Menu
حضارة

أوكسجين؛ اللاجئ يسكن العالم ويختنق

تغريد عبد العال

أوكسجين؛ اللاجئ يسكن العالم ويختنق

يبحث مروان عبد العال عن أرض أخرى خرافية ليبني عليها قصصًا واقعية، فيجد جنة الحياة، مأوى لفاقدي الأوراق الثبوتية وكبار السن، ويستخدمه كرمز للمخيم، وللاجئ الذي أصبح في الرواية لاجئًا عالميًا اختنق بسبب انخفاض الأوكسجين في جنة الحياة، وبدأ يبحث عن سر وجوده منفيًا بعيدًا عن مكانه حتى عرف السر، وهو وجود الاوكسجين تحت تلة نابليون في عكا.

كان المخيم وما زال أيقونة سرية في روايات عبد العال، وحكاية اللاجئ والمنفي والمغترب هي كلمة السر في كل أعماله، لكن في روايته الأخيرة أوكسجين، نجد أن هناك أزمة عالمية؛ فموضوع اللاجئ لا ينحصر في حكاية عن المخيم أو من المخيم، بل أصبح ذلك اللاجئ موجودًا في مكان آخر في تونس، ويتشارك مع لاجئين آخرين من العالم الحكاية ذاتها، إنها شتات مستمر ومتشعب تتوالد حكاياه من شجون شخصياته وبحثها المستمر عن مكانها الحقيقي.

يظهر المكان الأصلي أو الوطن و كأنه الحل السري لأزمة الاختناق، ففي نهاية الرواية يظهر الحل لعقدة الاغتراب ونقص الأوكسجين الذي هو كناية عن نقص الحرية والطمأنينة في هذا العالم. وهنا أزمة الانتماء إلى المكان، إنها أزمة أن تكون في مكان مؤقت، أينما كان هذا المكان، في تونس أو في مكان آخر وأن تحمل قصصًا عن مكان آخر، نلاحظ دائمًا أن هذه الأزمة تُحل بالعودة إلى الأصل (الوطن).

 في الرواية، معالجة لمشكلة جماعية، وكأن قصص الشخصيات التي تتجمع هي حكاية كل اللاجئين، المصير الجماعي المختنق، يقابله حل جماعي، العودة إلى الجذور. على عكس رواية سابقة لمروان عبد العال هي ايفان الفلسطيني، حيث نرى أسئلة الهوية الشخصية من خلال تطرق الكاتب لانقسام شخصية اللاجئ ايفان إلى عرب وايفان، وما يرافق ذلك من أزمات نفسية واجتماعية، ففي ايفان الفلسطيني يترك مروان عبد العال النهاية مفتوحة للتأويل، ويجعلنا نحلل التفاصيل ونفكر ماذا سيحدث لايفان الذي تحول إلى رقم، لكن في أوكسجين، يبحث الكاتب عن نهاية محتمة، عن حل آخر لأزمة الهوية، حيث مساءلة الماضي دائمًا والذهاب إلى تاريخ الآباء والأجداد ونبشه تمامًا كما هي عملية البحث عن الأوكسجين المتدفق تحت تلة نابليون، فكل شخصية تبحث داخلها عن ما تفقده من أمان وتفتش في ذاكرتها عن حكايا تسعفها كي تستمر في حالة اختناقها الحالي في جنة الحياة.

أثناء قراءتنا للرواية، لا نستطيع إلا أن نتذكر عوالم روايات أغوتا كريستوف، التي تبحث رواياتها عن أزمة الهوية والمنفى الذي يُحدث عطبًا ما في داخل النفس ويصبح من الصعب مداواته إلا بالسرد. الحرب هي الجو العام الذي تعيش فيه شخصيات الرواية، بل إننا نكاد نلمس ذلك التمزق الداخلي الذي تؤول إليه مصائر الفرد في ظل الغربة الإنسانية، إذن، ربما تندرج روايات مروان في صنف أدب الحرب، وهو صنف واسع لروايات مهمة على المستوى العربي والعالمي.

يقول مروان عبد العال في الرواية؛ يسأل أحدهم: لماذا تجتمع هيئة الأمم؟ يجيب آخر: لتبحث عن حطام فراشة. تمامًا مثل هذا القول، يوحي الكاتب أن الأزمة العالمية التي تحاصر اللاجئين هي أزمة أممية، تلك التي تفتش عن شيئ جميل مقتول ولا يهمها العالم حقًا، ولكنه في المقابل يجعل الشخصيات تحلل بذاتها وتبحث عن شكل الخروج من المأزق. فالسجن الحقيقي في هذا العالم هو هذا العالم نفسه الذي لا يتوقف عن عزل اللاجئ وتعذيبه وخنقه.

يستخدم الكاتب لغة سلسة سهلة، تبتعد عن الغموض أو البلاغة، تمزج بين الواقعية السحرية وبين أسلوب الرواية الحديثة، حيث يترك لشخصياته حرية السرد المنساب، فتظهر الشخصيات الواحدة تلو الأخرى، الانكشاري والمهدي وأيار وغيرهم، في أسلوب يجعل حكاياتهم تتداخل وقصصهم الشخصية تجتمع في مكان واحد يجعلهم جماعة واحدة تتكلم بلغة الفرد المتمزق الحالم بالأمان والحب والسلام في وطن لا يحاصره الاختناق.