Menu
حضارة

فلسطين ما بين سايكس بيكو وصفقة القرن ج5

حاتم استانبولي

غزة_ بوابة الهدف

ما بعد سايكس بيكو ووعد بلفور والكتاب الأبيض وقرار عصبة الأمم، الذي أقر توزيع أراضي الدولة العثمانية بين الدول الاستعمارية، حيث كانت فلسطين وشرقها وولايات ما بين النهرين و مصر والجزيرة العربية من حصة الانتداب البريطاني، في حين قدمت سورية إلى الانتداب الفرنسي بما فيه ما يعرف جبل لبنان.  

من خلال التدقيق حول تفتيت سوريا الكبرى ما بين الاستعمارين كانت له أهداف عميقة أهمها تفتيت النسيج الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، بمعنى أن اختلاف الخلفية الثقافية والمعرفية للاستعمارين، سيترك أثرًا مستقبليًا على التكوين الجديد للمجتمع من خلال تعميم منظومة ثقافية وقانونية متعارضة عبر ربط المصالح الاقتصادية للمجتمعات بكلا الاستعمارين وتوجهاتهما. وفي هذا الإطار لعبت الحركة الصهيونية ومن خلال الوكالة اليهودية على الوضع الجديد وتبعاته القانونية، وبحكم أن الكثير من العائلات التي كانت تملك أراضي في فلسطين من خلال العطايا والشراء لها في ظل الحكم العثماني، حيث كانت ملكية الأرض هي مشروعة في كل الولايات والتنقل والعمل لا قيود عليه.  

من المرجح أن الوكالة اليهودية اتصلت بهذه العائلات وبدأت بإثارة مخاوفهم حول الوضع القانوني الجديد، الذي سينعكس على ملكياتهم وعملهم، وعرضت عليهم بيع ما يملكون في فلسطين، وهي عائلات معروفة كانت تسكن في الشام ولينان.

إن التداول الحالي والتذكير بمصطلح بيع عائلات سورية ولبنانية وفلسطينية لأراضي هو مصطلح مضلل، حيث التوصيف جاء بمقاييس الحاضر وإسقاطها على الظروف المحيطة بتطبيق اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور والكتاب الأبيض وانعكاساتها القانونية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية. إن خوف الإقطاعيون من خسارة مصالحهم جعلهم يقدمون على بيع الأراضي (بعد رفض حكومة الانتداب إعطائهم تصارح للعبور إلى فلسطين)، في ظل غياب للوعي العام وغياب وتشتيت للدور الوطني والقومي، وتسليم مقاليد ومصير المنطقة للاستعمار الجديد، وتداخل وتضارب مصالحه، وما خلفه الحكم العثماني من تخلف وجهل عام.  

لقد استفادت الحركة الصهيونية من خلال توجيه الوكالة اليهودية التي استندت إلى البنوك اليهودية التي (أُنشئت لشراء الأراضي ولتشجيع وتطوير الزراعة)، وبدعم واضح وقانوني من سلطة الانتداب البريطاني التي عملت وبإخلاص لتنفيذ قرار عصبة الأمم، بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. في هذا السياق كانت الأراضي التي تم شرائها من العائلات التي أعطيت صفة قانونية لاحقًا (ما بعد إنشاء الدول والنظم)، على إنها سورية ولبنانية، لكي توظف في الوعي لخلق تعارض بين الشعب الفلسطيني مع محيطه العربي.  بعد إقرار صك الانتداب عينت بريطانيا (شخصيتين صهيونيتين يهوديتين)، حيث أرسلت اليهودي هربرت صموئيل ليشغل أول مندوب سامي في فلسطين وتعيين الكابتن اليهودي الصهيوني نورمان بنتوتيش نائبًا عامًا،  حيث كان لهما دورًا فاعلًا في تحويل القرار الذي يعطي الوكالة اليهودية دورًا استشاريًا ومساعدًا لحكومة الانتداب، إلى دور تكون فيه حكومة الانتداب هي التي تلعب دورًا مساعدًا واستشاريًا للوكالة اليهودية وأذرعها المسلحة، لتمكينها من الإستيلاء على الأراضي الفلسطينية، وبدعم واضح من مراكز نفوذ الحركة الصهيونية في أوروبا خاصة فرنسا وبريطانيا، حيث قام الكابتن النائب العام بإصدار قوانين تسهل إستيلاء (اليهودي عبر الوكالة اليهودية) على الأراضي وتجعل المزارع الفلسطيني في حالة تضطره إلى بيع بعض أو كل ما يملك. هنا طرح موضوع تسوية الأراضي، وهو مشروع من حيث الشكل يسعى إلى تسوية ملكيتها, خاصة الأراضي الأميرية التي كانت مسجلة باسم املاك الدولة في العهد العثماني. لقد اتبع سياسة مزدوجة حيث كانت الكواشين المسجلة بأسماء يهودية تعتبر قانونية، في حين المسجلة بأسماء عربية فلسطينية تكون موضع شك واعتراض قانوني. ومن المشاكل الأخرى التي كان يواجهها المزارع الفلسطيني هي مشكلة الديون التي كان في بعض الأحيان يتخلى عن أرضه أو يبيعها لسداد ديونه.

