Menu
حضارة

البناء الأيديولوجي.. أبو علي مصطفى

د. سامي محمد الأخرس

لقد تعيّن على مَنْ حملوا حِراب الإنسانية خوض معركتهم الرئيسية مع سيادة الطغيانية وسيطرتها على الوعي البشري، وعلى السلطة السياسية دون التصادم الدامي، متسلحين بالنقد التصادمي في معركة التشارك الرئيسي، والتفارق الثانوي، والعزل بين الانفصال التام أو الانفصال الجزئي مع تناقضات الأيديولوجيا والسياسة.

ففي حركة التاريخ الوطني الفلسطيني الحديث؛ كانت هناك العديد من الجبهات الحيّة والحيويّة، والنزالات المعقدة والشرسة؛ من أجل تحرير الإنسان أولًا من الفكرة المقتبسة العدائية، ومن أجل فك الهيمنة الغوغائية عن معتقدات الإخضاع. وفي هذا الإطار العام؛ تكاملت المساهمات التي تنطوي عليها الإرادات المتجمعة في كينونة المعركة والتحدي، وهو ما يدفعنا لتناول هذه القاعدة التي تنطوي عليها الإرادة، التي لا نلتمس بها أيّ تأويل في تصفيف مراحل الهجرة نحو ضروريات النمو المتناقض بين معركة الذات الجمعية الوطنية، ومعركة الأيديولوجيا في مسيرتها نحو العثور على الحقيقة.

ففي مفارز ضياع معالم الطريق التي يحاول البعض طمسها، أو القفز عن جذريتها، وضياع مكونها الإنساني ضياعًا طارئًا، كان آب "أغسطس"2001 يُسطر فصلًا حداثيًا من فصل استكمال حلقات الضياع الفلسفي والأيديولوجي وفق عوامل وفروض آليات التغيير والتبديل القسرية، دون القدرة على التغلغل فيها، أو التحول الواقعي إلى حقيقة فاعلة وفق مراحل واقعية.

أغارت دولة الكيان الصهيوني في السابع والعشرين من آب "أغسطس" 2001 على المكتب الذي كان يرسم فيه الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أبو علي مصطفى خطوطَ ومسيرة مرحلة التثوير التي يخوضها  الشعب الفلسطيني، لتدكّ جسد الأمين العام بصاروخ صهيوني؛ لتسجل دولة الكيان انتصارًا مفصليًا في معركة "تصفية الحسابات"، إلَّا أنَّ هذه المعركة لم تنتصر بها دولة الكيان عسكريًا وأمنيًا فحسب، بل خسرت بها معركة الأيديولوجيا مُنَظِّرًا ورَائدًا من روادها، ومن رواد الفكر الإنساني، فكانت نقطة فارقة في مصير هذه المعركة التي كانت تخوض حربًا طاحنة، ومستعرة بين الصمود والثبات في ميادين الوعي الإنساني، أو الاستسلام والخضوع لمعسكر الديماغوجيا الإنسانية، وتضليل الوعي، وغسل الأدمغة البشرية الذي يقوده معسكر الأعداء.

أبو علي مصطفى:

القراءة السريعة لمسيرة الأمين العام الثّاني الذي خلف المؤسس جورج حبش ، يمكن الاستنارة لملامح هذه المسيرة لقائد مزج بين الوعيين؛ الوعي السياسي الذي كان مقدمة طليعية لوجه النضال الفلسطيني، وأحقيته التاريخية في تحرير أرضه ووطنه من الرواية الصهيونية أولًا، ومن الوجه الاستعماري الإجلائي ثانيًا، والوعي العسكري الذي أسّس العملية البنيوية للعمل المسلح كوسيلةٍ فريدة في تحرير "الأرض والإنسان"، لذلك؛ كان الشهيدُ أبو علي مصطفى متصلبًا في صياغة ملامحه السياسية والعسكرية، وجامعًا أيديولوجيًا للوعي، والفهم الشمولي للمقاومة، وأشكال المقاومة، وصلبها وجوهرها العمل المسلح، حيث شُكّلت شخصيته العسكرية في قواعد عسكرية نظامية، أرسى قواعدها العملية في قواعد الثورة المتقدمة؛ مُؤَسَّسة على الفهم الأيديولوجي لطبيعة المعركة، وطبيعة المقاوم الثوري، وكيفية الصراع، وتركيبة العدو، من خلال حركة القوميِّين العرب التي انتمى إليها عام 1955، ومن خلال ملاحقته واعتقاله في سجون الرجعية العربية مرات عدة؛ بسبب أنشطته السياسية، واعتباره قاعدة سياسية ثورية فكرية متحركة بين جموع المضطهدين، ومن ثم من خلال مشاركته جورج حبش في تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967، وخوضه مع رفيق دربه معارك مفصلية ومصيرية على جميع الصعد، من أهمها:

أولًا: المعركة التنظيمية: أيَّ بناء وتأسيس أُطر ومفاصل وتشكيلات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفرضها في بيئة منكسرة مهزومة فلسطينيًا وعربيًا، بما أنَّها جاءت كردة فعل على هزيمة 1967، ممّا تطلب نضالًا عنيفًا في واقع مأزوم متخلف، وكيفية بناء أُطر وقواعد حزبية تقاوم عدوًا ظاهرًا وعدوًا متربصًا بها داخليًا ممثلًا بالرجعية العربية، وكذلك وجود قوى فلسطينية تمتلك قواعد وإمكانات ودعم من قوى النفط العربي وبعض الأنظمة العربية.

ثانيًا: المعركة الأيديولوجية: ما أنْ تمَّ الإعلان عن تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كمشروع ثوري تقدمي يؤمن بالعنف الثوري للتحرير، مرتكزًا على الاشتراكية العلمية، حتّى بدأت الاهتزازات العنيفة تضرب وتعصف بهذا الكيان من انشقاقات، حيث انشقَّ أحمد جبريل بعد عام من التأسيس ليشكل الجبهة الشعبية- القيادة العامة، ثم تبعه نايف حواتمة عام 1969 بالانشقاق، وتشكيل الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، على خلفية الإدعاء بأنَّ تبني الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين للنهج اليساري والاشتراكية العلمية في عام 1968 كإطار نظري أيديولوجي غيرَ مكتمل، حيث لا زالت في بنيتها قومية يمينية.

ثالثًا: المعركة السياسية: منذ تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي تخوض معركة طويلة وشرسة سياسيًا مع قوى اليمين الفلسطيني من جهة، وقوى الرجعية العربية من جهة أخرى، حيث حاولت أنْ تضرب المسار السياسي الثابت للنهج الفلسطيني التحرري، ومسار م. ت .ف السياسي المعلن عنه بالميثاق الوطني، وعلى وجه التحديد منذ أنْ تمَّ الإعلان عن البرنامج المرحلي الفلسطيني عام 1974، وهذا الانحراف في المسار السياسي الفلسطيني، ومنْ ثمّ بدء طرح مشاريع التسوية العربية- الإسرائيلية، وخاصةً مع جمهورية مصر العربية في أعقاب حرب أكتوبر عام 1973، وما تلاها من نهج الرئيس المصري أنور السادات، وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، ومن ثم اتفاقية السّلام المصرية – الإسرائيلية عام 1979، لذلك؛ شَكَّلت الجبهةُ الشعبة وقيادتها حائطَ الصدِّ الأول في وجه هذه المشاريع، وحاولت أنْ تشكل تحالفات عربية وفلسطينية في مواجهة هذا الانزلاق، كان أهمها؛ تحالف جبهة القُوى الرافضة للحلول السلمية (جبهة الرفض)، وتحالف القُوى العشر الرافض لمؤتمر مدريد-أوسلو...إلخ من التحالفات السياسية؛ للوقوف في وجه المشاريع السلمية التي كانت تنظر إليها كمشاريع تصفوية للقضية الفلسطينية.

