Menu
حضارة

يارون لندن ليس "خيبتنا" الأولى ولا الأخيرة

سليمان أبو إرشيد

يارون لندن ليس أول من "خيب أملنا" من المثقفين الإسرائيليين، فقد سبقه يوسي سريد عندما قال "فتشوا" عني، و أ. ب يهوشوع الذي دعا لضم مناطق "جـ" ومنح سكانها صفة مقيمين على غرار سكان القدس المحتلة، بادعاء موت حل الدولتين، وبيني موريس الذي كان من طلائع المؤرخين الجدد، قبل أن يتحول إلى يميني سافل.

ومن غير المستغرب أن تبدأ هذه "الردة" أولا في السياسة، بانهيار ما كان يعرف بمعسكر السلام العلماني اللبرالي الإسرائيلي تحت ضربات اليمين القومي الديني الصهيوني الذي قادته وما زالت حكومة المستوطنين بقيادة شارون - نتنياهو منذ عقدين من الزمن، قبل أن تنتهي إلى المثقفين الذين كانوا يشكلون ركائز هذا المعسكر.

لقد تهاوت حصون معسكر السلام الإسرائيلي الهشة بثلاث طلقات خرجت من مسدس كاتم للصوت الذي حمله يغئال عمير، ثلاث طلقات قتلت رابين وجعلت خليفته بيرس يجمد اتفاق الخليل ويخلع عباءة السلام ثم يسارع لإعادة تشغيل ماكينة الحرب الإسرائيلية التي صبت حمم نيرانها على رؤوس أطفال قانا في الجنوب اللبناني.

وخلال عقدين من الزمن، جرى دك معاقل معسكر السلام الإسرائيلي ونثرت حجارته بالكامل، واليوم يجري في الانتخابات الراهنة مطاردة فلول حزبي العمل وميرتس، اللذان أنقذا جلدهما بنسج تحالفات يمينية الطابع، ويقفان بالرغم من ذلك عند حدود نسبة الحسم.

من الطبيعي والحال كذلك، أن تسقط رموز هذا المعسكر السياسية والثقافية وتهوي نجومه التي لم تتجاوز عقلية مثقفي مجتمع المستوطنين، القائم على تفوق العرق الأبيض ويرى بالمجتمع الآخر وثقافته ليس فقط دون مستوى الثقافة الغربية الاستعمارية، بل دون مستوى البشر، وهي الثقافة التي يصفها يارون لندن بثقافة القتل ويصف أصحابها بالمتوحشين الذين يطيحون قتلا ليس فقط بالآخرين، بل ببعضهم البعض أيضا.

إنه زمن العري العنصري الإسرائيلي، كما تصفه الكاتبة كيرن هابر، التي تستغرب في مقال نشرته في "هآرتس"، أن يبحث رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة، عن ورقة تين لستر عورته، من خلال اقتراحه المرفوض لدخول في الائتلاف الحكومي برئاسة بيني غانتس، حيث تشير إلى أن هذا ليس هو الوقت المناسب لتكون عربيا في إسرائيل، علما بأنه لم يكن أي وقت آخر مناسبًا في هذا السياق.

الصحافي غدعون ليفي يذكرنا بتهاوي نجم آخر هو محرر ملحق الثقافة والأدب في صحيفة "هآرتس" بيني تسيبر، الذي كتب في صفحته على "فيسبوك"، بعد عودته من عزاء في مستوطنة "عوفرا" قبل أسبوعين، أن "القتل لدى الفلسطينيين هو نوع من الرياضة أو المتعة أو حتى بديلا عن اللذة الجنسية، ومن هذه الناحية لن يكون لنا معهم مقام ثفافي مشترك أبدا"، مضيفا أنه "يجب أن نتمنى لهذا الشعب السيئ وغير المحترم الذي يعيش بيننا، فقط أن تتقيأه هذه الأرض لأنه لا يستحق هذه البلاد المرتوية بالدم اليهودي الذي سفكه".

ولا يستغرب ليفي أن منشور تسيبر لم يثر أي نقاش، كون الأخير استنفد كمية الاهتمام التي يستحقها، بينما نجح يارون لندن بإثارة عاصفة آنية كبيرة، بتصريحات أقل فظاعة، مشيرا إلى أن ما يجمع الاثنين ليس مجرد الخط المستقيم، بل كون تصريحاتهما تعكس المناخ الإسرائيلي السائد.

وللمقارنة، يورد ليفي أن الفلسطينيين "هواة القتل" و"الذين يصلون إلى النشوة عن طرق القتل"، قد قتلوا منذ كانون ثاني 2009 ما يقارب 190 إسرائيليا، بينما قتلت إسرائيل "المحبة للسلام والخير"، "التي لن يكون أبدا مقاما ثقافيا مشتركا بينها وبين العرب" 3500 فلسطينيا، أي أكثر بـ18 ضعفا من الفلسطينيين.

بالمقابل، يقول ليفي، إن "البيض المتنورين" ارتكبوا في القرن الأخير مجازر أكثر من كل "المسلمين المتوحشين"؛ هتلر وستالين لم يكونا مسلمين، كما يقول، ليس هذا فقط، بل إن الولايات المتحدة الأميركية "الحرة" متهمة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بالقتل أكثر من أي دولة أخرى، كما أن غالبية المتهمين بالقتل الجماعي ليسوا مسلمين.