Menu
حضارة

كي لا نيأس؛ لنبني على الانتصارات الصغيرة

مشير الفرا

عند الحديث عن حملة التضامن مع الشعب الفلسطيني بمدينة شيفيلد شمال إنجلترا، يجب ذكر الطبيعة العمالية اليسارية لهذه المدينة، التي ينحدر قسم كبير من سكانها من عمال جاءوا للعمل في صناعة الحديد والصلب، ومناجم الفحم القريبة.

حملة التضامن مع الشعب الفلسطيني بشفيلد هي الأكبر في بريطانيا، وهي جزء من حملة التضامن البريطانية التي تضم ٦٨ فرعًا في كل المناطق البريطانية. النمو التراكمي عبر السنين؛ من مجموعة صغيرة تستطيع عدَّ أعضائها على أصابع اليد إلى المئات من الناشطين؛ له مغزى كبير في بلد كانت مهد ضياع فلسطين، عبر إصدارها وعد بلفور عام ١٩١٧، وتواطئها الفاضح في دعم الميليشيات الصهيونية وصولًا إلى النكبة عام ١٩٤٨، ومغزى آخر هو ضرورة اعتماد سياسة النفس الطويل في صراعنا مع المشروع الصهيوني.

الاعتصامات الدورية التي تنظمها الحملة لتذكير الشارع البريطاني بجرائم الحرب الإسرائيلية؛ أصبحت علامة واضحة في وسط المدينة، لا تمر ذكرى فلسطينية إلا وتحييها الحملة، ولا عدوان إسرائيلي يمر دون التذكير بوحشيته، إضافةً إلى مسرحيات الشارع التي تجسد قتل الأبرياء، ونقاط التفتيش، وتدمير المزارع والممتلكات.

تنظم الحملة أيضًا محاضرات دورية لتثقيف البريطانيين بالخلفية التاريخية للصراع؛ المستعمرات الاستيطانية، سرقة المياه، الاحتلال العسكري، وعنصرية الصهاينة، وجرائم الحرب الإسرائيلية.

تتفرع حملة التضامن بشيفيلد للجان فرعية عدة: لجنة المقاطعة الاقتصادية؛ تنظم نشاطات مستمرة في الشارع بوسط المدينة، خارج المتاجر التي تبيع المنتجات الإسرائيلية؛ بهدف توعية المارة، واعتصامات داخل بعض هذه المتاجر.

لجنة "أوقفوا تسليح إسرائيل" تنشط وبشدة ضد بنك HSBC، الذي يتعاون مع جيش الاحتلال الإسرائيلي عبر استثمارات ضخمة تصل لعشرات ملايين الجنيهات الاسترلينية؛ اعتصامات شهرية خارج مقرات البنك؛ اعتصامات داخل البنك بتوابيت أطفال شهداء، وتشجيع المواطنين على كتابة رسائل احتجاج للإدارة.

تستهدف الحملة شركة JCB، وكاتربيلار العملاقة التي طورت بولدوزر خاص لاستخدام الجيش الإسرائيلي، وتنشط الحملة ضد شركات "إيلبيت " الإسرائيلية التي تمتلك مصانع محركات طائرات "هرمز" دون طيار "الزنانات" في أكثر من مدينة بريطانية، ونجح المتضامنون في إغلاق أكبر المصانع لأيام عدة في تواريخ مختلفة. هذا إضافةً للجنة المقاطعة الثقافية التي تستهدف النشاطات الفنية والأدبية التي تقام في بريطانيا، والتي تدعمها الدولة الإسرائيلية؛ كذلك المقاطعة الأكاديمية والتي تُعدُّ المهمة الأصعب.

ولإدراكها أهمية دعم وتقوية الفلسطينيين على الأرض؛ بدأت الحملة منذ 24 عامًا بدعم مراكز أطفال: العصرية في جباليا؛ آفاق جديدة في النصيرات، وصولًا لإنشاء مركز "لو بطلنا نحلم" في خان يونس، ومركز الدعم النفسي لدعم أطفال خزاعة الذين يعانون نتيجة الغزو الإسرائيلي المتكرر، هذا الدعم تصر الحملات على فلسفتها بأنَّه شراكة مبنية على التضامن وليس العطف.

