليس بسبب نشاط سياسي تنظيمي أو شبه تنظيمي.

بدأ ما يدعى بالمشهد الثقافي الفلسطيني كجملة من المشاريع الفردية؛ أي أن مجموعة من الأفراد أنتجت في النهاية مشهدًا ثقافيًا فلسطينيًا مُعيّنًا، وغالبًا هؤلاء المثقفين استشهدوا أو غيّبهم الموت، فقد بدأ المشهد الثقافي الفلسطيني بالانحسار منذ نهاية 1980 إلى اليوم، وأعتقد برحيل محمود درويش وإدوارد سعيد - بشكل أو بآخر-، لم يعد بإمكاننا أن نتحدث عن الدور المُميّز للثقافة الفلسطينية.

في الستينيات، كنّا نتباهى كفلسطينيين بأنّ أعلى نسبة من المتعلمين في العالم العربي هي نسبة فلسطينية، وكان لدينا وقتذاك مجموعة من المبدعين المجتهدين، مثل: غسان ومجلة الهدف، وأنيس صايغ ومركز الأبحاث الفلسطيني، وكما ذكرتُ آنفًا كان جبرا وإميل وغسان في طليعة الرواية العربية، وكان الشعب الفلسطيني في طليعة الشعب العربي، وهؤلاء غالبًا إما رحلوا أو استشهدوا، ولذلك مشى هذا المشهد متدهورًا إلى اليوم وما أن وصلنا لاتفاق أوسلو حتى أصبح الحديث عن المشهد الثقافي الفلسطيني ليس له معنى.

الدكتور فيصل دراج وسام الخطيب ‫(38535681)‬ ‫‬.JPG
 

أما عن المثقف الفلسطيني وأوسلو

يجدر الذكر أن المثقف الفلسطيني عاش الصدمة أولًا، تلك الصدمة التي دفعته لإنتاج ما أنتج ثقافيًا، فبعد صدمة عام 1948 خرج لدينا غسان كنفاني، وأنيس صايغ وجبرا إبراهيم جبرا، وبعد صدمة تل الزعتر خرج محمود درويش بقصيدته الكبيرة والمعروفة عنه، وخرج إبداع أدبي كبير بعد صدمة المخيّمات، لكن عندما جاء اتفاق أوسلو لم يكن هنالك أي صدمة!

من يُتابع الأدب الفلسطيني بشكلٍ دقيق سوف يُلاحظ أنّ وضع الأدب الفلسطيني لم يحدث عليه أي تغيير بعد مجيء اتفاقات أوسلو، لأنه بدأ في الركود من منتصف الثمانينيات واستمر، وما إن جاء أوسلو حتى تواصل هذا الركود، هذا إذا ما افترضنا أنّ كل واقعة سياسيّة وطنيّة يجب أن يُعبّر عنها أدبيًا بواقعة أدبية. فعلى سبيل المثال، لن نجد أثر الخروج من بيروت إلا في ثلاث روايات "نسوية"؛ وجدنا رواية سحر خليفة "الميراث"، ورواية مايا أبو الحيّات، ثم لاحقًا قرأنا رواية سامية عيسى.

معنى ذلك أنّ الصدمة التي كانت تدفع الفلسطيني إلى المراقبة، والتحليل، والعمل، والتفكيك وما إلى ذلك انتهت، بسبب ذلك لا يوجد لدينا اليوم "صدمة"، لا أعتقد أنّ ما تبقى من المثقفين الفلسطينيين اليوم يشعرون بتلك الصدمة. ربما هناك جيل أصغر، فقد قرأت بعض الدراسات الجيدة لشباب أعمارهم دون الثلاثين، ولكن أسماء قليلة، أما بمعنى الظاهرة، فلا يوجد اليوم ظاهرة يُمكن تُدعى المشهد الثقافي الفلسطيني.

