Menu
حضارة

فلسطينيو لبنان؛ أدوار متشظية في صراع الطوائف اللبنانية

موسى جرادات

عمدت السلطات اللبنانية منذ نهاية الحرب الأهلية، إلى ترتيب العلاقات مع اللاجئين الفلسطينيين، انطلاقًا من اللعب على وتر حالة التشرذم العامة في الوسط الفلسطيني، والتي ازدادت حدةً بعد توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير ودولة الاحتلال.

وعلى الرغم من إنشاء لجنة لبنانية فلسطينية مشتركة تهدف إلى توصيف وتنظيم العلاقة الشائكة بين الطرفين، إلّا أنَّ هذه اللجنة سرعان ما غابت عن الحضور، بفعل التناقضات الداخلية اللبنانية، والتي ترفض حتّى هذه اللحظة العمل على رسم سياسات عامة اتجاه اللاجئين الفلسطينيين، فالقانون اللبناني لا يلحظ خصوصية الحالة الفلسطينية، والذي بقي محل جدل وتأويل بفعل حالة الضعف السياسي الذي تمر به القضية الفلسطينية.

لهذا؛ نلحظ خطابات سياسية لبنانية متضاربة ومتناقضة إلى حد العبث في وصف الحالة الفلسطينية في لبنان، وهذه الوضعية منسجمة إلى حد بعيد في المضمر السياسي للقوى الطائفية في لبنان، القائم على توظيف هذا الملف.

فالملف الفلسطيني سرعان ما ينفصل عن مؤسسات الدولة اللبنانية بجميع تشكيلاتها السياسية والاقتصادية والثقافية، ليعاود الاتصال بالمخيال الطائفي، الذي يريد توظيف العامل الفلسطيني في لبنان؛ لخدمة أجندات طائفية متصلة إلى حد بعيد مع الخارج الإقليمي والدولي.

وأمام هذا المشهد المركب والمعقد، والذي يصل حد الاستعصاء على الفهم، يبرز الواقع الفلسطيني في لبنان، والذي يندرج في خانة المأساة التي لا تنتهي.

والذي يمكن وضع معالمه الأساسية ضمن السياق العام للقضية الفلسطينية، حيث ارتبط نضال اللاجئين الفلسطينيين ضمن السياق العام للنضال الفلسطيني، والذي وصل في مراحل تاريخية حد التماهي مع القضية، دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الحالة الفلسطينية في لبنان؛ الأمر الذي أوصل تلك الحالة إلى وضعية الاستنزاف، وعلى كل الصعد، بحيث أضحّت تلك الشريحة في مواجهة حالة التغول من قبل الدولة اللبنانية وأجهزتها المختلفة، عبر ممارسة عملية وممنهجة، هدفها التخلص من لحظة اللجوء الفلسطيني في لبنان، ولكن في سياق الكسب غير المشروع؛ وذلك على حساب اللاجئين الفلسطينيين.

فانبرت الدولة اللبنانية لصناعة خطاب سياسي إشكالي، قائم على التخويف من فزّاعة التوطين، بحيث بررت كل إجراءاتها اتجاه اللاجئين الفلسطينيين واتجاه المخيمات الفلسطينية، وهذا يفسر إلى حد بعيد القوانين أو التعليمات الإدارية، التي تمنع حق العمل والتملك والبناء حتّى داخل المخيمات، وهذه السياسات العملية تعني بالضرورة إرسال رسالة واضحة لكل لاجئ فلسطيني في لبنان مفادها؛ عليكَ التفتيش عن حلول فردية لهذا المأزق الذي أنتجناه، والذي تمَّ التعبير عنه بهجرة الكفاءات الفلسطينية خارج لبنان، بوتيرة متصاعدة وصادمة أحيانًا، فآخر الإحصاءات لأعداد اللاجئين تشير إلى أنَّ أعدادهم انخفضت ووصلت إلى حدود 172 ألفَ فلسطيني مقيم على الأراضي اللبنانية، في حين تجاوزت أعدادهم في سجلات الأنروا حدود 460 ألفًا، والفارق بين الرقمين يفسر أيضًا إلى حد بعيد المذبحة المستمرة بحق اللاجئين الفلسطينين بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وإنْ كانت بوسائل مختلفة.

ومع هذا، فإنَّ؛ المسرح العبثي والمضلل تستمر فصوله الهزلية، بحيث يجد الفلسطيني اللاجئ في لبنان نفسه مطالبًا بلعب أدوار متشظية لصالح طوائف لبنانية، تجد فيه مادةً خام في صراعها الداخلي، وكذلك في علاقاتها مع الخارج.

فهو مطالب على الدوام بإثبات انصياعه الكامل للمضمر في الخطاب السياسي اللبناني، الذي يرى فيه حلًا لمشكلته الاقتصادية المتراكمة بمقايضة عملية، عبر الموافقة على توطين الفلسطينيين، مقابل شطب جزء كبير من ديون الدولة اللبنانية.

