Menu
حضارة

قراءة في أضحية الأضحى!

حاتم استانبولي

العيد الكبير هو عيد يشكل فارقًا في انتقال الوعي الإنساني من الحالة الوحشية إلى الحالة الإنسانية، هو العيد الذي يؤشر إلى مرحلة وقف ذبح الأبناء الذكور كأضحية تعبر عن الولاء والطاعة؛ واستبدل نحر الأبناء بنحر الأكباش. وأصبحت تقليدًا لمناسك الحج في الإسلام خلافًا للأديان الأخرى.

والحج في الإسلام ليس فرض عين، أي إنه خيار لمن استطاع إليه سبيلًا، وبحكم أن أحد العوامل الاقتصادية في الجزيرة العربية كانت تجارة الأغنام والجمال والخيول، حيث كانت الجمال والخيول لها وظيفة في العملية الإنتاجية كوسيلة للتنقل، والأغنام كمصدر للغذاء؛ فإن الرواية الدينية جاءت لتفرض الأضحية بالأغنام، كواجب على الأغنياء وفرضت توزيع قسمًا منها على الفقراء والمحتاجين.

إذا ما دققنا في جوهر الأضحية؛ فإننا ندرك أن الرسول قد استخدم النص الديني في سياق إنساني، وظف فيه الطاعة الإلهية من أجل تحقيق عدالة إنسانية؛ لو كانت (منقوصة)، لكنها تعبرعن جوهر فكرة أخلاقية ذات طابع إنساني في جانبين، الأول؛ عندما استبدل ذبح الإنسان بذبح الكبش كأضحية، وبهذا ينتصر للإنسانية، وكانت مدخلًا لوقف وأد البنات؛ ويكون انتصر للجانب الإنساني الأهم وهي المرأة.

الجانب الآخر؛ توزيع قسمًا من الأضحية للفقراء والمحتاجين، وبذلك يؤكد على العدالة الاجتماعية من خلال توزيع الناتج، وبذات الوقت؛ فإن فريضة الحج ليست فرضًا ملزمًا لكل مسلم، وإنما للقادرين منهم، أي إن هذه المشقة يتكبد تعبها في حينه الأغنياء والمقتدرون، ليذكرهم أن هنالك مرجعية ستحاسب في ظل مجتمع تغيب عنه القوانين الإنسانية ويتحكم فيه الأغنياء بالفقراء ويستخدموهم كعبيد ورق.

إن أهمية قراءة النص الديني ببعده الاجتماعي والإنساني كقيمة أخلاقية في الظروف المادية التي كانت محيطة بالفكرة تجعلنا ندرك أهميتها في حينه وكمقياس في حاضرنا.

إن حكمة استخدام الفكرة بمعطيات واقعها المادي الملموس في حينه تجعلنا ندرك العمق الفلسفي لها، وإن كانت مغلفة بالمثالية التي كانت تحكم الثقافة السائدة في حينه.

أما الجانب الذي يجب أن نقف أمامه هو دور الشيطان؛ فالرواية حول الأضحية التي تُسرد تبرز دورًا أخلاقيًا للشيطان، بحيث تظهره وكأنه حريص على دم إسماعيل، من خلالها كان يريد أن يثني إبراهيم عن ذبح ابنه إسماعيل؛ وبرأيي فإن الرواية تحمل تناقضًا أخلاقيًا، حيث لا يمكن أن يكون الله هو من يأمر بقتل الأبناء، في حين أن الشيطان يظهر بدور المدافع عن الإنسان وإنسانيته، وهذا يتناقض مع النص الأصلي، عندما استطاع الشيطان أن يقنع آدم وحواء بالأكل من الشجرة التي حرمت عليهم، ورغم معصيتهم فإن الخالق عاقبهم بالنفي وليس بالقتل.

إن ما يرد في هذا التفسير الذي ينسب إلى المراجع، لكنه لم يورد المصدر بالاسم؛ يدلل على أن هذه الرواية غير متناسقة مع السياق التاريخي للجوهر الأخلاقي للدين.

الدرس الهام من هذه الرواية الدينية أن قتل الإنسان حرم حتى لو كان من أجل الخالق، وأن هذا الفعل ليس أخلاقي؛ وما يقال أن هذا الموقف هو انتصار لموقف الشيطان برأيي هو غير صحيح، بل العكس إن من كان يريد أن يدفعه لذبح ابنه إسماعيل، الذي هو ابن هاجر الخادمة (حسب الرواية الدينية)، المفروض أن يكون الشيطان، وأن النداء الذي سمعه لتأكيد حلمه، هو من فعل الله الذي يتحكم بأحلام البشر ومصائرهم (حسب الرواية الدينية).

إن قراءة التاريخ الإنساني ببعده الفلسفي ووظيفة الفكرة التي بالضرورة علينا مناقشتها في ظروفها المادية المحيطة، ومستوى الوعي الإنساني، والثقافة السائدة التي هي انعكاس للظروف المادية التي يعيشها الإنسان ويتفاعل معها.

فإبراز الجانب الأخلاقي وقيم العدالة الاجتماعية والتسامح والثورة على ما هو قائم في الفكرة الدينية؛ إن كانت إسلامية أو مسيحية، هي ضرورة لقراءة الموروث التاريخي وتوظيفه من أجل إبراز القيم الأخلاقية؛ من عدالة ومساواة ومشاركة بمقاييس إنسانية حضارية قائمة.

إن إسقاط عامل الزمن وظروف المكان من التقييم، واستخدام الفكرة خارج سياقها التاريخي هي من أهم المشكلات التي تعاني منها مجتمعاتنا.

الخلاف يجب أن لا يكون على جوهر الفكرة الإنسانية، بغض النظر عن لونها، ولكن الخلاف على كيفية توظيفها؛ من أجل العدالة الإنسانية الفردية والجمعية، أم من أجل الاستغلال والقتل والنهب الجمعية والفردية؟ حيث هنا يبرز العامل المشترك بين المسيحية والإسلام في الدفاع عن المظلومين بقيم التسامح، نقيضًا للفكرة الدينية اليهودية التي تشرع القتل والإستيلاء على حقوق الآخرين باسم الله، لكون الله ميزهم عن الآخرين، هذا التمييز الذي يصل إلى جوهر عنصري.

كل عام وأنتم بألف خير؛ ولنجعل أعيادنا أعيادًا من أجل تحقيق العدالة الإنسانية.