* الانقسام السياسي ترك آثارًا وجراحًا عميقة على المجتمع الفلسطيني متجاوزًا السياسة إلى مختلف القطاعات، فكيف كان أثره على الثقافة الفلسطينية وفي ظل حالة التخندق التي أصابت المجتمع الفلسطيني هل هنالك مجال للحديث عن الثقافة الوطنية الجامعة والمثقف الوطني الجامع؟

إنّ المجتمع السياسي الفلسطيني الرسمي هو مجتمع بلا ذاكرة؛ إننا نعيش الانقسام كظاهرة سياسية ملازمة للشعب الفلسطيني منذ عشرينيات القرن الماضي، عندما كان هناك الشعب من ناحية والزعامات أو المُتزعّمين من ناحية ثانية، ولا لقاء بينهما كان هناك انقسام، وعندما جاءت ثورة الـ 36 كرد فعل شعبي ضد سياسة المُتزعّمين وما هو رسمي، وعندما انتهت الثورة عاد كل شيء كما كان، وفي السبعينيات كان عندنا ظواهر انقسام الصمود والتصدي، ومواقف أخرى والآن فتح ثم حماس ثم منظمة التحرير.

أعتقد أنه من المُعيب والغباء - أنّ هذا الشعب الفلسطيني الذي عاش آثار الانقسام، وهي سلبيّة باستمرار، منذ عشرينيات القرن الماضي أن يستمر إلى اليوم وهو مُنقسم، هذا ليس عيب سياسي، ولكن هو أيضًا عيب أخلاقي، لأنّ الحجّة "الإسرائيلية" المُستمرة أنه: ]ما دام ليس ثمة موقف فلسطيني مُوحّد، فليس بالإمكان أن يعرض "الإسرائيليون" مشروعًا سياسيًا على الفلسطينيين، إلى أن يتوحّدوا[، كما لو أنه ثمة إصرار فلسطيني على وجود موقفين حتى لا يعترف "الإسرائيليون" بنا؛ إنهم بالأصل لن يعترفوا بنا، حتى لو كنّا موحدين، لكن هذا يُعطي على الأقل تسويغ وتبرير للموقف "الإسرائيلي" السياسي من الشأن الفلسطيني.

على المستوى الثقافي أعتقد أنّ الظواهر الفلسطينية الكُبرى انتهت مع رحيل محمود درويش ومجلة الكرمل إلى مجلة أنيس صايغ إلى ناجي العلي وغيرهم، وتبقّى شيء عادي جدًا مُلتحِق بالتنظيمات، كل مُثقّف يلتحق برزقه، حاليًا كل مثقف فلسطيني يلتحق برزقه، وغير مهجوس بتقديم شيء جديد للشأن الوطني الفلسطيني، وحتى عندما تظهر بعض الأمور، أنا من وجهة نظري، نقديًا أعتبرها أمور جيّدة، مثل: رواية صدرت في رام الله بعنوان "رام الله الشقراء"، فإنها غالبًا ما تهاجم ويُنكل بها ويُسفّه صاحبها.

لا أعتقد أنه يمكننا حاليًا أن نتحدث عن مشهد ثقافي فلسطيني، إلا إذا أردنا أن نعتبر أن اتحاد الكُتّاب، وبعض الصحف وبعض المجلات تُشكّل مشهدًا ثقافيًا فلسطينيًا، ولكنه مشهد بالتأكيد لا يرقى إطلاقًا إلى حركة تحرر وطني أو حركة وطنية فلسطينية.

الدكتور فيصل دراج وسام الخطيب ‫(38535682)‬ ‫‬.JPG
 

* أنت كناقد، كيف تُقيّم الحركة الأدبيّة الفلسطينية في القرن الواحد والعشرين وأين تتموضع هذه الحركة في السياق العربي أو السياق العالمي وهل لها سمات مختلفة عمّا عرفناه في الأدب الفلسطيني في القرن العشرين وإذا كان لها سمات، ما هي تلك السمات؟

