Menu
حضارة

القدس.. أسئلة التاريخ والحاضر والمستقبل

أحمد الدَبَشْ

القدس.. أسئلة التاريخ والحاضر والمستقبل

لم تكن القدس دائماً ميدان معركة، فجر القرن العشرين تبرز قصة أخرى، مدفوعة بظهور الهويّة الحضريّة المُشتركة، بمنأى عن الانجرافات وراء نزعات الملل والطوائف التي يبدو أنها هي صاحبة الكلمة العليا على مسرح الأحداث اليوم. هذا هو موضوع كتاب "القدس 1900 زمن التعايش والتحولات"، للأستاذ والمحاضر في جامعة باريس، فانسان لومير، ونقله من الفرنسيّة إلى العربيّة، غازي برو، وصدر في بيروت عن دار الفارابي (ط1 - 2015).

يقع الكتاب في 335 صفحة من الحجم الصغير، وصدر باللغة الفرنسيّة في 2013، تحت عنوان "Jérusalem 1900: La ville sainte à l'âge des possible" وقد قسم المؤلف كتابه إلي سبعة فصول، ومقدمة وخلاصة.

ويقول المؤرخ هنري لورنس في تقديمه للكتاب: "إن هذا الكتاب يساهم بدوره مساهمة أساسية في فهم أحوال فلسطين في بدايات القرن العشرين نظرا لأنه يرفض جميع الرؤى اللاحقة التي أخفت لنا الحقائق التاريخية التي سادت عند منعطف ذاك القرن. كما يمكننا من فهم ما قد يشكله من إطار للمعالجات السياسية المخصصة لوضعها اليوم وغدا" (ص 7).

 

القدس في العهد العثماني

وقد جاء في المقدمة المعنونة "1900 زمن التعايش والتحولات": "كانت القدس في نهاية القرن التاسع عشر جزءا من السلطنة العثمانية، إذ كانت منذ العام 1872 العاصمة الإدارية لما كان يسمى سنجق القدس، أو فلسطين في محفوظات السلطنة العثمانية (...) لقد نعمت المدينة في تلك الفترة بنوع من التوازن داخل المجتمع الحضري المقدسي، وببعض الانسجام بين سكانها، وبألفة معينة على أي حال، كان من شأنها ربط مختلف شرائح السكان بعضها ببعض آنذاك. وازدهرت هذه اللحظة في ظل السلطنة العثمانية التي امتدت سيادتها على القدس منذ العام 1517 إلى أن حلت محلها سلطة الاحتلال ثم الانتداب البريطانيان"، (ص 9 و10).

 

يحمل المؤلف السياسة البريطانية مسؤولية انهيار التعايش بين مختلف الطوائف والتي أدت إلى "تعطيل جميع الأنظمة الخفية للتوازنات السابقة


يضيف المؤلف: "إن المسألة هنا ليست الصورة المثالية لمدينة هادئة، تنسج فيها، بين كل فرد من سكان المدينة، علاقة قائمة على احترام واعتبار متبادلين. إن القدس في أوائل القرن العشرين. كأي مجتمع حضري، إقليم تخترقه، منازعات تنافسية وعلاقات قائمة على تجاذب القوى... ليس طموح هذا الكتاب إخفاء هذه المنافسات، ولكن إظهار أن هذه الصراعات لا تحدث مرة أخرى على غرار الانقسامات الطائفية التي درج المرء على مشاهدتها اليوم"، (ص 16ـ 17).

ويحمل المؤلف السياسة البريطانية مسؤولية انهيار التعايش بين مختلف الطوائف والتي أدت إلى "تعطيل جميع الأنظمة الخفية للتوازنات السابقة وألحقت الضرر بلا عودة بالتماسك الحضري" (ص 19). ويتساءل المؤلف: لماذا تعرضت هذه الفترة للإغفال؟

يقول المؤلف في معرض إجابته عن هذا السؤال: "يمكن إيراد سببين اثنين رئيسين: أولا، عدم إهمال صعوبات الوصول إلى المصادر. الوثائق الإدارية عن الحقبة التي أنتجت أساسا بالتركية العثملية، وثائق ضخمة ليس الوصول إليها ميسرا إلا لعدد قليل من الباحثين المختصين في الشؤون العثمانية." (ص 20 ـ 21).

أما السبب الثاني بحسب المؤلف فقد "اتجه معظم المؤرخين للجوء إلى توثيق أكثر يسرا، وبخاصة أدب رحلات الحجاج ومحفوظات القنصليات المرسلة من الممثليات الدبلوماسية الموجودة في القدس منذ منتصف القرن التاسع عشر" (ص 21 ـ 22).

