Menu
حضارة

حديث عن انتفاضة ثالثة

عوني صادق

في سبتمبر/أيلول 2014، حلت الذكرى الخامسة عشرة للانتفاضة الثانية، وكانت الأجواء في القدس وما حولها بفعل، الممارسات «الإسرائيلية»، تسجل مستوى عالياً من التوتر، يشير إلى احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2015، انفجرت أزمة «البوابات الإلكترونية» وكانت مبرراً كافياً ل«هبة أكتوبر» التي عمت القدس ومنطقتها، وأوحت بدورها، وبقوة هذه المرة، إلى الاحتمال نفسه. لكن تراجع الاحتلال سمح بتحقيق انتصار واضح لجماهير الهبة، وصب ماء بارداً على غضبها، وأجل الانتفاضة الثالثة.

ومنذ بداية 2016، تزايدت ممارسات قوات الاحتلال شراسة وتطاولاً على الفلسطينيين وممتلكاتهم وحقوقهم وحرياتهم، فكان التصعيد هو السمة الغالبة على كل المستويات: مصادرة الأرض وبناء المستوطنات ونشر البؤر الاستيطانية، ومنع الفلسطينيين من البناء وهدم بيوتهم، والتضييق عليهم في أرزاقهم وقطع أشجارهم وحرق محاصيلهم، بالإضافة إلى اعتقال الآلاف منهم سنوياً، وإصدار مئات الأحكام الإدارية دون تهم، وإطلاق أيدي المستوطنين في القتل، ثم سنَّت قوانين عنصرية، كشفت كامل المخططات التوسعية المعدة لاستملاك فلسطين كلها، بالاستعانة بالإدارة الأمريكية، ما أوصل الأوضاع إلى ذرى غير مسبوقة لم تعد تطاق.
كانت خديعة «أوسلو»، وفشل أسلوب المفاوضات، قد اتضحا منذ خريف 1996، لكن عودة قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى الأراضي المحتلة في ظل القيود التي فرضها «اتفاق أوسلو» قد حولها إلى رهينة في يد «إسرائيل»، وبدلاً من التخلي عن «الاتفاق»، صار التنازل هو الممر الوحيد للبقاء باسم «المرحلية» و«الواقعية السياسية»، ويوماً بعد يوم اختفى «المشروع الوطني الفلسطيني» الذي كان مبرر «العودة»، فلا «الدولة الفلسطينية» قامت، ولا الحال ظل على حاله، كما كان قبل العودة، والدخول في نفق المفاوضات. 

وفي ظل التطورات المتلاحقة، لم ينقطع الحديث عن الحاجة إلى «انتفاضة ثالثة» لمواجهة التغولات «الإسرائيلية»، ودائماً كان يخفت الحديث شيئاً فشيئاً حتى لا يعود يسمع، ثم ليعود من جديد. ومن «العمليات الفردية» إلى «انتفاضة السكاكين»، إلى «انتفاضة الدهس»، كانت أشكال المواجهة تعلو وتهبط تعبيراً عن حاجة ورغبة الجماهير في إحداث «اختراق» يتجاوز التنظيرات العاجزة، لكن تمسك السلطة باتفاق أوسلو والتزاماته وبنوده، وأخطرها التنسيق الأمني، وعجز القيادات في «فصائل المقاومة المسلحة»، كان يفشل كل محاولة لإحداث الاختراق المطلوب ولتذهب بطولات وتضحيات الشباب الرافض لما يجري أدراج الرياح. 

دائماً كانت «العوامل الموضوعية» لاندلاع الانتفاضة متوفرة، بل وربما أكثر مما كان مطلوباً. لكن دائماً، أيضاً، كان الضعف ماثلاً في «العامل الذاتي». كان هناك «نقص ما» من مقومات الانتفاضة وشروط انتصارها. هذا «النقص» هو القيادة القادرة على التقاط اللحظة المناسبة وتحقيق الوحدة الميدانية ووضع البرنامج القابل للتنفيذ، وباختصار ترتيب الأمور بما يضمن انتصار جماهير الانتفاضة. هذا النقص عانى منه الشعب الفلسطيني منذ ثورته الكبرى العام 1936، وتأكد بعد ذلك في كل مرة حاول الشعب أن يمتلك حريته ويقرر مصيره، وتكرر ذلك أثناء الانتفاضة الثانية عام 2000، وفي المحاولات اللاحقة.

ولعل المفارقة تتمثل في أن في صفوف «إسرائيل» من يرى أن «الظرف الموضوعي» لاندلاع انتفاضة ثالثة متوفر، وجاء في صحيفة (يديعوت- 2019/3/6): «بينما تنشغل «إسرائيل» في الانتخابات، فإن أربع ساحات فلسطينية - قطاع غزة، والضفة الغربية، وشرقي القدس، والسجون الأمنية - على شفا الانفجار». ويضيف: «صحيح أن الوضع في كل واحدة من هذه الساحات يتدهور لأسباب مختلفة، بعضها لقرارات «إسرائيلية» وبعضها فلسطينية، لكن تكفي شرارة لإشعال الحقل كله».

وفي مقال آخر نشرته صحيفة (معاريف - 2019/8/2) بقلم باروخ يديد، وصف «الحالة الفلسطينية» أو «مزاج الشارع الفلسطيني» على النحو التالي: «يأس متصاعد من المسيرة السياسية، انتقاد غير مسبوق للسلطة الفلسطينية، معارضة لمبادرات سياسية قائمة، فقدان احتمالات الاستقلال الفلسطيني، تأييد حل السلطة كمخرج من الوضع القائم»! والاستطلاعات الفلسطينية ذهبت في الاتجاه نفسه. وفي استطلاع حديث أجراه مؤخراً د. خليل الشقاقي، نقرأ فيه: «يؤيد الشارع الفلسطيني المواجهة مع الاحتلال، ويرفض المبادرات السياسية. نصف الشعب الفلسطيني يؤيد الكفاح المسلح ويرى أنه البديل المطلوب. أكثر من ثلثي الشعب يؤيد الكفاح المسلح والشعبي كوسيلة لإنهاء الاحتلال».
والسؤال: ماذا ينقص لتبدأ الانتفاضة الثالثة؟