بالرجوع إلى ما ذكرتُ آنفًا، إذا كان هناك صعوبة أن نتكلّم موضوعيًّا عن شيء يُدعى المشهد الثقافي أو الأدبي الفلسطيني، فأعتقد أن الحديث عن الحركة الأدبية الفلسطينية في القرن 21، وتموضعها في السياق العربي أو السياق العالمي، هو حديث نافل أو متفائل جدًا، لأنه تاريخيًّا كان هناك وحدة عضويّة باستمرار بين الأدب الفلسطيني والحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، كان هناك علاقة عضويّة عفويّة، مثلًا؛ نوح إبراهيم بالـ 36، وشعراء آخرين بالعشرينات، وغسان وشعراء الأراضي المحتلة 48، لم تكن أي الوحدة العضوية بين الأدب الفلسطيني والحركة الوطنية الفلسطينية - بقرار سياسي، كان التعبير عن حالة وطنية فلسطينية عامة، حاليًا هذه الحالة الوطنية الفلسطينية العامة لا وجود لها؛ ليس أنّ الفلسطينيين سيؤون، لكن على الأقل كان هناك منظمة تحرير واحدة يلتحق بها كل الشعب الفلسطيني قبل أن يتبعثر في الشتات، سواءً أوروبا، أو أمريكا اللاتينية، أو أمريكا الشمالية، إضافة إلى ذلك لم يعد يشعر الفلسطيني خارج الضفة الغربية و غزة أنه مُمثّل سياسيًا، وأنّ عليه أن يبذل جهدًا وطنيًا من أجل هذا الرمز السياسي الكبير الموجود. أعتقد أنّ ضعف الحركة الوطنية الفلسطينية أدى أيضًا لتراجع الروح الوطنية المبدعة.

أما عن موقع الحركة الأدبية الفلسطينية، فكما ذكرتُ سابقًا، أنه في الستينيات كان المشهد الأدبي الفلسطيني مُتفوّق على المشهد الأدبي العربي، كان عندنا جبرا وإميل حبيبي وغسان ومحمود درويش وتوفيق زيّاد في الداخل، وأنيس صايغ وناجي العلي، أما حاليًا لا يوجد شيء.

ينبغي أن يكون هناك صدمة؛ الصدمة الوطنية تعني أن يندفع المثقفون الفلسطينيون، روائيين كانوا أم مسرحيين أم شعراء، إلى الحوار وطرح الأسئلة الحادة والضرورية حول الوضع الراهن، كيف نخرج من المأزق الراهن؟ كيف نستطيع أن نرد على الحصار الإسرائيلي الخانق؟ عندما يُصبح الشأن الوطني موضوع حوار وسجال وطرح أسئلة وتقديم وجهات نظر مختلفة، عند وجود هذا الجهد المُتعدد، الذي آمل أن يكون موجودًا، يُمكن أن نتحدث عن مشهد ثقافي فلسطيني.

الدكتور فيصل دراج وسام الخطيب ‫(1)‬ ‫‬.JPG
 

* بتقديرك طالما كررنا أو كررت الحديث عن الصدمة، ما الذي سيؤدي إلى تلك الصدمة، هل هي لحظة تاريخية حرجة أو لحظات حاسمة؟

عندما يرى المثقف أنّ القضية الوطنية هي قضية شخصية وقضية عامة بنفس الوقت، وليست قضية خاصة بتنظيم أو خاصة بمنظمة التحرير، ولكنها قضية خاصة بكل إنسان فلسطيني، عندها يُصبح عندنا مشهد ثقافي فلسطيني يُصبح لدينا حوار.

مثلًا، نخرج من بيروت ونستقر في الخارج ونتبعثر ولا تظهر إلا مقالات قليلة لتقييم هذا الشيء الحزين والكئيب، ويأتي اتفاق أوسلو ولا يُثير إلا حوارًا محدودًا جدًا، يخنقنا "الإسرائيلي" اليوم دون أن يكون لدينا مجلة مركزية.

