Menu
حضارة

الأعياد والصدقات: بين الصدق والنفاق والإهانة..!

نصّار إبراهيم

أولا وقبل أي شئ كل عيد وعام والجميع بخير .. 

وبعد؛

ظاهرة لافتة تضج بها صفحات التواصل الاجتماعي في الأعياد والمناسبات الدينية وغيرها... أقصد ظاهرة تصوير ووصف الحفلات والموائد وتقديم الصدقات التي يتم تنظيمها تحت عنوان مساعدة المحتاجين والفقراء والعائلات المستورة...

يقولون إنها "مبادرات الخير"، قد تكون سلة غذاء أو بقجة ملابس أو مبلغا من المال أو حقيبة مدرسية أو لعبة طفل أو حتى ملابس مستعملة أو فضلة طعام .. بهذا وهكذا يتصدق الأغنياء وذوو النفوذ والمناصب وأصحاب المال على الفقراء والبسطاء والعائلات المستورة...

جميلة هذه الجهود واللفتات "الإنسانوية"... و"الخير والبركة" في أولئك المتصدقين... 

المشكلة أن الكثير من هذه المبادرات ولا أقول كلها... تخطت بعدها الإنساني وروحها الكريمة وأصبحت مجرد دعاية تشبه دعايات مواد التجميل والتنظيف والملابس والسيارات الباذخة... مما حولها إلى سلوك فوقي ونفاق مكشوف يحمل شحنة إهانة عميقة... حيث أصبحت مناسبات للتصوير والترويج وكسب المديح على حساب جوع وحاجة الفقراء والمستورين وكرامتهم... مما يفقدها أهم شرط من شروط إنسانيتها وصدقها، ألا وهو احترام الناس وخصوصياتهم وحالهم الصعب... وعدم المساس بكرامتهم... 

فالشرط الحاسم في الحفاظ على القيمة الإنسانية في مثل هذه المبادرات هو أن تكون بلا ضجيج وبلا مدائح وبلا حفلات تصوير وإعلان وترويج... الشرط هو أن تحفظ للفقير أو المحتاج كرامته وإنسانيته إلى أقصى حد... وغير ذلك هي مجرد سلوك مغرور وغير إنساني لأنها تستهدف استعمال بؤس الناس والتشهير بهم من أجل الشهرة.. هذا إذا لم تصبح نوعا من تجارة ووسيلة للسرقة... وهكذا بدلا من أن تكون الصدقة بعشرة أمثالها أخلاقيا ومعنويا في ميزان الحسنات يصبح الهدف دخول عشرة أمثالها كرصيد في جيب "المتصدق".

يروى أنّ «روكفلر»، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وهب مبلغاً من المال لترميم كاتدرائية «سان ريمي» في فرنسا، وكتب في رسالة الهبة العبارة التالية:

"أنفقوا هذا المال، في الأجزاء التي لا تُرى من البناء، فسوف يتبرّع كثيرون بالمال، لترميم الأجزاء التي يراها الناس!".

خلاصة القول: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ" (البقرة -264).