ورد في تقرير مستر كلاند من الإدارة الانتدابية عن الوضع الاقتصادي في فلسطين عبارة تعبر عن مدى تعاظم مشكلة ديون المُزارع، حيث أورد (أن مصيبة الفلاح الفلسطيني في ديونه), كما جاء في تقرير اللجنة الملكية 1937, أن الفلاح الفلسطيني يولد مدينًا, ويعيش بالدين, ويموت غارقًا بالدين. كل ذلك كان نتيجة السياسات والقوانين والإجراءات الاقتصادية التي كانت تسنها حكومة الانتداب البريطاني، ومثالًا على ذلك فقد أعطت حكومة الانتداب تصاريح للتجار اليهود لاستيراد السمسم بدون أية رسوم جمركية، في حين رفعت الرسوم على بيع المحاصيل المحلية.

هذه من إفادات حصل عليها هوب سمبسون عام 1930 في تقريره المفصل عن الوضع في فلسطين. أما دور الانتداب البريطاني فقد اتبع سياسة ممنهجة قائمة على دفع الفلسطيني والعربي الغائب على بيع أرضه لتمكين الوكالة اليهودية من الاستيلاء عليها، حيث أقدم على بيع الأراضي الأميرية للوكالة اليهودية التي كانت هي الشخصية القانونية الرئيسية كطرف في عملية الشراء. أي أن ما بيع من أراضي لم تكن لعائلات يهودية أو أفراد، بل كانت لوكالة أعطيت شرعية قانونية من الانتداب البريطاني، الذي أضفى لها شرعية دولية من خلال قرار عصبة الأمم، الذي منح الوكالة اليهودية صفة المساعد لحكومة الانتداب البريطاني. (ما ورد في مواد صك الانتداب خاصة الفقرة الرابعة منه).

أما عن بيع الأراضي في مرج بن عامر وأراضي الحارثية قضاء حيفا التي اشترتها الشركة اليهودية للأراضي (الكارن كايمت) من اسكندر سرسق في بيروت ومساحتها (21) ألف دونم، وكانت تزرعها عشيرة الزبيدات المؤلفة من (60) عائلة فلاحية، وتكررت حالات البيع من عائلات لبنانية أخرى (120) ألف دونم حول بحيرة الحولة، كما باعت أسرتان لبنانيتان أراضي وادي الحوارث 32 ألف دونم، مما تسبب في تشريد (15) ألف فلسطيني.  وهنالك عائلات قامت ببيوع كبيرة لأراضي فلسطينية أثناء الانتداب البريطاني، وهم آل سلام، وتيان، وقباني، ويوسف، وصباغ، والتويني، والجزائرلي، وشمعة، والقوتلي، والمارديني، وقد بلغت نسبة البيع للملاك الإقطاعيون الغائبون خارج فلسطين بين (1920 و1936) ما نسبته 55,5%، مما حصلت عليه الوكالة اليهودية وشركاتها من أراضي زراعية. وعلى الرغم مما يتحمله البائعون في الجانب الأخلاقي، فإن حكومة الانتداب كانت سببًا في بيعهم، حيث كانت قد منعتهم من الدخول إلى فلسطين من أجل الاستمرار باستثمار أراضيهم التي امتلكوها بعام (1869)، عندما اعلنت الحكومة العثمانية عن بيعها لأراضي أميرية لدعم خزينتها، ومنهم من كانت أراضيهم عبارة عن هبات من الباب العالي مقابل خدماتهم، حيث باعت هذه العائلات ما مجموعه (625 ) ألف دونم، ونتج عنها تشريد (2746) أسرة فلسطينية، هم أهل ل (22) قرية، كانت تفلح هذه الاراضي لمئات السنين.

انتقلت معظم العائلات الفلسطينية التي فقدت أرضها إلى المدن الفلسطينية، خاصة مدينة حيفا، حيث كانت الحركة الصناعية والتجارية تشهد توسعًا، وتتطلب ذلك أيدي عاملة في المصانع والميناء والشركات، وسكنوا في محيطها، وعاشوا ظروفًا اقتصادية قاسية، كانت سببًا في تعاظم دورهم في الانتفاضات الفلسطينية وثورة 1936. منذ بداية الانتداب كان التوجه واضحًا في سياسته من خلال إطلاق يد الوكالة اليهودية، وتسهيل مهماتها في الاستيلاء على الأراضي عبر سن القوانين والتشريعات التي تسهل حركة ونمو رأس المال اليهودي، والتضييق على حركة رأس المال الفلسطيني، وتعميق أزمة الفلاح الفلسطيني والدفع باتجاه إنشاء مجتمع يهودي منفصل بمؤسساته المالية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، ليحول فكرة إنشاء وطن لليهود إلى فكرة التأسيس للدولة اليهودية.

