Menu
حضارة

قرار وزير العمل اللبناني: فواتير الصفقة بالمفرق

نضال عبد العال

خاص بوابة الهدف

منذ أنْ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن مشروعه لإنهاء الصراع العربي الصهيوني، والمُسمى صفقة القرن، تتلاحق الأحداث بسرعة، متنقلة من عنوان إلى آخر ومن موقع لآخر، حيث بدأ الهجوم السياسي الأمريكي الصهيوني من القدس ، بإعلان الاعتراف بها عاصمة موحدة وأبدية للكيان. وقبل أن تنتهي الصدمة، كانت الإدارة الأمريكية تتحضر للإجهاز على قضية اللاجئين، التي تُعدُّ جوهر القضية الفلسطينية، حيث بدأت بقرارات ضد وكالة غوث اللاجئين "الأونروا" بوقف المساهمة الأمريكية في تمويلها، والضغط على المساهمين الآخرين وبوقف تمويلهم أيضًا، (وكانت سويسرا قد قررت مؤخرًا وقف مساهمتها في تمويل الأونروا بدعوى الفساد)، ثم تلا ذلك الاعتراف بضم الجولان، والتحضير لضم أجزاء واسعة من الضفة.

تتلخص الصفقة الأمريكية في ثلاثة عناوين رئيسية: تشريع الوجود الصهيوني أينما وُجد على الأراضي الفلسطينية والعربية، وإنهاء قضية اللاجئين، والدفع بقطار التطبيع حتّى نهايته.

يسعى المحور الأمريكي بكل تفرعاته، إخفاء الترابط في الآليات التنفيذية لصفقتهم، ويعتمدون في تنفيذ مخططهم على هجمات تشن من مواقع مختلفة، ومن أطراف وقُوى مختلفة، وبذرائع وأسباب خاصة بكل عنوان.

تسمح هذه الإدارة للمخطط/الصفقة، التعامل بالمفرق مع التفاصيل، فبإمكان أي طرف أنْ يعلن رفضه الصفقة في ذات الوقت يكون أداة تسهل تنفيذ أحد أجزائها. والكوميديا السوداء نشهدها اليوم، حين نسمع مَنْ يعلن رفضه الاعتراف بضم القدس أو الجولان، عوضًا عن رفض الصفقة برمتها متبجحًا بمقولة "نقبل بما يقبله الفلسطينيون"، يُشارك بفعالية في ورشة البحرين الاقتصادية!، وقد وصل بنا الأمر إلى اعتبار أنْ لا غنى عنه في توحيد البيت الداخلي الفلسطيني في مواجهة صفقة القرن.

هي ذات المعادلة، حين يعلن لبنان بقده وقديده، رفضه صفقة القرن، ورفض المشاركة في ورشة البحرين، وهو موقف بدا عابرًا للطوائف والمذاهب، وفي ذات الوقت، وبحجة تنفيذ القانون، وتنظيم العمالة الأجنبية، يعود الفلسطيني في لبنان سبعين عامًا إلى الوراء - السنوات الأولى للنكبة- ليقف أمام سؤال المصير، إلى أين؟ كيف هو السبيل لحفظ الكرامة، الكرامة ببعديها، الوطني؛ أي: التمسك بالهوية الوطنية الفلسطينية، واستمرار النضال لتجسيدها في العودة والتحرير، والكرامة ببعدها الإنساني، حق العيش والتمتع بحق العمل والتملك والتنقل، وغيرها من الحقوق.

لقد صار واضحًا أنَّ رفض بعض الأطراف لصفقة القرن هو فقط لأسباب تفصيلية وليس مبدئية؛ أي أنَّ رفضه لا ينطلق من دافع حفظ حقوق الشعب الفلسطيني، وبالتالي؛ اعتبار أنَّ هذا الهدف يكثف مصالح الجميع، ويدفع المخاطر عن الجميع. للأسف إنَّ أسبابَ رفض البعض، مرتبطةٌ بتداعيات هذه الصفقة على شأنهم الداخلي، لذلك؛ لا يعني رفضهم للصفقة عدم تعاملهم معها، وأكثر من ذلك، إذ يعد هذا البعض، أنَّ التعامل معها ضرورة لتجنب تداعياتها السلبية فيما يخصهم منها. وينطبق هذا القول على كلٍ من مصر والأردن ولبنان، (والمصيبة الأكبر أنَّ السلطة الفلسطينية أحد هؤلاء، وهذا له بحث آخر).

