Menu
حضارة

مرحبًا بكم في عالم طغمة المال 

سمير دياب

في عصر التكنولوجيا والطبقية الفاقعة يملك الإنسان من القدرات الفكرية والعلمية ما تمكنه من الوصول إلى أبعد نقطة في أنحاء النظام الشمسي، ويعجز عن حل مشاكله اليومية جراء تسلط أنظمة وشركات البيزنس والمال والفساد العاجزة عن توفير سكن للمحتاجين، أو فرص عمل للشباب، أو تثبيت ضمان شيخوخة المتقاعدين وكبار السن.. إنها لمفارقة أن يذهلك الإعلام يومياً بمغامرات أثرياء الحروب وتجار الدم والصفقات والممنوعات وصور قصورهم وطائراتهم الخاصة ويخوتهم وإبحاراتهم في عالم خيالي برفقة الخدم والحشم وجيوش المثقفين والمستشارين في كافة المجالات لتسويق فسقهم وعهرهم وأضاليلهم.

وبينما يرتاد الأثرياء أفخر المطاعم والفنادق المخصصة لهم حصريًا، ويقيمون سهرات ألف ليلة وليلة، يكون هناك ملايين العائلات الفقيرة جائعة أو تقنن في طعامها لتغذية أطفالها، فيما تضطر أغلبية العمال لزيادة ساعات عملهم الطويلة  غير الإنسانية (هذا إذا توفرت لهم فرص العمل) لتلبية احتياجاتهم الأساسية فقط.

مرحبًا بكم، في عالم طغمة المال. عالم الفساد والكساد والبطالة وخفض الأجور والتشرد والفقر والهجرة..

أهلاً بكم، في عالم المضاربات والاتجار بالبشر والأوطان الخالية من السكينة والفرح والعلاقات الاجتماعية الإنسانية.

في السابق، كان الرأسماليون ينتجون الأشياء، أما اليوم فإنهم  يكسبون المال دون عناء الإنتاج عبر المضاربات وتأمين الخدمات المصرفية والعقارية والمالية، وما شابه ذلك. يشترون ويبيعون العملات أو السندات أو البشر.. أسواق شركاتهم مفتوحة على ربح المليارات، لا يخسرون بسبب "المعاملات" وليس "الإنتاج". هذا هو شغلهم. لا يهمهم ما هي الأشياء التي يشترونها أو يبيعونها، سواء أكانت سموم قاتلة، أو مواد فاسدة، أو غير صحية..هم مستعدون لبيع - الحي والميت- إذا كان ذلك سيحقق لهم الربح. كلهم متشابهون، الفارق بينهم، أن لديهم شعارات وأساليب سياسية أو تجارية مختلفة لكسب المال.

يُقال: "فرصتك أمامك، إعمل لتصبح غنيًا أنت أيضًا". قد، أو ربما، يتمكن عدد قليل من الناس تجاوز صفوف طبقته الاجتماعية بعيدًا عن الفقر. لكن، وبالنظر إلى الطريقة التي تعمل بها الرأسمالية، فإنه يمكن للعمال أن يشتغلوا بكل الجد الذي في مقدورهم لكنهم سيظلون دائما عمالاً. العمل الشاق لن يحسن وضعهم، بل فقط سيجعل أرباب العمل أكثر ثراء.

اليوم، تتناقص باستمرار حصة الدخل الوطني المخصصة للإنتاج وخدمات العمال والمواطنين في حين ترتفع بسرعة قياسية الحصة المخصصة إلى رأس المال.

قد يقال الكثير الكثير حول الفوارق والخدمات والقوانين وانحيازها.. الخ. لكن ماركس كان واضحًا وصريحًا حين أشار أن قوانين النظام الرأسمالي تعمل على أساس خلق فوضى السوق وعبرها. هذه القوانين موضوعة لتعمل من وراء ظهر المجتمع. حيث يفكر كل واحد لنفسه، لكن لا أحد يفكر للجميع. يعني أن هذه الأزمة وما سبقها وما سيليها متأصلة في النظام الرأسمالي.

والتناقض الرئيسي، هو أن الطبقة العاملة لا تستطيع شراء كل الثروة التي تنتجها. وفائض الإنتاج هو مفتاح الأزمة- المشكلة في النظام الرأسمالي. قد تتمكن الرأسمالية أحيانًا من التغلب على هذه المشكلة مؤقتًا وبشكل متقطع وعشوائي من خلال الاستثمار، لكن هذا الحل بدوره وصل الآن إلى حدوده. فالمزيد من القدرة الإنتاجية يعني المزيد من السلع المنتجة لسوق تتقلص وتنكمش.وما الأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية المستمرة منذ عام 2008 لغاية اليوم إلا نتاج أزمة النظام الرأسمالي.

يطرح الاقتصاديون  فكرة رفع الإنتاج، ما يعني، تحقيق إنتاج أكبر بعدد أقل من تشغيل العمال. بطبيعة الحال هذه الفكرة مربحة جداً لأرباب العمل. عدد أقل من العمال ينتجون كمية أكبر من السلع، لكن من الذي سيشتري هذه السلع عندما يصير العمال عاطلين عن العمل؟

 الرد على هكذا أطروحات اقتصادوية تكون بمواجهة أسباب الأزمة، ومسببها، والعودة إلى منهج "ماركس" حول الاقتصاد والتخطيط الاقتصادي، أي استثمار الموارد البشرية والمادية في خدمة المجتمع البشري كله، وليس في خدمة قلة رأسمالية، لا تشبع ولا تقنع ولا تسمع ولا تقشع.. وتدمر كل ما يحرك من بشر وشجر وهواء وحجر في عالمها المتوحش.