Menu
حضارة

عندما تكون «المقامرة» مستحيلة

محمد السعيد إدريس

نقلًا عن الخليج الإماراتية

يبدو أن بنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال «الإسرائيلي»، لم تعد أمامه فرصة لفرض نفسه رئيساً للحكومة الجديدة التي سوف تتشكل عقب الانتخابات العامة والتي ستجرى يوم 17 سبتمبر/‏أيلول المقبل غير «المقامرة» الخطرة، لأنه يرفض بالمطلق أن يكون رهناً للخيارات المحدودة المرفوضة، ومن بينها «خيار الإنقاذ» الذي يستهدف الحيلولة دون أن تنتهى حياة نتنياهو السياسية إما عن طريق أن يذهب إلى بيته مرغماً وينهي حياته السياسية بإرادته، وإما أن يذهب إلى السجن. 
ويتلخص هذا الخيار الذي عرضه آفي شيلون في مقال نشرته صحيفة «هآرتس» بأن يتحالف تكتل «الليكود» بزعامة نتنياهو وتكتل «أبيض- أزرق» بزعامة بيني جانتس، على أساس تداول رئاسة الحكومة بينهما، والتزاماً بشرطين أولهما حصول نتنياهو على عفو عام يمنع سجنه في حال صدور حكم بسجنه من المحكمة العليا في الجرائم المتهم بها، وثانيهما أن يتقاعد نتنياهو سياسياً وبشكل نهائي مع انتهاء ولاية هذه الحكومة.
شخص نتنياهو ضد هذا الخيار المشروط، فهو، وكما يراه البروفيسور شاؤول كيمحي من كلية «تل - حاي»، يعاني وبشدة مرض «جنون العظمة»، إلى درجة تقوده إلى التسلط والهوس والهيمنة، وهذا من شأنه أن يقوده إلى ارتكاب أخطاء فادحة، دفعت المؤرخ البروفيسور أوري بار يوسف، من جامعة حيفا يتندر إلى القول إنه «يصعب التفكير بوجود زعيم آخر في تاريخ «إسرائيل» آمن بأنه، بالكلام الفارغ وبالصور الملونة، يستطيع أن يُبعد عن «إسرائيل»، الأخطار الحقيقية التي تواجهها». 
كما أن نتنياهو المسكون بخطر المحاكمة والسجن، يجعل من الإفلات من هذا المصير أولوية تعلو على كل الأولويات، وهذا يدفعه إلى ارتكاب أخطاء فادحة في الممارسة، فضلاً عن أنه يرفض أي مساومة على مستقبله السياسي وتفوقه المطلق في الانتخابات القادمة كي يفلت من المحاكمة، وأنه سيفعل المستحيل كي يحقق هذا الفوز ويترأس الحكومة، لأنه وقادة الليكود، حريصون على أن يكون أول قانون يصدر من الكنيست (البرلمان) الجديد بعد تشكيله عقب الانتهاء من الانتخابات هو «قانون الحصانة القضائية» الذي يمنح عضو الكنيست، حصانة تلقائية تحول دون محاكمته، وعلى تقييد صلاحيات المحكمة العليا بشأن إلغاء قرارات الكنيست، وهذا التشريع، وكما تراه المعارضة التي ترفضه، يهدف إلى قطع الطريق أمام تقديم لوائح اتهام ضد نتنياهو بقضايا الفساد المزمع تقديمها وفقاً للاستجواب الذي سيعقد في بداية أكتوبر/‏تشرين الأول المقبل، أي بعد أسبوعين تقريباً من إجراء الانتخابات العامة.
وإذا كان هذا التكوين الشخصي وهواجس الخوف من المحاكمة والحرص الشديد على تحقيق «انتصار غير مسبوق» في الانتخابات المقبلة، تدفع نتنياهو إلى رفض «خيار الحل الوسط» أو «خيار الإنقاذ»، فإن المعارضة التي يقودها تيار واسع يمتد من اليسار إلى الوسط، تؤكد أنها ستخوض نضالاً كبيراً ضد سن قانون الحصانة الذي من شأنه أن يحمي نتنياهو من المساءلة القضائية، لذلك لن تقدم له «طوق النجاة» بالتحالف معه تحت أية شروط.
هذا يعنى أن نتنياهو لم يعد أمامه إلا أن يفعل المستحيل، بالمقامرة أو بالمغامرة، وأمله الآن في خيارين الأول هو أن يأتي الإنقاذ من صديقه دونالد ترامب بإصدار قرار يوقعه الرئيس الأمريكي يقضي بالاعتراف الأمريكي بضم مستوطنات المنطقة (ج) من الضفة الغربية إلى السيادة «الإسرائيلية»، تمهيداً لضم باقي أراضي الضفة في مشهد مماثل للمشهد الدرامي، لتوقيع ترامب قرار الاعتراف ب القدس الموحدة عاصمة لكيان الاحتلال ولقرار اعترافه بالسيادة «الإسرائيلية» على مرتفعات الجولان السورية المحتلة.
أما الخيار الثاني فهو التعجيل بشن حرب «ضد الأعداء»، سواء كانوا في غزة أم في لبنان أم في سوريا أم في العراق، وربما التورط في «مواجهة محدودة مع إيران» في الخليج.
نتنياهو بدأ مسلسل اعتداءات محسوبة ضد لبنان ، كما وجه ضربات إلى مواقع أكد أنها إيرانية في سوريا، وقبلها ضرب مخازن أسلحة تابعة ل«الحشد» في العراق، وكلها توشي بأن نتنياهو يريد تسخين الأجواء ويفجر هواجس الأمن والخوف، ويؤكد أنه الأوحد القادر على تحقيق الأمن ل«إسرائيل»، لكن مشكلته أن المعارضة تدرك أن خياره هذا مكشوف، وأنه «الخطر الحقيقي» الذي يتهدد أمن «إسرائيل»، ومن ثم فلم يعد أمامه من خيار إلا أن يطلب الإنقاذ من واشنطن، خصوصاً أن الرئيس ترامب، تفاخر مؤخراً بأنه «ما من رئيس أمريكي آخر ساعد «إسرائيل» بقدر ما فعل هو»، لكن معضلة نتنياهو تكمن في أن ترامب يتخذ قراراته وفق ما يخدم مصلحته الانتخابية الآن، وأنه بعد مؤتمر قمة الدول السبع الأحد الماضي، ومؤتمره الصحفي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاثنين (26/‏8/‏2018) وإشاراته الإيجابية نحو إيران، ربما لا يكون مهيأ للمقامرة هذه المرة مع مغامرات نتنياهو والتورط في حرب أو أية ممارسات تضر بمستقبله الانتخابي، فهو لن يكون مستعداً لخسارة انتخاباته كي يفوز نتنياهو بالانتخابات «الإسرائيلية».