حتى أكتب أنا في الشأن الفلسطيني ينبغي على الأقل أن يكون هناك مجلة وطنية فلسطينية جامعة، عندما كنّا في بيروت ودمشق على الأقل كنّا نكتب في "الهدف"، نكتب في "الحريّة"، نكتب في " فلسطين الثورة"، حاليًا حتى هذه المراجع تراجعت جدًا.

عند الحديث عن المشروع الثقافي الوطني الفلسطيني، من المفترض أن يكون هناك مشروع سياسي، وعند وجود المشروع السياسي عندها يُمكن الحديث عن سياسة ثقافية.

لقد كان الحكيم جورج حبش يتحدث عن سياسة ثقافية، وأبو إياد كذلك، أو حتى عرفات، كانت تتردد إلى أسماعنا كلمة "سياسة ثقافية"؛ بمعنى أن المسؤول السياسي له علاقة مباشرة بالعمل الثقافي الفلسطيني.

أنا كفلسطيني وفخور جدًا بغسان و القدس وكل الشعب الفلسطيني العظيم والمقاتل، لا أستطيع أن أقول أنّ لدينا اليوم شيء نُباهي به أدبيًّا العالم العربي، لم يعد لدينا جبرا إبراهيم جبرا على المستوى الروائي، ولا نظير لمحمود درويش على مستوى الشعر، ولا ناقد أدبي كإحسان عباس، وبالتالي نحن نُهمّش سياسيًا، ولأنه لا يوجد اهتمام سياسي حقيقي بالقضية الثقافية، فإننا نُهمّش ثقافيًا أيضًا، وهذا لا يجوز.

* برأيك، ما هي أبرز الإشكاليّات في الجبهة الثقافية العربية والفلسطينية؟

كلمة "جبهة ثقافية" هي كلمة كبيرة جدًا، لا يوجد جبهة ثقافية. لو سألنا: من هي الجبهة الثقافية العربية؟ شخصيًا، أُفضّل كلمة "موقف المثقفين العرب"، فعندما نقول "موقف ثقافي عربي" يعني أن هناك شيء موحّد، وهذا الشيء الموحّد غير موجود، لكن بالتأكيد معظم المثقفين العرب وطنيين ويتعاطفون مع القضية الفلسطينية، ويدافعون عن الحق الفلسطيني، لكن هذا الاندفاع والحماس أيضًا لا يؤطَّر لأسباب مختلفة .

س5: في ظل كل هذا الذي تحدثنا به، وما تحدثت عنه قبل قليل، وبالإضافة إلى ذلك، وفي ظل الانحدار التطبيعي الذي شهدنا له وجوهًا أدبيّة عديدة، ما هو المآل والأفق لثقافة المقاومة؟ أين تتجلّى أبرز عناصر قوة هذه الثقافة؟

موقفي بالضبط ما يلي؛ ثقافة المقاومة لها وجهان: أن يكون المُثقّف كفرد مؤمنًا كليًّا بحقه الفلسطيني، وأنّ هذا الحق غير قابل لا للبيع، ولا للمساومة، ولا للشراء، عندها يكون مُثقّفًا فلسطينيًا مقاومًا.

الأمر الآخر، يُمكن أن نُطوّر هذا الشيء عندما يكون هناك مبادرة سياسيّة فلسطينيّة تُحاول أن تضع جميع هؤلاء الأفراد المُخلصين للقضية الفلسطينية في إطار مُنظّم له مجلّة، وله اجتماع سنوي، وله لقاءات، وله نشاط عربي وغير عربي.

كل عمل ثقافي هو عمل سياسي في النهاية، وبدون عمل سياسي نقدي طليعي فاعل، لن ترى إلا مثقفين فلسطينيين، ولكن من الصعب أن نتكلّم عن جبهة وعن مشهد ثقافي عربي و/أو فلسطيني.

وبالحديث عن التطبيع، برأيي لا يوجد تطبيع، وإنما يوجد استسلام. التطبيع يكون اعتراف متبادل بين طرفين، أما وأن "الإسرائيليين" لا يعترفون بنا اليوم، ولن يعترفوا بنا في المستقبل، فكلمة التطبيع ليس لها معنى، الاستسلام التخاذل أي كلمة أخرى، أما التطبيع فأنا ضد استخدام هذه الكلمة.