ويمكن تفسير هذا الإهمال في التأريخ بطرائق عديدة. "أولا، بنوع من التقاليد الاستشراقية، التي رسخت لفترة طويلة عن المدينة الإسلامية، فكرة الانفصال الذي لا فكاك منه بين الحضارة الإسلامية ومفهوم الحكم الحضري، وذلك عن طريق عزل المدينة جذريا عن الإشكاليات الحضرية الغربية، وإنكار أية حيوية سياسية وشخصية قانونية عليها بحيث تصبح المدينة الإسلامية بطبيعتها لوحة فسيفسائية مركبة من طوائف وعشائر" (ص 22 ـ 23).

ويتساءل المؤلف: لماذا ينبغي علينا أن نتذكر؟ ويجيب بالآتي: "يمكن أن يكون ببساطة ضربا من الدفاع عن واجب التأريخ، الذي لا يحتاج إلى تبرير آخر غير التالي: هناك محفوظات موجودة، وتشهد على حقيقة تم تجاهلها، فليس ما يبرر القفز عنها والتزام الصمت في شأنها" (ص 27).

في خفايا الخرائط: مدينة أم أربع حارات؟

بمجرد ذكر القدس، كموضع دراسة، يعمد إلى تقطيع أوصالها إلى أربع حارات يهودية ومسيحية وإسلامية وأرمنية. وينتقد المؤلف هذه التقسيمات بالقول: "الخطاب هو ذاته دائما، إنه لبق ولكنه مضلل" (ص 34).

ويضيف: "إن تقسيم القدس الرباعي، بعيدا عن كونه معطى ملازما مرتبطا منذ الأزل بالتوزيع الجغرافي للمدينة يرجع مع ذلك، إلى اختراع متأخر في مجال رسم الخرائط أدخله من الخارج مراقبون أوروبيون" (ص 37).

يحاول المؤلف تفكيك هذا التقسيم بالإشارة إلى واقع سكان مدينة القدس في نهاية القرن التاسع عشر، "فعلى سبيل المثال يمكن تسليط الضوء على القرابة اللغوية لسكان المدينة ذوي اللغة والثقافة العربيتين ولغاية الحرب العالمية الأولى كحد أدنى" (ص 40). "إذا تجاوز المرء القرابة اللغوية، يستطيع أن يبرز في الصدارة الأصل الجغرافي والثقافي للسكان" (ص 40).

إن تقسيم القدس الرباعي، بعيدا عن كونه معطى ملازما مرتبطا منذ الأزل بالتوزيع الجغرافي للمدينة

ويبرز المؤلف "حقيقة ديموغرافية كبرى في القدس تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر: الخروج إلى ما وراء الأسوار" (ص 43). وهي "ظاهرة البناء الكثيفة الحاصلة خارج الأسوار" (ص 43 ـ 50). ويشير المؤلف إلى أن "المحفوظات الضريبية للمرحلة العثمانية، يكشف أنها تتناقض مع الرواية التقليدية لمدينة مقسمة إلى حارات أربع" (ص 50 ـ 51). وأن هذا التقسيم ابتدع "في القرن التاسع عشر وليس وفقا لأسماء الأمكنة المحلية المستخدمة منذ قرون" (ص 53). فــ "لم تكن حارات القدس الأربع الشهيرة تعبر بصورة صحيحة عن الواقع الديمغرافي الاجتماعي للمدينة" (ص 55). إنه "ابتكار حديث وخارجي أوجده رسامو الخرائط الغربيون منذ منتصف القرن التاسع عشر" (ص 62). لمساعدة الزوار "في سعيهم للعثور على مدينة الكتاب المقدس" (ص 64).

أصول المدينة ــ المتحف

يصف المؤلف، رحلة بيار لوتي (1894) بأنه مثل معظم المسافرين أو السياح أو الحجاج أو العلماء عندما يزورون المدينة المقدسة للمرة الأولى، "فكانوا تحت تأثير الاندهاش بالأمكنة والارتعاب من الشحنة الرمزية المعبرة عنها فيه، يبحثون فورا عن التشبث بما يعرفونه أو ما يعتقدون أنهم يعرفونه"، (ص 76). "وعلى غرار معظم الزوار الغربيين الذين شكلت شهاداتهم قسما كبيرا من المصادر المستخدمة من قبل مؤرخي القدس، يدير بيار لوتي ظهره للمدينة الحديثة" (ص 77).

