Menu
حضارة

أبو علي مصطفى.. إذا لم يكن اغتياله إرهاباً فكيف يكون الإرهاب

معن بشور

في المرات القليلة التي التقيت فيها الشهيد القائد أبو علي مصطفى الأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، سواء في لقاءات ثنائية، أو في اجتماع القيادة المشتركة الفلسطينية – اللبنانية قبيل الغزو الصهيوني عام 1982، لم يكن صعباً أن أكتشف في الرجل ميزات قيادية رفيعة، ومعدناً خاصاً من الشجاعة والحكمة والالتزام المبدئي ...

رأيت في  أبي علي توازناً خلاقاً بين الصلابة المبدئية والمرونة السياسية ، بين الالتزام التنظيمي والنهج الوحدوي، بين الفكر والممارسة، بين الرؤية الاستراتيجية والبرامج العملية، بين الوطنية الفلسطينية والعروبة النضالية والأممية الواسعة.

كان فعله يسبق كلامه، وكانت حركته تترجم أفكاره، وكانت شجاعته تتقدم نضاله، وكان حريصاً على التوفيق بين الجذرية للتنظيم الثوري الذي يقوده وبين متطلبات الوحدة الوطنية الفلسطينية التي لا انتصار ل فلسطين ومقاومتها في غيابها...

بل كان مدركاً أنه إذا كان من الواجب الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية ككيان سياسي جامع لشعب فلسطين، فإن من حق كل مناضل أن ينتقد سياسات متبعة في المنظمة شرط أن تبقى ممارسة هذا الحق في إطار الوحدة...

وحين نتذكر أبو علي مصطفى لا يمكن  إلا أن نتذكر معه الأمين العام المؤسس للجبهة الشعبية الراحل حكيم الثورة جورج حبش والأمين العام الأسير المناضل احمد سعدات، وثلة من أقمار فلسطين كوديع حداد، واحمد اليماني، وغسان كنفاني، وغيفارا غزة، وباسل الكبيسي وغيرهم ممن رسموا بدمائهم ونضالهم خارطة طريق الأمة إلى تحرير فلسطين...

خلقه العظيم يحصن سلوكه اليومي... ودماثته تزين رجولته، ورقيه يجاور إنسانيته...

وبقدر ما كان التفاؤل الثوري يطغى على تحليلاته، بقدر ما كان "تشاؤمه الواقعي يحذر من المخاطر والصعوبات التي تحيط بالقضية... فلم يكن يهوى المغامرات، لكنه لم يكن يطيق الجمود والمراوحة والسكون...

كان ابناً وفياً لحركة القوميين العرب التي انتمى إليها باكراً في أواسط الخمسينات من القرن الماضي، وكان قائداً مميزاً في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي رافق تأسيسها منذ السنوات الأولى في أواخر ستينات القرن الفائت، مقاتلاً في الداخل، وعبر الحدود، مدركاً أن العسكري الجيّد هو السياسي الجيّد، وأن السياسي الجيّد هو المبدئي الجيّد، وأن المبدئي الجيّد هو المدرك لقوانين الصراع ولموازين القوى، فكان حريصاً على الجمع بين المواقف جميعها...

وإذا كنا نحيي ذكرى استشهاد ابي علي مصطفى في مثل هذه الأيام من كل عام بجديد تأتي به ساحة النضال الفلسطيني والعربي، فإننا  في ذكراه هذه الأيام نستعيد صورة الصواريخ التي وجهتها طائرة صهيونية إلى مكتبه في رام الله قبل 17 عاماً، كما نستعيد صورة الطائرات المسيّرة التي أرسلها الصهاينة قبل أيام لاختراق أمن لبنان في الضاحية الجنوبية مستهدفة موقعاً للمقاومة اللبنانية، فإذا لم يكن اغتيال أبي علي مصطفى إرهاباً، ولم تكن هذه العمليات الصهيونية إرهاباً، فكيف يكون الإرهاب إذن؟!

أبو علي مصطفى ابن شعب هو ضحية الإرهاب العنصري الفاشي الصهيوني، وهو قائد استشهد على يد الإرهاب ذاته...

            رحمه الله، ورحم كل الشهداء