Menu
حضارة

حول خرافية سرديات نتنياهو

علي جرادات

بداية، نعم «إسرائيل»، بما هي آخر وأطول وأبشع احتلال معاصر، ليست «نمراً من ورق»؛ بل لديها، بالمعنى الشامل للكلمة، قوة باغية غاشمة، بشقيها الذاتي والمُكتسب متعدد الأوجه والأشكال من حلفاء أقوياء ثابتين، تقف على رأسهم الولايات المتحدة؛ لكن قوة «إسرائيل» هذه، شأنها شأن قوة كل احتلال، في كل زمان ومكان، ليست بلا حدود، أو بلا قيود على استخدامها، وإلا لكانت حققت، دفعة واحدة، انتصاراً نهائياً خالصاً، واستراحت، أي لما كانت بحاجة إلى 70 عاماً، هي عمرها، من الصراع الدامي لتحقيق حلمها بفرض الرضوخ والاستسلام لإرادتها، وهما الأمران اللذان لم تقوَ على فرضهما، لا على الشعب الفلسطيني وبقية الشعوب العربية، ولا على شعوب المنطقة، عموماً. أما لماذا؟
أولاً؛ لأن «إسرائيل» هي، ككل احتلال عرفه التاريخ القديم والحديث والمعاصر، لا تصنع تاريخها على هواها، إنما في إطار ما تُواجهُ، منذ إنشائها وحتى يوم الناس هذا، من مقاومة لم تنقطع، بمعزل عن تحولات وتيرتها، صعوداً وهبوطاً، وعن تغيُّر أشكالها، وتبدل راياتها. أما ثانياً، فلأن، قادتها السياسيين والعسكريين والأمنيين، ومستوطنيها، وأفراد جيشها وأجهزتها الأمنية، هم جميعاً ليسوا بخارقين، ولا بأسطوريين، ولا خرافيين؛ بل هم بشر من دم ولحم فيهم القوة والضعف، شأنهم في ذلك شأن كل الغزاة والطغاة من البشر في كل زمان ومكان. تلك هي الحقيقة، خلافاً لما دأب على الترويج له قادتها الحاليون منهم، والسابقون، والذين تميز عنهم جميعاً، بالمعنى النسبي طبعاً، رئيس حكومتها، نتنياهو؛ لناحية الترويج للسرديات الخرافية «اللاتاريخية» التي لا يزكيها تاريخ الصراع الواقعي، والمتعلقة بقدرة «إسرائيل» الخارقة على التحكم بمصير الشعب الفلسطيني، وبمصائر كل شعوب العرب والمنطقة. كيف لا؟ ونتنياهو هذا هو أكثر قادة «إسرائيل» الحاليين عنجهية وتبجحاً؛ بل هو صاحب ما يمكن تسميته نظرية «إلى الأبد» بتفرعاتها: «المستوطنات باقية إلى الأبد»، و« القدس الموحدة عاصمة «إسرائيل» إلى الأبد»، و«الجولان باقية تحت سيادة «إسرائيل» إلى الأبد»، و«ستعيش «إسرائيل» على حد السيف إلى الأبد».
وفي مقابلة له، قبل نحو شهرين، مع صحيفته، (هكذا يسميها معارضوه)، «إسرائيل هيوم»، أعلن الرجل أثقل سردياته وزناً، وأشدها خرافية، وأكثرها غروراً، بالقول: «لو لم تكن «إسرائيل» هنا لانهار الشرق الأوسط»، فهي«الضامن لبقاء المنطقة برمتها موالية لأمريكا والغرب». لكن نتنياهو بسرديته هذه، إنما يعترف، بلا قصد، بأن «إسرائيل» كانت ولا تزال مصلحة استعمارية «غربية». ويعترف، أيضاً، من حيث لا يدري، بأن هذا «الغرب» الذي أوجد «إسرائيل»، إنما استعمل المسألة اليهودية غطاء لتنفيذ مشروعه الاستعماري؛ للسيطرة على المنطقة؛ بل ويفضح، لسوء حظه، طبيعة وظيفة «إسرائيل» الفعلية؛ المتمثلة في حراسة مصالح، وفي خدمة أهداف هذا «الغرب» وأطماعه الاستعمارية-الإمبريالية في المنطقة. وهذا يعني، ضمناً، أن هدف مشروع إنشائها لم يكن تخليص أتباع الديانة اليهودية في العالم مما لحق بهم من اضطهاد، وهو الاضطهاد الذي توافرت شروط خلاصهم منه؛ عبر اندماجهم كمواطنين، مثلما اندمج نحو ثلثيهم، وسواهم من أتباع الديانات والطوائف والمذاهب الأخرى، في مجتمعات الدولة/ الأمة المدنية؛ حيث صارت المواطنة للجميع، والقانون فوق الجميع، والدستور القول الفصل بين الجميع.
هنا، دع عنك أن سردية نتنياهو الأخيرة هي، ككل سردياته السابقة، إنما ترفع قوة «إسرائيل» وقدرتها على التحكم بالمنطقة إلى حدود الخرافة. ودع عنك، أيضاً، أنها بعض من لزوم لازم دعاية انتخابية في انتخابات حاسمة بالنسبة لبقاء صاحبها في رأس السلطة، لدرجة أن يطلب من أعضاء حزبه التوقيع على «صك ولاء»؛ يقضي بترشيحه لرئاسة الحكومة، بعدما فشل في تمرير مشروع «قانون حصانة» يمنع دخوله المُحتمل إلى السجن. فالأهم، هنا، هو أن الرجل يريد تذكير الأوروبيين بدور «إسرائيل» في حماية مصالحهم في المنطقة، (حتى وإن اقتضى الأمر تقديم اعترافات فاضحة)؛ كي ينضموا إلى ركب تأييد خطة ترامب؛ لتصفية القضية الفلسطينية، خصوصاً بعدما وصل جونسون، وهو «ترامب البريطاني»، كما بات يُسمى، إلى رئاسة الحكومة في بريطانيا، وفي ظل معرفته، أي نتنياهو، أن مواقف الدول الأوروبية من خطة ترامب تنحصر في حدود إعلان عدم الموافقة عليها، وأن هذه المواقف لا تشكل خطة بديلة لخطة ترامب؛ لتسوية الصراع، خاصة وأنها لم تحدد سياسة خارجية بديلة لسياسة إدارة ترامب المتعلقة بقضايا العالم بأسره، بما في ذلك شقها الذي يمس هيبة ومكانة ومصالح الدول الأوروبية ذاتها؛ بل ويدعو إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي، أيضاً.