ولفهم تطور النظرة الغربية خلال القرن التاسع عشر، أعاد المؤلف قراءة مجموعة نصوص بعنوان "مسار من باريس إلى القدس" كتبها بريشة شاتوبريان (1811) (ص 79). لقد كانت نظرة شاتوبريان إلى المدينة "ليست مدينة حية، إنها مجموعة من الصروح المختلطة غير واضحة المعالم، عسيرة على الإدراك في حد ذاتها" (ص 81).

وهذا الانطباع ذاته الذي حمله ألفونس دلامارتين (1832) عن المدينة المهجورة البائسة (ص 83 ـ 84). وهذا كان "المحرك الحقيقي لحملة التبشير والبحث عن الآثار التي انطلقت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر" (ص 87). فـ"المنقبين في القدس يدركون جيدا أنهم يعملون على إزاحة الستار عن مدينة ذكرت في الكتاب المقدس، فيديرون بذلك ظهورهم عمدا للمدينة الحديثة التي لم تعد تظهر إلا كصورة تزين بها بنحو خاطف سيرة قد تجاوزتها" (ص 93). ففي نهاية القرن التاسع عشر، "راحت المدينة تتحول إلى متحف توراتي حقيقي في الهواء الطلق" (ص 102 ـ 103). فتم "إعادة ابتكار أثرية للمواضع المقدسة التي لا تعدو كونها مجرد ابتكارات ليس إلا" (ص 103).

مواضع مقدسة لا تزال غير مؤكدة

يحدثنا المؤلف عن زيارة عالم الاجتماع الفرنسي، موريس ألبفاكس، إلى مدينة القدس (1939)، ويبرز شهادته حول الأماكن المقدسة في القدس، والتي نشرت في كتابه "الطبوغرافية الأسطورية للأناجيل في الأرض المقدسة في العام 1941"، والتي جاء فيها: "نحن هنا ماضون في استكشافنا داخل حقل مجهول تقريبا" (ص 110). فقد "كانت الأماكن المقدسة في ذلك الوقت لا تزال غامضة إلى حد كبير، سواء أكانت لجهة مواقعها أم لجهة تنسيبها الطائفي" (ص 112). ويدلل المؤلف على صحة قول ألبفاكس، بالحديث عن الاختراع والترويج لـ "القبر المقدس" (ص 112). وأيضا المناقشة حول مكان واقعة صلب المسيح (الجلجة/ الجلجثة)، "وهي واحدة من أقدم المناقشات وأكثرها كثافة داخل علم الآثار المسيحية في القدس" (ص 113). "إن عدم اليقين هذا هو معطى بنيوي من جغرافيا القدس" (ص 122). "إذا تجاوز المرء أسماء مواضع المدينة العامة للتركيز على موضع العناصر الرئيسية لتراثها التوراتي، يزداد مقدار عدم اليقين" (ص 126).

نطاق السلطة

"كانت فلسطين تحت الحكم العثماني. ثم لم تكن في حينه سوى ولاية نائية لا تعرف قانونا ولا إدارة. كانت الحياة تسير ببطء، مغلولة بالتقاليد وعلى إيقاع الجمل". هذا ما كتبه توم سيغيف توصيفا لفلسطين قبيل الحرب العالمية الأولى مباشرة (ص 139). هذا التوصيف، كما يقول لومير، هو "تعزيز بسطور معدودة للأسطورة المؤسسة التي تقول: "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" (ص 140). إنها "الحاجة لدى التأريخ الصهيوني التقليدي إلى إظهار فلسطين ما قبل الانتداب فعلا كفضاء خال وقديم وبالتالي مباح" (ص 141). فـ "من الواضح أن تاريخا حضريا حقيقيا للقدس العثمانية، آي تاريخا للمدينة موثقا ومشتركا لا يزال غير مكتوب" (ص 143).

 

المنقبين في القدس يدركون جيدا أنهم يعملون على إزاحة الستار عن مدينة ذكرت في الكتاب المقدس


لقد شهدت القدس في السنوات 1890 ـ 1910 ازدهارا اجتماعيا وثقافيا. يركز المؤلف على تقرير جون ديكسون القنصل البريطاني في القدس بين العامين 1891 ـ 1906 حول الجهاز الإداري للسلطنة المستخدم في سراي القدس ونوعية الموظفين الذين يحركونها. يظهر هذا الاستعراض، كما يقول المؤلف "أن الصورة التقليدية التي شاعت في أوروبا هي مشوهة بنحو جلي" (ص 157 ـ 158). ويحدثنا المؤلف، عن تطوير البنية التحتية في مدينة القدس في القرن التاسع عشر كـ "افتتاح سبيل عمومي تذكاري في القدس في الأول من أيلول/ سبتمبر 1900" (ص 160 ــ 164). وتطوير "شبكة الطرق" و"افتتاح خط سكة الحديد يافا ــ القدس" (ص 165 ــ 180).