يمكن للفلسطينيين أن يبنوا مشروعهم الثقافي، ويواجهوا هذا الاستسلام، من خلال مشروع سياسي وطني صحيح. لا مشروع ثقافي صحيح بدون مشروع سياسي صحيح، هذه من البديهيّات، يجب أن يتم طرح مشروع سياسي وطني جديد فلسطينيًا، ينتقد كل ما هو سلبي ومُبدد للجهود في الماضي، وينطلق من مهمات الحاضر، ويسعى إلى تأمين الوحدة الوطنية، لأنه بدون الوحدة الوطنية لا معنى له، ويعتبر إضعافًا لكل الشأن الفلسطيني؛ عندما نطرح مشروعًا سياسيًا فلسطينيًا ننقد فيه ما هو سلبي ونتخلّص من البلادة وبعض بذاءات الماضي، عندها يُطرح بشكل مباشر مشروع ثقافي سياسي فلسطيني.

عندما أتحدث كمثقف فلسطيني ليس لأنني أكتب نقدًا أدبيًا، بل أتحدث بمعنى أنه كيف لنا أن ننقد ما هو سلبي في السياسة الفلسطينية؟ كيف نُجدّد السياسة الفلسطينية في هذا الإطار الخانق؟ كيف نقوم بمواجهة الآخر، سواءً كان عربيًا أو "إسرائيليًا" أو أمريكيًا في الظرف الراهن بشكلٍ جديد؟ لكن كلمة الجديد والتجديد، تقوم على جهد جماعي. الأفراد لا يُجددون إلا عندما يكونون عباقرة، وهي حالة نادرة، أما العمل الجماعي فقادر على التجديد.

* لم ينتهِ الحديث في الساحتين العربية والفلسطينية عن جدل العلاقة بين المثقف والسياسي، كما قلنا قبل قليل، من تجربتك الشخصية هل من قيمة لهذا الجدل وأين يقف المثقف اليوم إن جاز التعبير؟ أو أين يجب أن يقف على نحو أدق؟

من السُخف أن يقول إنسان فلسطيني يوجد انفصال بين الثقافة والسياس، فالمثقف الحقيقي لأنه مثقف بالضرورة أن يكون وطنيًا، والمثقف السخيف وغير الفاعل لأنه غير مثقف بالأصل يفصل بين الجانب الأدبي والجانب السياسي، لا يوجد مثقف حقيقي يفصل بين الجانب الأدبي والجانب السياسي، ولا يوجد مسؤول سياسي حقيقي يفصل بين الجانب الثقافي والموقف السياسي.

وهذا لا يُطبق فقط على الشعب الفلسطيني، يُطبق على تاريخ حركات التحرر العالمي كله.

من وجهة نظري، أنّ كل سياسي وطني ينبغي أن يكون مثقفًا وطنيًا. مثلًا، لم يكن أبو علي مصطفى قائدًا سياسيًّا ونقطة، بل كان مثقفًا أيضًا، ولا أعتقد بوجود مثقف حقيقي دون أن يكون لديه موقف سياسي، لكن إن أمكن أن يُطرح السؤال بالشكل التالي: في الظرف الفلسطيني الراهن الذي نُحاصر فيه "إسرائيليًا" وأمريكيًا وعربيًا، ما هو الدور الذي ينبغي أن تقوم به الثقافة الفلسطينية؟ والثقافة الفلسطينية بمعنى كل المثقفين.

إن مفهوم المثقف أنه هو الذي يقرأ ويكتب، هو بالأصل مفهوم خاطئ. الثقافة سلوك وقيم ومواقف، أمّا أن نعتبر أنّ هذا مثقف لأنه يكتب رواية فهذا كلام مُعيب، فالطبيب مثقف، والقاضي مثقف، والمحامي مثقف؛ الثقافة هي موقف.

* يُصادف هذا الشهر "كانت الذكرى يوم أمس"، الذكرى السابعة والأربعين لاغتيال الأديب والمثقف والقائد السياسي غسان كنفاني، ما هو الشيء المختلف الذي قدّمه غسان؟ وأين هو اليوم؟ وما هي نظرتك للمستقبل، ما المطلوب؟

أشعر بالحزن والرثاء اليوم عندما أنظر إلى الحالة التي مثّلها غسان كنفاني، لم يعد لدينا ما يساوي شيء من غسان، ورغم أنه لا يوجد لديّ فكرة موضوعيّة كاملة عن وضع التنظيمات الفلسطينية، لكنّي أشعر بالإحباط، فهنالك تنظيمات فلسطينية لم ولا تأت على ذكر غسّان في ذكرى استشهاده أو غيرها، كما أنه لا يوجد عمل سياسي أو نقدي فلسطيني جديد يتحدث عن غسّان.

بالنسبة لغسان، أعتقد أنه مثّل حالة خاصة فريدة في الثقافة الوطنية الفلسطينية، أولًا جمع بين النظرية والممارسة، كان يفعل ما يقول ويقول ما يفعل بدون انقسام، وبدون حسبان، وبدون مُخصصات، هذه الكلمة البليدة أي المخصصات - التي أعتقد أنها ساهمت في تدمير الثقافة الفلسطينية.

كان غسان يكتب لأنه فلسطيني، وكان يعمل بالسياسة لأنه وطني فلسطيني، ولم يكن غسان جزءًا من مفهوم المُحاصصة.

وعلاوة على أنه لم يكن يفصل بين النظرية والممارسة، فقد كان مُتعددًا من وجهة نظر وطنية، كتب الرواية من وجهة نظر وطنية، وكتب المسرح من وجهة وطنية، وقدّم الدراسة الأفضل عن ثورة 1936، وكتب عن الحركة الشعرية الفلسطينية في الداخل، وكتب عن الأدب الصهيوني؛ كان متعددًا انطلاقًا من هاجس كيف ندفع بالقضية الفلسطينية إلى الأمام؟ وربما أنه كان من القلائل الذين أدركوا صعوبة وشقاء أن تكون فلسطينيًا مُنتصرًا بسبب القوى المُتعددة التي كانت ولا تزال تحاول خنق القضية الفلسطينية.

وما أزال أذكر له كلمة "لم يختار الإنسان ميلاده لكن بإمكانه أن يختار موته"، وعمليًا اختار غسان موته كما يُريد، بهذا المعنى كان مثقفًا، ولكن كان مثقفًا وطنيًا كبيرًا؛ فهو سياسي كبير، وناقد كبير، وروائي كبير لأنه يرى جميع الأمور من وجهة نظر وطنية.

يُذكّرني غسان غالبًا بناجي العلي، والحالة الفلسطينيّة العظيمة أيضًا، إنه مثال الإنسان الذي يعطي حياته للقضية، ولا يجعل القضية مصدرًا لترفيه حياته.

كان غسان يمتلك قلقًا وطنيًا، وكان لدى محمود دروش قلقٌ كبير في الشعر، وكان ناجي يمتلك نوعًا من القلق؛ القلق ليس بالمعنى النفسي أن يكون الشخص غير متّزن، ولكن أن يعطي جزءًا كبيرًا من روحه للقضية الفلسطينية. ، كيف علينا كفلسطينيين ونحن مستضعفون أن نواجه حالة الاستضعاف؟ كيف نُعبّر أو  نُجدد، وكيف نُقدم صيغًا جديدة لندافع عن قضيّتنا؟ نفعل ذلك بالقلق، فيجب أن يمتلك المثقف أو السياسي الحقيقي في الوقت الراهن وفي الماضي نوعًا من القلق.