وهنا مربط الفرس، لكن الإجراءات تلك تقتضي بناء إخراج متماسك لهذا المضمر، دون أنْ تشكل هذه الموافقة المبدئية على التوطين حالة إشكالية لدى الطوائف الكبرى في لبنان.

فقرارت وزير العمل اللبناني الأخيرة، والتي جاءت ضمن سياق تنظيم العمالة الأجنبية في لبنان، لم تكن سوى إحدى الحلقات الرئيسية في حلقات العمل الجاد على تفعيل الملف الفلسطيني وإنضاجه؛ لكي يكون مادة دسمة لصانع القرار اللبناني أمام المفاوض الغربي مستقبلًا، وهذا الإجراء جاء ليمس بآخر الخيوط الأخوية المتبقية بين الشعبين اللبناني والفلسطيني، ويُحَوِّل تلك العلاقة من علاقة إشكالية تفتش عن حلول مُرْضية للطرفين إلى مرتبة الانفصال الكلي.

وليس غريبًا أنْ تأتي إجراءات الوزير القواتي منسجمة مع مقررات ورشة العمل التي جرت في المنامة، والتي رأت أنَّ حلَ القضية الفلسطينية ممكنٌ عبر ضخ الأموال على الدول المستضيفة، بُغية توطين اللاجئين الفلسطينيين لديها.

لكن يجب الإشارة إلى أنَّ قرارات الوزير لم تتخذ بشكل فردي أو حزبي، بل هي أكبر من ذلك بكثير، فهذا الوزير، وبموجب آليات الحكم في لبنان، والذي يترجم ضمن طاولة مجلس الوزراء، والذي لا يستطيع اتخاذ أي قرار إلا ضمن آلية موافقة ثلثي الوزراء، وهذا يعني بالضرورة موافقة ضمنية لمعظم القوى الطائفية الفاعلة في الدولة اللبنانية.

وأمام هذا المشهد، انبثقت ردة الفعل الفلسطينية داخل المخيمات، وتموضعت ضمن سياق الحراك المدني الفلسطيني، الرافض ليس فقط لقرارات الوزير، بل المنتفض على ثلاثة عقود من التهميش الفعلي لهم من قبل الدولة اللبنانية من جهة، ومن قبل المرجعيات الفلسطينية المتمثلة اليوم بمنظمة التحرير، و حركة حماس من جهة أخرى.

حالة الحراك تلك، والتي اتّخذتْ أشكالًا وأطوارًا مختلفة هدفها الأساسي والمركزي إبراز الصورة الحقيقية للنضال الفلسطيني المشروع، سواءً ضد المحتل أو النضال المطلبي ذا الطابع الإنساني، والتأكيد أنَّ النضال الفلسطيني هو حالة واحدة وموحدة، وأنَّ مصير اللجوء الفلسطيني مرتبطٌ إلى حد بعيد بإرادة الفلسطينيين أنفسهم، بحيث لا تستطيع أي قوة مهما علا شأنها أنْ تفرض على الفلسطينيين أي قرار لا يستجيب لتطلعاتهم بالعودة والحرية، وإقامة الدولة المستقلة.

وهذا ما ترجمته حالة التضامن الواسع في أوساط الفلسطينيين، سواءً في غزة أو الضفة، وصولًا إلى عواصم الدول الأوروبية، والتي أقامت وقفات إسناد لهذا الحراك.

أما بعض مسلكيات الحراك وأنشطته؛ فهي ليست بالضرورة تعبير عن قناعات فلسطينية، وخاصة التظاهرة التي توجّهت نحو السفارة الكندية، والتي طالبت بفتح باب الهجرة لهم، بل هي تعبير عن رفض لكل السلوك الممنهج من قبل الدولة اللبنانية الذي يستهدفهم بأبسط مقومات وجودهم.

وفي الوقت نفسه، يمكن أنْ يفسر بدخول قُوى تريد لهذا الحراك أنْ يدخل نفس البازار الذي صنعته الدولة اللبنانية بأيديها.

لكن ما يمكن تأكيده هو أنَّ الفلسطينيين في لبنان، وعلى الرغم من وجود كل تلك الإخفاقات التي عاشوها طوال سنوات لجوئهم؛ ما زالوا قادرين على الابتكار والإبداع، والخروج من تحت الرماد، عبر الاستناد إلى الذاكرة الجمعية لهم ولهويتهم الوطنية الفلسطينية المكتملة، والمنسجمة مع ذواتهم الفردية، لذا؛ فإنَّ مشاريع التوطين غير قادرة على احتوائهم وتذويبهم ضمن هويات أخرى لا تمس كينونتهم.