الثورة البلدية

يجري الحديث هنا عن "الثورة البلدية" لأنه للمرة الأولي في تاريخ المدينة المقدسة أنيطت بهيئة إدارية مشتركة مسؤولية تمثيل مجمل سكانها، بصرف النظر عن الاختلافات العرقية أو الدينية. (ص 184). فـ "بلدية القدس هي واحدة من البلديات الأولى التي شهدت النور على مستوى السلطنة، إن لم تكن الأولى" (ص 186). فقد مثلت بلدية القدس ما يمكن اعتباره "مصنع كيانية حضرية" (ص 191). ويتشكل المجلس البلدي بالانتخاب وفقا "لحجم التكتل السكاني" (ص 194ـ 199). ويحدثنا المؤلف عن يوسف ضياء الخالدي، رئيس البلدية المؤسس (ص 199 ــ 207). لقد مارست بلدية القدس العثمانية "رقابة فعالة على المباني وعلى الطرق الرئيسية للمدينة المقدسة" (ص 211). فقد تمكنت بلدية القدس، العثمانية من إنشاء "كيانية حضرية مشتركة"، ومن أبرز وسائل الدعم المرئية لـ "كيانية حضرية ناشطة"، "حماية الصحة العامة ومكافحة أخطار الأوبئة"، و"تطوير المساحات الخضراء والفضاءات العامة للتسلية" (ص 213 ــ 22).

أيام الثورة المجنونة لعام 1908

في صيف 1908 أصبحت القدس "شريكة في تاريخ تجاوزت أهميته إلى حد كبير حدودها بالذات لا بل حدود السلطنة العثمانية" (ص 224). فقد تجمع آلاف الناس للتلاقي عند باب يافا، وتجمعوا عند برج الساعة، من أجل الاحتفال باستعادة العمل بـ "الدستور العثماني". فقد تخطت مشاهد الابتهاج إلى "تظاهرات متواصلة دامت أكثر من أسبوعين" (ص 225). "وتنادوا جميعا بكلمة أخوة وتعانقوا وأقسموا بالبقاء أوفياء لشعار تركيا الفتاة "حرية، مساواة، عدل، أخوة" (ص 226).

لقد كانت الثورة "بمثابة مرصد مناسب للمجتمع الحضري في تلك الحقبة" (ص 227). كانت "مشاهد التآخي تلك، التي نظر إليها المرء كعملية تبني من قبل المواطنين لنزعة عثمانية عالمية" (ص 238). لقد كان المشهد السائد في القدس أثناء الأيام الثورية تجسيدا لـ "الجو الأخوي". إن تحليل المناقشات العامة التي دارت وسط مجتمع القدس الحضري في الأعوام 1908 ــ 1914، يظهر "مساحة مشتركة للمناقشات وتبادل الآراء، حول مواضيع مثيرة لاهتمام المجتمع الحضري بمجمله" (ص 246). كـ "البنية التحتية للتعليم" و"تطور الصحافة المطبوعة"، (ص 247 ــ 250).

تقاطع الهويات

ينقل المؤلف شهادة ألبير عنتابي (1901)، مدير مدرسة التحالف الإسرائيلي العالمي في القدس، التي "تعكس الشقاق الجاري بين مختلف الجاليات اليهودية في القدس في نهاية القرن التاسع عشر" (ص 258). ويري المؤلف، أن شهادة عنتابي تشير، "إلى مسألة رفض العرب من قبل قسم من اليهود المهاجرين حديثا، الذين يتهمون اليهود ذوي الثقافة العربية، شأن عنتابي، بذنب التضامن مع مسلمي القدس" (ص 258 ــ 259).

كان اليهود المهاجرين حديثا "ينظرون في معظمهم نظرة متعالية إزاء السكان الأصليين على اختلاف انتماءاتهم" (ص 260). يقول المؤلف، يمكن الاعتماد على شهادة عنتابي، "لإدراك أفضل لواقع القدس المعاصر 1900". فقد أشار عنتابي "إلى الخطر المحدق الذي يشكله المشروع الصهيوني على التوازنات الداخلية للمجتمع الحضري" (ص 263). فـ« "لم ينجحوا إلا في إثارة النضالات القومية" (ص 263).