لدعم هذه المشاريع؛ تقوم الحملة بتنظيم أمسيات خيرية دورية، ونشاطات رياضية وثقافية، إضافةً لنشاطها السنوي المميز، وهو مسيرة العدو (الجري) لأربع وعشرين ساعة متصلة، شارك فيها هذا العام 220 عدّاء وعدّاءة.

ومن أهم المنجزات؛ قيام مجموعة من النساء ضمن الحملة بتشكيل جمعية خيرية، لتقديم منح دراسية للفتيات الفلسطينية للدراسة في جامعات قطاع غزة، بالتعاون مع مؤسسة أطفال الشرق الأوسط "مكا".

يجب التأكيد أنَّ حملة التضامن بشيفيلد هي حملة لا عرقية؛ مقاوِمة لكل أشكال العنصرية بما فيها معاداة الإسلام ومعاداة السامية. تضم الحملة أعضاء من كل الخلفيات، بما فيهم يهود مناهضين للصهيونية، ومؤيدين لحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وفي هذا رسالة مهمة جدًا، وتأكيد أنَّ الصراع مع إسرائيل ليس دينيًا وإنما نضال ضد المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، الذي هو جزء من مشروع الهيمنة الرأسمالية الغربية على المنطقة.

تنشط الحملة دومًا في التحذير من محاولة إسرائيل الدفع باتجاه البعد الديني للقضية؛ لثقتها بحشد القوى العالمية ضد حركات الإسلام السياسي، في حال ردت هذه الحركات بالمثل بقولبة الصّراع في الإطار الديني.

تعاني حملة التضامن بشيفيلد وشقيقاتها في بريطانيا من ندرة وجود الفلسطينيين، سواءً في لجانها الناشطة أو النشاطات المستمرة على الأرض، وفي هذا إضعاف كبير للعمل؛ كون العنصر الفلسطيني مهم جدًا في توجيه بوصلة العمل في الاتجاه الصحيح، بعيدًا عن أي محاولات بريئة ساذجة قد يقترحها بعض الناشطين، ومن الممكن أنْ تصب في خانة التطبيع.

من الجدير ذكره أنَّ السلاح الأهم الذي تستخدمه إسرائيل بنجاح ضد الحملة ومثيلاتها هو: اتّهام كل مَنْ ينتقد إسرائيل بمعاداة السامية؛ مما أثّر في مواقف الكثير من النشطاء المناصرين ضمن الأحزاب البريطانية، خاصة حزب العمال، في ظل الحملة الشرسة التي يتعرض لها زعيمه جيرمي كوربن، والتي جعلته يتفادى تمامًا مواقفه السابقة الصلبة ضد جرائم الحرب الإسرائيلية، ويستعيض عنها بنقد "متزن" للممارسات الإسرائيلية.

السلاح الآخر هو تصوير الكفاح الفلسطيني وكأنَّه جزء من حملة جهادية إسلامية ضد إسرائيل والغرب، وللأسف تنجح إسرائيل في ظل استخدامها لتصريحات بعض القيادات الفلسطينية اللامسؤولة بهذا الصدد، ومن هنا تأتي أهمية توضيح الطبيعة الاستعمارية الاستيطانية وليس الدينية للصراع.

أحد أهم صفات حملة التضامن بشيفيلد ومثيلاتها؛ أنَّها تجسد البعد الأممي للصراع ضد المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني؛ فغالبية أعضاؤها العظمى من البريطانيين والأوروبيين المناصرين للحق الفلسطيني، وفي هذا إحياء لمبادئ ما كان يُسمى الثورة الفلسطينية عند انطلاقها قبل ما يزيد عن الخمسين عامًا.

إضافةً للتأكيد على العمل التطوعي البحت؛ مما يساعدها على التمسك بمبادئها المتمثلة في مقاومة الصهيونية، وتأييد حق العودة؛ ما يحرمها من أي دعم حكومي بريطاني؛ كون هذا الدعم دومًا مشروط بتمييع المواقف.

وتبقى لقضية فلسطين في شيفيلد مكانة كبيرة، نمت عبر عقود من العمل المستمر، وأصبحت هذه المقولة دارجة في شيفيلد: "نجحنا في خلق فلسطين صغيرة في شيفيلد؛ وشيفيلد صغيرة في فلسطين".