في ظلِّ هذا الصّراع المتقد والمستعر منذ نشأة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كان الشهيدُ أبو علي مصطفى أحدَ القواعد الحيّة الصلبة، وأحدَ مقومات "الأيديولوجيا المهاجرة" التي تُشكل حائطًا وسدًا منيعًا ضد أيّ محاولات اختراق أو تسلل لساحات الفعل الحزبي أولًا، والوطني ثانيًا، مواصلًا معركته ببصيرة القائد، وفطنة المُنَظِّر؛ ليتخذ قراره التاريخي في ظلِّ معركة الإقصاء للقضية الوطنية بالعودة إلى الوطن بعد هجرة استمرت 32 عامًا، حيث كان قرار العودة إلى أرض المعركة هو قرار لنقل المعركة إلى الداخل الفلسطيني، ونقل قواعد وثقل العمل المقاوم إلى الميدان الحقيقي، وأرض المعركة الحقيقية، معلنًا عن برنامجه الأساسي والجوهري "عُدنا لنقاوم لا لنساوم" انطلاقًا من فهمه وَقِرَاءَتِهِ لاستراتيجيات المرحلة، وتكتيكها، وأنَّ العودةَ للأرض هي عودة مقاومة وليست مساومة؛ ليساهم في إعادة بناء الوعي الثوري للشعب الفلسطيني، من خلال عملية تثويرية شمولية للكل الفلسطيني، ولمكونات الوعي التي بدأت تتشكل وفق منظومة الواقع، والتعامل مع الوقائع الهادفة إلى ترويض هذا الوعي واستلابه من ثوريته، فكانت النتائج التي أكدَّ عليها الشهيد القائد أبو علي مصطفى، والانفجار الشعبي ضد كُلِّ عمليات الترويض من خلال الانتفاضة الفلسطينية "انتفاضة الأقصى" عام 2000، ليقود ملحمة من ملاحم النضال الفلسطيني، وكان للشهيد أبو علي مصطفى دوره المؤثر والناجز في حشد الوعي، وإعادة تشكيله من خلال عملية التثوير التي خاضها بعد عودته بين صفوف الشعب الفلسطيني، ومؤسساته الشعبية، وطلابه الجامعيِّين، ولقاءاته المستمرة بالجماهير، والتأكيد على المنهج الثابت "عُدنا لنقاوم لا لنساوم"، وهو ما أدركته جليًا دولة الكيان الصهيوني، واستدركت خطورة هذه القاعدة الفكرية الثورية الخطيرة فقررت قصفَها، وإخفاءها عن المشهد الثوري الشعبي بعملية اغتيال لأول قائد فلسطيني من الصف الأول في الأرض الفلسطينية.

إذن؛ فالرؤى والنظريات التي صاغها الشهيد أبو علي مصطفى عن طبيعة الصراع، والتفاعل مع واقع التطورات على الأرض، ومع النهج التكتيكي السائد، وفهم الصراع، وفهمه للفعل المقاوم، والفكر الإنساني، ومداخيل تأصيل الوعي المبني على قراءة متقدمة للظروف التي تؤدي للتثوير، من خلال الاستنباط للتصورات الواقعية العلمية؛ شَكَّل فهمًا حيًا، وأنموذجًا لكيفية بناء معالم الوعي للمجتمع، وللعنصر الثوري الفاعل، الذي يمكن من خلاله حشد طاقاته في الحيز المحكم لفهم التاريخ، والبناء عليه في صياغة استراتيجيات التحريض الإيجابي للمعرفة الثورية دون الخطابات الفضفاضة.

فإنْ كانت الثورةُ الفلسطينية قد قدَّمت العديد من النماذج العسكرية، والسياسية، والأدبية؛ فإنَّها قدَّمت أنموذجًا مزج الأيديولوجيا بالمفهوم الأكثر تطورًا للمعرفة الثورية في مقاومة مشروع الهدم للبناء الفكري، والبناء الثوري، باستراتيجيات مؤثرة كقاعدة ثورية متحركة بَنَت تحركاتها بين ومع الجماهير.