Menu
حضارة

الكونية والخصوصية

عبد الإله بلقزيز

نقلًا عن الخليج الإماراتية

دار جدل فكري - ويدور - حول مفهومين من أصلٍ فلسفي؛ هما: الكونيّة والخصوصيّة. توسَّل كل فريق في ذلك الجدل مفهوماً بعينه، وبنى عليه خطاباً، في الوقت عينه الذي دحض فيه المفهوم المقابل ضمن مسعاه إلى شرعنة مقالته النقيض. والغالب على الجدل ذاك أن الخائضين فيه، مَايَزوا، مُمايزة مطلقة، بين المفهومين ومالوا إلى افتراضٍ مفاده أن أحدهما يلغي الآخر شرطاً لوجوده، ولم يجتهدوا في التفكير فيما عساهُ يمكن أن يوجد من تقاطع بينهما، أو لما عساه أن يكون في معنى أي واحد منهما من نسبية. هكذا أسسوا، بتلك الممايَزة المطلقة التي أقاموها بين المفهومين، لتقاطُبٍ اجتماعي وثقافي وسياسي في المجتمعات التي شهدت على جدل فيها بين دعاة الخصوصية - وجمهورها - ودعاة الكونية والمدافعين عنها؛ فكانت المنازعة بينهم شديدة، وكثيراً ما أفضت إلى صراعات حادة بدا فيها كل فريق مندفعاً في المعركة لا لكسب قضيته فحسب؛ بل لإلغاء غيره. ليس الاستقطاب الحَدِّيُّ بين الكونية والخصوصية وحده مشكلة المفهومين، ومشكلة من توسَّلوهما في منازعات ثقافية وسياسية في هذا المجتمع أو ذاك، وإنما يُضاف إلى ذلك أنهما سُخِّرا - كمفهومين - تسخيراً سياسياً سافراً في العلاقات الدولية وخاصة، لدى القوى الدولية الكبرى في علاقاتها بدول وأمم خاضعة لسيطرتها الاقتصادية والسياسية. بيانُ ذلك أن كثيراً من الضغط السياسي - وأحياناً من الابتزاز - الذي تعرضت له مجتمعات ودول من الجنوب (ومن العالمين العربي والإسلامي) وَقَع بدعوى وجوب خضوع أنظمتها الاجتماعية والثقافية والقيمية لمقتضيات الكونية، أي لما تقضي به الشرائعُ والقوانين الغربية منظوراً إليها بوصفها كونية، عابرة للحدود، ومحط إجماع الديمقراطيات. وكثيراً ما قاد الضغط ذاك إلى انبراء المجتمعات والدول المضغوط عليها؛ للدفاع عن نفسها، ودرء الضغط عنها، من طريق التمسك بالخصوصيات والإمعان في ذلك التمسك إلى الحد الذي توحي فيه بأنها تناهض الكونية، وتمنع نفسها من الانخراط فيها. وغير خفي أن ذلك، بالذات، ما كانت تنتظره السياسات الغربية من البلدان تلك لتقيم الحجةَ عليها، وتحصل مشروعية الإقدام على مزيد من الضغوط، بدعوى حماية مرجعية القانون الدولي، وإنفاذ أحكامه على الجميع.

إذا كان يرادُ للكونية أن تعني، حصراً، تلك المنظومة المعيارية العابرة للحدود الاجتماعية والسكانية والثقافية القومية وبالتالي، للخصوصيات المحلية وللهويات الجزئية، فإن معناها أوسع من ذلك حتى لا نقول إن ما تُعَرَّف به، عند القائلين بها، ليس أكثر من التجسيد المادي لآلية فيها لا تكتمل - بل لا تكون - من غير دور للخصوصيات في تشكيله؛ هذه التي تصنع الكونية أو تتولد الكونية منها بوصفها تركيباً لها لا إلغاء أو نفياً قاطعاً. ما من كونية، إذاً، ليست مادتُها من خصوصيات محلية عدة تتفاعل بينها وتتبادل التأثير، فتصطبغ الواحدة منها بألوان الأخرى وتذوب الفوارق بين المصدر والمصب. وما أغنانا عن القول إنّ هذه كانت دائماً، في تاريخ الإنسانية، سمة الحضارات والثقافات الكبرى: يأخذ بعضُها من الآخر ويهضمه، ثم ما يلبث الخاص أن يتكيف مع الوافد ويندغم فيه. ومن هذه السيرورة الجدلية التفاعلية، بين المجتمعات والأمم والثقافات والحضارات، تكونت آلية الكوني بما هو محصلة شراكات تفاعلية مديدة بين الخصوصيات، أي بين الإبداعات والمساهمات الخاصة بكل مجتمع أو أمة.

إنّ أسوأ مفهومٍ للكونيّة هو ذاك الذي يُطلقها على خصوصية مجتمعية تنزع إلى الهيمنة والسيطرة وابتلاع الخصوصيات الأخرى، وهدْر شخصيتها وبالتالي، دعوة غيرها إلى الانتظام تحت سقف نظامها هي بدعوى «كونيّتها». شهدت البشرية على نماذج بائسة من هذه «الكونية» القهريّة ادعاها كل لنفسه في مراحل مختلفة من التاريخ الحديث والمعاصر: «الكونية» الأوروبية؛ «الكونية» الغربية (في عصر الهيمنة الأمريكية)؛ ثم «الكونية» العولمية. وفي هذه النماذج الرثّة من الكونية، فرض الغالب شريعتَه على المغلوب من دون أن يأخذ حقوقه في الحسبان. أما ما كان من كونية فعلية في «كونيته» فعطل العمل به، وتنكر له. في المقابل، إنّ أسوأ مفهوم للخصوصية (هو) ذاك الذي يضعه في مقابِلٍ نقيضٍ لكل كونية ممكنة؛ بل نقيضٍ حتى لكل خصوصية أخرى. وغالباً ما يسقط في هذا المفهوم المبتذل للخصوصية مَن يَعُد منظومته الاجتماعية والقيميّة والثقافية الأعلى كعباً، مقارنةً بغيرها. هكذا يلتقي المفهومان المبتذلان عن الكونية والخصوصية في تعسير ولادة أيّ كونية حقيقية، يشترك الجميع في إنتاج مبادئها وقيمها، كما في تفجير تناقضات لا موجب لها بين الخصوصيات، بعضها البعض، ثم بين الكونية والخصوصية.