في ظل هذه الحالة أعتقد أن المطلوب هو التخلُّص من كثير من الصيغ اللفظيّة السياسيّة الماضية التي ذهب زمنها، وأن نتقدّم ببرنامج عمل لمواجهة الانقسام الوباء، الذي هو وبيل يفتك بالشعب الفلسطيني؛ ينبغي أن نتخلّص من الانقسام، وأن نتحاور، ولكن ليس إلى الأبد، فعندما نتحاور إلى الأبد يعني أنه ليس هناك حوار، هناك تبادل مصالح. أن نتوحّد فلسطينيًا على الصعيد السياسي ونبني على هذه الوحدة السياسية مشروعًا أدبيًا جديدًا يدفعنا إلى الأمام، وأن ننتقل من "ثقافة النخبة" إلى ثقافة الشعب والحركة الشعبية، وأن نُبدع في خلق تجمّعات أو مراكز عمل شعبية متنوّعة، ينبغي أن يكون هناك تفريعات في التنظيمات الفلسطينية، بمعنى كيف تتجلّى هذه التنظيمات في إطار الشباب، وفي إطار المرأة، وفي إطار الأطفال، وفي إطار الترجمة وفي إطار الرد على الفكر الصهيوني؟

ينبغي أن يكون هناك عمل جماعي، ولكن انطلاقًا من وجود قيادة فلسطينية. شخصيًا، أؤمن بالقيادة، القيادة التي تهجس بالقضية الفلسطينية، وتعيش قلق القضية الفلسطينية ولا تتحوّل إلى مهنة، فعندما تصبح القيادة مهنة تنتهي كقيادة، وعندما يتحوّل المثقف إلى مهنة، ينتهي أيضًا دوره كمثقف.

مثلًا من أين تأتي الانقسامات ومن الذي يقودها؟ بالتأكيد ليس الفلسطيني العادي هو الذي يلهث ويُقاتل حتى يقسم وينقسم. كما ذكرت قبل قليل، عندما تتحوّل القيادة إلى مهنة ومصالح ومكاسب تنتهي القضية الفلسطينية، وعندما تتحوّل القيادة من فعل وطني مبادر نقدي إلى مهنة، يأتي الانقسام. وأعتقد أنّ هذا الشيء في إطار التجديد الذي أشرت إليه، يحتاج إلى نوع من الشجاعة المعنوية الأخلاقية الكبيرة التي ينبغي أن تقوم بها فئة، أو مجموعة فلسطينية مُقاتلة، لا تُساوم، ليس من أجل مكاسب شخصيّة، ولكن لا تُساوم من أجل الحفاظ على شرف القضية الفلسطينية.

* ترغب بقول كلمة أخيرة؟

أطالب بأن يكون هناك - أطالب طبعًا للأبد هذه - مجلّة وطنيّة مركزية، ولو عدد سنوي بعنوان القضايا الفلسطينية الراهنة، حوار وسجال وأسئلة، ولو في السنة مرة، أعتقد أنها لن ترهق أي طرف من الناحية المادية.

أما الحديث عن الاتفاق على إطار ثقافي جامع بعد الاتفاق على برنامج وطني سياسي، فهو حديث "يُرضي الشيطان والرحمن"، فعندما عندما نقول "جامع" سيكون لكل طرف مكان، ومن المحتمل أن يكون أحد هذه الأطراف غير صادق، أو غير أمين، ولا ضرورة لوجوده، لذلك نقول: إطار وطني شامل، الوطني يسبق الجامع والشامل، لأنّ الأولويّة لما هو وطني.

أنا مسرور جدًا، وقد تستغرب، أنه لحد الآن هناك طرف فلسطيني يتحدّث عن غسان كنفاني، قد يبدو كلامي مؤلمًا، ولكن عمليًّا هناك شيء موجود، أقترح أن تنظر إلى جملة المجلات والنشرات الصادرة عن جميع الأطراف الفلسطينية، أنا متأكد أنّ هناك بعض الأطراف لن يمر على اسم غسان.

(نعلم قرائنا الأعزاء أن الدكتور فيصل قرر بعد المقابلة، أن يكتب مقالًا تفصيلًا عن المشهد الثقافي الفلسطيني في العدد القادم من مجلة الهدف).