إن كل عملية شراء للأراضي كان يتطلب موجة جديدة من الهجرة اليهودية هؤلاء المهاجرين، الذين كانوا يتمتعون بمؤهلات تعليمية ومهنية وعسكرية، كانوا قد اكتسبوها في المجتمعات التي كانوا ينتمون إليها، مما أهلهم للاندماج في منظومة الاحتلال البريطاني في فلسطين، ليكونوا جاهزين لاستلامها عندما تستكمل الشروط الموضوعية والذاتية لإعلان دولتهم. وتعدد مجتمعاتهم ميّزهم بتعدد خبراتهم التي كانت لها أثر في سرعة بناء مجتمع خاص بهم، يكتسب ميزات ومؤهلات تفوق المجتمع الفلسطيني الذي كان تحت الحكم العثماني وأغرقه بالجهل وقلة الحيلة، وفرض عليه سلطات عائلية وعشائرية ودينية، لا تتمتع بأية مؤهلات تمكنها من أن تلعب دورًا في تطور مجتمعاتها لتواجه المؤامرة المزدوجة للحكومة البريطانية والحركة الصهيونية، وجعل الفلسطيني يقاتل على عدة جبهات مخلفات العثمانية، ومؤامرات الانتداب البريطاني، وخبث الحركة الصهيونية التي كانت تؤسس للدولة الرأسمالية اليهودية.

إن جهل قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية ومرجعياتها التي كانت تنظر لحكومة الانتداب كقاضي يحكم بينهم وبين الحركة الصهيونية وأدواتها، وترفع لحكومة الانتداب رسائل شكواها وتطلب منه أن يعين مفتيها ليترأس قيادة حركته التي كانت هي قيادة من مخلفات العائلات الإقطاعية في العهد العثماني والكمبرادورية الناشئة المرتبطة براس المال الصهيوني (البريطاني واليهودي).

إن قيادة الحركة الوطنية التي تعددت مرجعياتها المحلية والخارجية كانت تنظر للانتداب البريطاني من على قاعدة الحكم والقاضي وليس العدو، وكانت ترسل رسائلها لتشكو مندوبها السامي وسياساته الداعمة للهجرة اليهودية. (سأكتب بشكل موسع في بند خاص حول الحركة الوطنية الفلسطينية).

لقد كانت أعداد اليهود في فلسطين قد بلغت ما بين (1850 الى 1914) 83 ألف (وكالة وفا الفلسطينية)، وما بين (1929 الى 1936) بلغ عدد المهاجرين 282.645 ، حسب ذات المصدر. فقد دخل فلسطين 120 ألف مهاجر من أوروبا بين 1940 و1948، وكانت البحرية البريطانية ترشد سفن الهجرة إلى الموانئ الفلسطينية لتسهيل هجرتهم، حيث كانوا يستقبلون من قبل جنودها مع أفراد المنظمات اليهودية المسلحة ومندوبي الوكالة اليهودية التي كانت تؤمن لهم مأكلهم ومشربهم ومسكنهم، وحسب وكالة وفا، فإن أعداد اليهود في فلسطين وصل إلى 625 ألفًا عام 1948، أي ما يقارب ثلث عدد السكان في فلسطين.

إن الوقائع التاريخية تؤكد أن حكومة الانتداب البريطاني كانت هي العامل المقرر والحاسم في خلق الظروف الموضوعية والذاتية لتحويل فكرة الوطن القومي إلى دولة يهودية، وبهذا فإن كل المقولات الصهيونية التي تشير بأنها خاضت حرب تحريرية ضد الاستعمار البريطاني، هذه الادعاءات التي تريد أن تزور التاريخ، وتسوق مقولات من خلالها تريد ان تظهر بأنهم السكان الأصليين الذين احتلتهم بريطانيا، وخاضوا حربًا تحريرية انتصروا فيها عام 1948، لتعطي مشروعية لمنظماتها المسلحة التي شُكلت تحت أعين الانتداب البريطاني ومولت من الحركة الصهيونية وقادتها، وأصبحوا قادة "دولة إسرائيل" وتاريخهم الشخصي تاريخ ملطخ بدماء الفلسطينيين.

إن الحركة الصهيونية وأدواتها المالية البنكية التي مولت الوكالة اليهودية التي كانت تتعاون مع المنظمات الإرهابية الصهيونية المسلحة التي قادها زعماء "إسرائيل"، من بيغن وشارون وبن غوريون، هذه المنظمات الصهيونية هاجانا، وشتيرن، واراجون، وهاشومير التي كانت سندًا للانتداب البريطاني ومساعدًا له في قمعه وقتله للفلسطينيين وتهجيرهم من قراهم وأراضيهم. ان محاولات تزوير التاريخ لن تمر والشواهد التاريخية ما زالت قائمة. 

المراجع :

  • صك الانتداب: قرار عصبة الأمم أعلن مشروعه من قبل عصبة الأمم المتحدة بتاريخ ٦ يوليو (تموز) ١٩٢١، وصودق عليه في ٢٤ يوليو (تموز) سنة ١٩٢٢ ، ووضع موضع التنفيذ في ٢٩ سبتمبر (أيلول ) سنة ١٩٢٣.
  • الشيخ عز الدين القسام 1882 إلى 1935، لفادي غانم.
  • وكالة وفا الفلسطينية