Menu
حضارة

تزدحم البيوت داخلنا

تغريد عبد العال

أوميو.jpg

خاص بوابة الهدف

الى خالي وصديقي:

وأنت تنظر إلى الغابات في المكان الآخر ، يتراءى لك الكون كأنه غرفة خاصة بك ، تأخذ أشياءك إليه وتنظر داخله ، كل شيء في غير مكانه ، فمن أحدث تلك الفوضى ، ربما هو أنت ، وربما شخص ما يشبهك ، يجلس بعيدًا في وحدته ويسأل أسئلته الشخصية عن الحياة والموت والوحدة. تركض يا صديقي وحيدًا في الغابات ، كأنك تسأل نفسك إلى أين والحدود تتفكك في العزلة ، تتوسع المسافة أكثر وأكثر حتى تصير الحدود مجرد خطوط واهية ، إنها الأسئلة الشخصية التي تتراكم في كل مكان ، لكنها في غربتك الخاصة تصل إلى ذلك الحجر البعيد الذي تتحول فيه إلى زبد وتعود مع أمواج رحلتك وتتكرر وتتكرر.

 في أوميو ، المدينة الشمالية الهادئة ، تعرفت إلى ليلك ، لم يكن ليلًا عاديًا بالنسبة لي فقد كانت العتمة جزءًا من حياتي ولكنها حين اختفت ، جعلتني أفكر بالليل الذي يتخفف حتى من السواد ، إنه ليل وحيد أيضًا ، ليل يفكر بأن يلقي سواده بعيدًا ويفكر بالضوء ، يفكر بأن يتساوى مع النهار في كل شيء فيتشابهان إلا بفكرة إننا نستسلم وننام أكثر في الليل.

لم تكن أوميو غير محطة قصيرة لأطل على الوحدة ، الوحدة التي تجذبني بفكرتها الكبيرة ، أمشي قرب النهر ، فتمر إمرأة مع كلبتها ولا تنظر إليَّ ، الوحدة التي تقول عنها بريتا أنها لا تشبه العزلة.

  العزلة هي التي أتوق إليها دائمًا ، لأنها تعني  أن تكون مع نفسك وفرحًا بذلك. رأيت الآخرون يتسللون إلى تلك العزلة ويلقون عليها تحيتهم الخاصة ، لكنني بقيت ممسكة بباب تلك الغرفة الخاصة التي كنت أرى داخلها الغابة. والآن تمتد أمامي الغابات وأنا في حالة بحث عن غرفة خاصة أكتب فيها الأسئلة التي تتجدد وتتسع وتمتد مثل بيوت أوميو الجميلة.

إنه الخروج ، الحالة المستمرة للبحث ، التيه الذي يعطيك كل مرة ويأخذ منك ، كأنه انتقال دائم من مدينة لمدينة. الخروج بمعناه النفسي هو أن تفقد جزءًا منك وتنظر إلى ما تبقى ، أن تصبح قمرًا أو نجمًا وتذهب إلى فلك آخر وتدور. يذكرني هذا بلوحة لبول غوراغوسيان بعنوان المغادرة ، عن شخص يغادر اللوحة ، وتبقى اللوحة كما هي حيث يرسم غوراغوسيان الجماعة مرة مع الشخص ومرة بدونه. ولكن اللوحة تتغير كل يوم بتغير نظرنا اليها ، إنها المكان الذي ننظر إليه كل مرة من زاوية ، وبهذا المعنى لا يصبح الخروج خروجًا ، بل يصبح دخول من الباب الآخر.

أخذتني الطبيعة إلى مكان آخر ، شعرت أنني أمام لوحة كبيرة جدًا لفنان ساحر أو فنانة ساحرة ، تأكدت أن ما أراه حقيقة عندما بدأنا نتحدث ونسأل الأسئلة التي لا تعرف حدودًا ولا مكانًا. إنها تتشابه في كل مكان. والآن أصارحك يا صديقي ، أنها نامت مطمئنة أسئلتي فقد كان سفرها شاقًا وأما الإجابات فلم تعد تهمها. إنها تحلم بلعبة زمنية تعيد للأشياء قوتها في مكانها الحقيقي.

في استكهولم، عثرت على لوحة كبيرة لماتيس في المتحف الوطني ، حدثتني اللوحة عن تناسق الأشكال وتداخلها مع بعضها ، فخطر في بالي ، أن تتناسق الأمكنة داخلي ، أن تتوزع أشكالها في روحي وتصبح قماشة ملونة مثل لوحة ماتيس ، أن تختار ما تريده من المكان وتلصقه في الغابة الواسعة داخلك ، سيصبح عندك مكان ما لا تعرفه ، لكنني أستطيع أن أسميه وطنًا ، إن كان الوطن هو أن لا يحدث ذلك كله كما قال غسان كنفاني .

في المترو ، أتخيل أن هناك نفق كبير داخلي عاش داخله أطفال المدرسة وصراخاتهم وأعينهم المتعبة ، ونفق آخر حفرته بيدي ، جمعت داخله ما أريد وأحلم وتركته يمر إلى الضوء. وعندما خرج الأشخاص فجأة عند وصولنا إلى المحطة ، شعرت أن الأشياء لا بد أن تخرج من نفقها وتمارس يومها العادي في الشارع ، تمشي مع المارة وتقطع الطريق.

    الأشياء التي احتجزناها ، هي أيضا تسافر وستصل إلى مكان ما في الذاكرة ،  مكان يسرها أن تقيم فيه رغم كل شيء. إذًا ها هي البيوت التي تركناها يومًا خوفًا من موت ينتظرنا داخلها ، تزدحم داخلنا بقوة وتنتظر الخروج معنا في نزهة للقاء أحلامنا القادمة.