Menu
حضارة

السلطة والخطاب والحقيقة

حسام ميرو

نقلًا عن الخليج الإماراتية

شهد العالم منذ مطلع القرن الماضي ولغاية اليوم، تحوّلات كبيرة في ما يتعلق بمسألة «الحقيقة»، أو لنقل امتلاك حقيقة تفسير التاريخ؛ أي تفسير تناقضات التاريخ، وترافق مع السعي نحو امتلاك حقيقة التاريخ، صعود حركات سياسية أيديولوجية، تعبِّر كل منها عن وجهة نظر مختلفة لسير الأحداث التاريخية، وامتد ذلك الصراع على التاريخ إلى حقول الاقتصاد والاجتماع والقانون.

وفي إحدى تعريفات الأيديولوجيا هي أنها «وعي زائف بالواقع»، لكن الأيديولوجيا بقيت تعبِّر عن نفسها بقوة، عبر التاريخ المعاصر حتى كادت فترة من فترات هذا التاريخ، والممتدة على مدار سنوات الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والشرقي، توصف بأنها حرب بين أيديولوجيتين: الليبرالية والاشتراكية.

وقد أدى انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع تسعينات القرن الماضي، إلى خلق قناعة لدى منظرين كثيرين مفادها أن الأيديولوجية الاشتراكية هُزمت أمام الليبرالية إلى «نهاية التاريخ»، وربما كان المفكر والاقتصادي الأمريكي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما، أبرز من قال بذلك في كتابه الشهير: «نهاية التاريخ والإنسان الأخير».

هل هناك ما يسمى الحقيقة المجرّدة في التاريخ؟ هذا السؤال المفتاحي الذي يقودنا بالضرورة، إلى قراءة علاقة السلطة بالحقيقة، وتالياً إلى فهم «الخطاب» بوصفه تعبيراً عن قوة السلطة وحضورها في زمان ومكان مُحدّدين، فالسلطة تطرح حقائقها لكونها تسيطر فعلياً على وسائل إنتاج الحقيقة، من مثل الإعلام، والجامعات، والمناهج التعليمية، والأنظمة القانونية، وغيرها من وسائل إنتاج الحقيقة. لنتذكّر موجة صعود الإسلام الجهادي في مواجهة القوات السوفييتية في أفغانستان، حيث انتشر الخطاب الجهادي بوصفه حقيقة تمثل الإسلام، وتحوّل إلى حقيقة مطلقة تبنّتها العديد من الحكومات، بدعم من إدارات أمريكية متعاقبة، اعتبرت أن محاربة القوات السوفييتية في أفغانستان تأتي في سياق تلبية نداء الحرية، لكن بعد عقود قليلة، أصبح الخطاب الجهادي نفسه خطاباً إرهابياً، في نظر القوى ذاتها التي دعمت الجهاد القاعدي، وفي مقدمتها أمريكا التي احتلت أفغانستان لهذا السبب.

الدول العربية التي تبنت الخطاب القومي، وقضيته المركزية فلسطين، هي الأخرى استثمرت في هذا الاتجاه، وما جملة الشعارات التي رفعتها وكانت في مصاف الحقيقة في خطابها سوى غطاء لبناء شرعية لأنظمة حكمها، مع أن أجيالاً عديدة نشأت على هذا الخطاب بوصفه «حقيقة»، لكن في واقع الأمر، فإن حاجة السلطات إلى الخطاب، وبناء الحقيقة، هي مسألة براغماتية محضة.

تدرك السلطات أن كل خطاب هو سلطة، وبالتالي فإن جزءاً مهماً من المعركة الدائرة بين السلطات وخصومها الداخليين والخارجيين، تكمن في الصراع على بناء ما يسمى الحقيقة، وتسويقها بوصفها حقيقية مطلقة.

يعتبر الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشال فوكو، المختصّ بتفكيك الخطاب، أن الحقيقة هي «مجموعة القواعد التي نُميّز فيها الحقيقي من الخاطئ، فننسب إلى الحقيقي سلطة ذات تأثيرات خاصة». وبناء على هذا التعريف، يذهب فوكو إلى اعتبار أن الصراع بين القوى المختلفة ليس صراعاً من أجل الحقيقة نفسها؛ بل صراع على منزلة الحقيقة و«الدور الاقتصادي والسياسي الذي تلعبه».

لقد شاهدنا، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تنامي خطاب التنوع الثقافي وقبول الآخر وتحوّل العالم إلى قرية واحدة، مع موجة العولمة الثالثة، حتى كاد المرء يعتقد أن العالم يمضي نحو حالة من الإخاء الإنساني التي لم تعرفها البشرية في تاريخها، وقد أسهمت الشركات العابرة للجنسيات بدفع هذا الخطاب نحو الواجهة، لكن الوقائع الفعلية تؤكد يوماً بعد آخر، أن ما ينمو ويرتفع هو الجدران العازلة بين الأمم، وأن الحديث عن حق الأفراد في التنقل والمواطنة العالمية وما شاكلها، هي حرية نخبة الأثرياء والنافذين، في الوقت الذي تتخذ فيه تدابير حمائية قوية ضد الفقراء، كما في اقتراح الرئيس دونالد ترامب بناء جدار عازل بين أمريكا والمكسيك.

إن أخطر ما يواجه الفكر هو تحوّله إلى حقيقة مطلقة؛ أي الكف عن كونه فكراً، وتحوله إلى صنم، وأخطر ما يواجه السياسة بوصفها ممارسة هو تبنّيها لخطاب الحقيقة المطلقة، فهي تخرج عن كونها ممارسة تنظيم الصراع والتنافس في المجتمع وتدبير شؤونه إلى سلطة فوق المجتمع، حيث تصبح السلطة والحقيقة شيئاً واحداً.

وما يقلل من خطر تحوّل الفكر إلى حقيقة مطلقة هو الحرية، وتعبيراتها القانونية، بما يتيح على الدوام نقد التحولات الصنمية، وتفكيكها، والحد من مخاطر تغوّل فئة ما على المجتمع، باحتكارها الحقيقة والسلطة معاً، وذلك يتطلب تحولاً رئيسياً في بنى الأنظمة السياسية نحو الديمقراطية.