زادت مواقف عنتابي، "وضوحا في التنديد بالمشاريع الصهيونية" (ص 264). فقد جاء على لسان عنتابي، "أريد أن أكون نائبا يهوديا في البرلمان العثماني وليس في هيكل الموريا العبراني" (ص 265). يذهب المؤلف إلى أن الصهيونية "لا توافق في الآراء حولها في أوساط فلسطين، كذلك الأمر لم يكن هناك إجماع حول القومية العربية بين المسلمين والمسيحيين" (ص 268). ويضرب مثال، إن مجلة المنار نشرت رأيا لرشيد رضا "يؤكد فيه مرارا وتكرارا أن القوميين العرب عليهم محاكاة النموذج الصهيوني" (ص 269).

ويشير المؤلف، إلى أن "أكثر الكتب التي شكلت مرجعا لبلورة القومية العربية ـ الفلسطينية، هو صحوة الأمة العربية في آسيا التركية، نشره نجيب عازوري في باريس عام 1905" (ص 270). فقد دافع فيه عن "مشروع دولة مستقلة تضم جميع الشعوب الناطقة بالعربية، من العراق إلى حدود مصر، ومن الحدود التركية حتى خليج عمان" (ص 271).

أما عن واقع الموقف داخل الجماعات العربية في القدس تجاه المشاريع الصهيونية، يتعرف المؤلف على هذا الموقف "عن طريق تحليل موقف مندوب القدس (روحي الخالدي) المنتخب إلى البرلمان العثماني لعام 1908" (ص 275). فقد جاء على لسانه: "اليهود (الإسرائيليون) هم شعب عظيم، وإن البلد يستفيد من مهاراتهم ومواردها ومدارسهم ومعرفتهم لكن (هم) ينبغي أن يستوطنوا في مناطق أخرى من السلطنة ونيل الجنسية العثمانية، وإن المشروع الذي يهدف إلى إقامة مملكة إسرائيلية وعاصمتها القدس مشروع خطير على فلسطين" (ص 277).

ويلاحظ المؤلف بمقارنة خطاب الخالدي مع ذلك الذي ألقاه زميله نائب دمشق شكري العسلي، أن هناك "فرقا واضحا جدا من النبرة، فبينما يدافع العسلي عن موقف مناهض للصهيونية قطعا، فإن روحي الخالدي يبدو أكثر تميزا في موقفه، كما لو أنه كان مترددا في رفض أي مستوطنة يهودية في فلسطين رفضا مطلقا" (ص 277 ـ 278). يعتبر المؤلف أن "الرسالة التي كتبها يوسف ضياء الخالدي بالفرنسية إلى حاخام فرنسا الأكبر صادوق كاهن، في أول آذار (مارس) عام 1899 ونقلها هذا الأخير إلي تيودور هرتزل، واحدة من الأفعال التأسيسية لردة الفعل الفلسطينية المعادية للمشروع الصهيوني" (ص 280). ويحدثنا المؤلف عن رسالة الخالدي باستفاضة (ص 280 ــ 286).

الخلاصة (انعطاف الزمان)

"حدث انقلاب في تاريخ القدس، عام 1917 عندما دخل الجيش البريطاني بقيادة اللنبي، المدينة المقدسة، دخلت المدينة المقدسة عصر التطرف وأفل التعايش والتحولات" (ص 287). ويلقي المؤلف نظرة على مسار إليعازر بن يهودا، الذي دعا إلى ضرورة "إقامة دولة يهودية مستقلة حماية لأبناء ملته من المذابح المعادية للسامية وأهمية إحياء اللغة العبرية لتمكين إحياء قومية يهودية" (ص 291). ويصف المؤلف إليعازر بـ "صهيوني أصيل" (ص 292).

في نهاية المطاف يتساءل المؤلف: ماذا يمكن أن يقدمه الكتاب؟ ويجيب: "إن هذا التاريخ الآخر للمدينة المقدسة عصر التعايش والتحولات، يجب بدلا من ذلك أن يكون نقطة انطلاق للتأمل في مستقبل مشترك للقدس" (ص 296).

إن ما يريده المؤلف، أن يكون الكتاب "نقطة البداية لتاريخ متقاسم وحقيقي لمدينة القدس" (ص 297). ولكن ما أريده أنا (أحمد الدبش) كباحث تاريخي، أن تعود القدس موحدة غير مجزأة عربية ـ فلسطينية، فمعول الأثري أثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن تاريخ القدس القديم، هو ملك للشعب الفلسطيني، فالحفريات الأثرية أثبتت عروبة القدس، وما طرحه المؤلف في هذا الكتاب، يؤكد ما ذهبت إليه، أن القدس فلسطينية فلا داعي للبحث عن مستقبل مشترك يجمعنا بالمحتل الذي جاء من أرجاء المعمورة ليستوطن القدس استنادا إلى نص توراتي "متخيل."