لقد كان لقرار وزير العمل اللبناني، كميل أبو سليمان، تداعيات كبيرة في السياسة وعلى الأرض، حيث لاقى إجماعًا فلسطينيًا فصائليًا على الرفض، وتفاعلًا شعبيًا لبنانيًا وفلسطينيًا. فالقرار لجهة صاحبه ومرجعيته السياسية، وتوقيته، في دائرة الشبهة، والأهم أنَّه جاء متناغمًا مع السياق العام للمخططات التي تستهدف القضية الفلسطينية، التي تتعرض لأخطر هجوم للقضاء عليها، هنا تصبح الدواعي القانونية مجرد أسباب مفتعلة، يتكئ عليها لتنفيذ مآرب أخرى.

تتعامل القوى اللبنانية الرئيسية في الوسط المسيحي خصوصًا، مع مسألة رفض صفقة القرن بشكل واقعي، وحصرًا فيما يعنيهم منه، ويترجمون هذا الرفض، بالعمل على تجنب وقوع التوطين كخطر محدق.

ترى هذه القوى أنَّ هذه الصفقة تسير بخطىً حثيثة في عناوين عدة، وأنَّ قوى الدفع قوية، وخصوصًا على المستوى العربي، من الخليج إلى مصر والأردن، مع عدم لمس جدية الطرف الفلسطيني الرسمي في مواجهتها؛ بسبب عدم معالجته لعوامل الضعف والتفكك في البيت الفلسطيني الداخلي؛ ما يوجب عليهم توجيه ضربات استباقية، للتخلص من أعداد اللاجئين الفلسطينيين؛ من خلال التضييق عليهم، ودفعهم للبحث عن فرص حياة كريمة في أمكنة أخرى.

ترفض هذه القوى التوطين؛ لأنَّه خطرٌ على لبنان فقط، وليس كونه خطرًا على حقوق الفلسطينيين التاريخية،  لذلك؛ هُم على أتم الاستعداد لاتخاذ أي إجراءات تسهل عملية التهجير، غير مبالين لخطورته على قضية الفلسطينيين.

دخل لبنان في أزمة سياسية قديمة جديدة، ودخلت حكومة "هيا للعمل" نفق التعطيل، وليس واضحًا متى يخرج منها، وخصوصًا أنَّه قد أعلن عن فشل مساعي لَم شمل الفرقاء، وانعقاد مجلس الوزراء، ما يعنينا هو أنْ لا تتشابك قضية إلغاء إجازة عمل الفلسطينيين مع القضايا اللبنانية الداخلية الأخرى، وتبرز هنا أهمية عدم الدخول في التجاذبات اللبنانية، فالاحتضان اللبناني الشعبي والحزبي لِحَق الفلسطيني في الكرامة، مهمٌ وأساسي في ترجمة التضامن إلى قوانين ومراسيم وقرارات تنفيذية، فمهما علا الصوت الفلسطيني، فإنَّ رجع الصدى في الوسط اللبناني أكثر تأثيرًا في صنّاع القرار.

وعليه؛ فإنَّ قوة الخطاب السياسي والإعلامي الفلسطيني وأثره في الوسط اللبناني، يأتي أولًا؛ من عدم الدخول في السِّجال اللبناني الداخلي، ثانيًا؛ للوعي الفلسطيني الشعبي قبل الرسمي أنَّ المسألة ليست تقنية قانونية تتعلق بتنظيم العمالة الأجنبية، ثالثًا والأهم؛ أنْ يستمر في تركيزه على خطورة أنْ يكون لبنان أحد ساحات ترجمة صفقة القرن، وضرب قضية اللاجئين، التي تشكل هدفًا رئيسيًا للإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني.