Menu
حضارة

النهوض الوطني أهم من السلطة

بوابة الهدف

خاص بوابة الهدف

يتردد سؤال على نطاق واسع في الدوائر الفلسطينية عن مستقبل السلطة الفلسطينية، أو السلطتين في الضفة وغزة، وما يصب الزيت على النار؛ السؤال، ما تتعرض له السلطة في الضفة من ضغط مالي وسياسي بُغية تكييفها مع صفقة القرن، وما ينوء به قطاع غزة من حصار تجويعي وتهديد باجتياح عسكري إسرائيلي؛ للتخلص من بندقية المقاومة وإرادة القتال.

وارتفعت أصوات متناقضة من رموز سلطة الضفة، فهناك مَنْ أشار (وزير المالية) بأنَّ الأزمة المالية مجرد ثلاثة أشهر، وهناك مَنْ صرّح (رئيس الحكومة) بأنَّ السلطة ستنهار كليًا أو جزئيًا في غضون شهرين، فيما الصلات والاتصالات لم تنقطع بين سلطة أوسلو وقيادات إسرائيلية استعمارية.

بل وجاهرت أوساط من منطلقات متباينة باحتجاجها على قرار رئيس السلطة عندما أعلن عن (وقف العمل بالاتفاقات الموقّعة)، فيما أوساط أوسع واصلت دعوتها لوقف التنسيق الأمني، والاعتراف باتفاق باريس... تماشيًا مع قرارات المجلس المركزي التي بهت حبرها بعد سنوات من كتابتها.

وفي هذا الخضم، المراقب كما الفاعل السياسي، المثقف كما الإنسان العادي، يدلي بدلوه، بأنَّ زمن السلطة قد ولّى، وأنَّ المسألة هي مسألة وقت ارتباطًا بما وصلت إليه عربة أوسلو التي كانت جسرًا لصفقة القرن.

وما تسرّب عن الصفقة بات جليًا بما يكفي، فلا قدس ولا عودة ولا سيادة ولا دولة (كوشنير)، وضم مساحات واسعة من الضفة، وتوطين في الخارج، وما تبقى هو معازل مجزّأة تحت عنوان حكم ذاتي (غرينبلات)، فضلًا عن حقيقة الاستيطان الاستعماري القافز بوتائر غير مسبوقة تناغمًا مع برنامج الليكود (سيادة إسرائيلية واحدة من البحر إلى النهر).

وبالتالي؛ لن تكف المحاولات الأمريكية– الإسرائيلية عن ترويض وإنهاك السلطة وعصرها واختراقها، أما انهيارها فهذا غير مرغوب فيه حاليًا. ومن الجانب الآخر، لا يبدو أنَّ السلطة في الضفة تتجه لحل نفسها، وعليه؛ من المستبعد انهيار أو حل السلطة، أما العجز المالي فسوف تعالجه السلطة على طريقتها (تقليص الرواتب، الاستدانة من القطاع الخاص، الاقتراض من قطر 225 مليون دولار، ملاحقة المتهربين من الضريبة، شبكة أمان عربية..).

وعن السلطة في غزة؛ فقد تأقلمت نسبيًا مع الحصار منذ سنوات، ومع العقوبات المالية التي فرضتها سلطة الضفة على قطاع غزة، وَواهم مَنْ يعتقد أنَّ قطاع غزة سوف يرفع الراية البيضاء مهما اشتدت المصاعب، فالروح الجارفة التي تسري في قطاع غزة هي الاستعداد للقتال، وتعزيز العلاقة مع محور المقاومة.

ومن قبل فشلت حرب 2008 – 2009 لإسقاط السلطة، وحرب 2012 لوقف الصواريخ، وحرب 2014 لإغلاق الأنفاق، بل وتعاظمت القدرة الردعية لبندقية غزة وازدادت تسلحًا. وفي القطاع الذي لا يتعلم استخدام السلاح، ولا يملك السلاح، ولا يستعد للمنازلة بالسلاح إنَّما يختفي من الخارطة السياسية والشعبية.

ومن الجلي أنَّ الترسانة العسكرية الإسرائيلية تتردد في اجتياح غزة، فهي لا يعوزها القدرة العملية على الاجتياح، أما الذي تخشاه وتحسب له ألف حساب؛ فهو الثمن الذي لن يقل عن آلاف التوابيت للجنود الإسرائيليين؛ فغزة غابة بنادق، والتسريبات تشير إلى عشرات آلاف المقاتلين الذين يمكن أنْ يتضاعفوا في لحظة القتال، ولن يخسر القطاع إلا قيوده.

والجديد في الأشهر الأخيرة، أنَّه بات لدى المقاتلين طائرات مسيّرة مزودة بالصواريخ، إضافة للصواريخ التي تصل عمق الكيان الصهيوني. صحيح أنَّها صواريخ تطلق دون توجيه، ولكنها يمكن أنْ تشل الحياة المرفهة للمجتمع الإسرائيلي وتكبيده الخسائر أيضًا، أما القبة الحديدية الأمريكية؛ فقد تمَّ اكتشاف نقطة ضعفها، فهي غير قادرة على مواجهة زخات متلاحقة من الصواريخ والمقذوفات.  وعليه؛ فالسلطة في غزة مستمرة.

أما أنْ يتوحد الموقف الفلسطيني، وتتوحد السلطتين أو أنْ تستمر الوضعية الحالية، فهذا موضوع آخر.

وجدير التذكير أنَّ الحصار الأمريكي قد استمر ستة عقود على الثورة الكوبية، وتجاوز العقود على الثورة الإيرانية، ومن قبلها الثورة الصينية بعد انتصارها 1949؛ أي: لا ينبغي تبسيط الأمر بأنَّ الضغط على سلطة الضفة والحصار على غزة سوف يرفعان قريبًا. فضلًا عن أنَّ المخطط الاستعماري الإسرائيلي مقبل على ضم مساحات واسعة من الضفة الفلسطينية بعد ضم شرقي القدس (17% من الضفة)، ونقل السفارة الأمريكية إليها، والموقف الأمريكي الساعي لإعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني بحصره بمَنْ تبقى أحياء من المقتلعين عام 1948، بما لا يزيد عن 40 ألف، بينما يربو تعداد اللاجئين الفلسطينيين على 6.5  مليون نسمة، موزعين في الداخل والخارج... كل ذلك كحلقات في صفقة القرن، وإقامة "إسرائيل الكبرى".

أما المياه؛ فتحظى بأهمية استثنائية، ليس باستيلاء الكيان الصهيوني على مياه 48 ونحو 80% من مياه الضفة، وما يخطط له للاستيلاء على مياه الجنوب اللبناني. وهناك كتابات تَشِي بأنَّ الحرب القادمة سيكون محركها الأساس المياه والثروة النفطية المكتشفة في مناطق حدودية بين لبنان و فلسطين (الكيان) في البحر الأبيض المتوسط، فالأمور تتجه نحو التصعيد لا نحو الانفراج.

والمتغير الذي قد يحمل معه ديناميات دراماتيكية أو غير دراماتيكية هو النتائج المتوقعة للجنة المكلفة بإيجاد آليات (لوقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل)، ومدى التزام رئيس السلطة بها. وهذا برسم الأشهر المقبلة، كما نتائج الانتخابات الإسرائيلية في أيلول المقبل، وفرص فوز نتنياهو وقدرته على تشكيل حكومة يمينية أو إجماع صهيوني أو عدمه.

هذا من جانب، أما من الجانب الآخر:

فمسار أوسلو لم يُفضِ لتسوية سياسية لا سلمية ولا استسلامية، وكان مجرد غطاء لإنجازات كبرى للتوسعية الإسرائيلية، وما أصاب الخارطة السياسية الفلسطينية من انقسامات وَثَلمِ نَصْل وأوهام وفساد أصاب عظام نخب من فصائل العمل الفدائي الذين تجشموا استحقاقات مسيرة الكفاح الفدائي.

فما العمل، وعجلة صفقة القرن تدق الأبواب، ليس بالإعلان الشكلاني عنها بالجملة، بل بإنجازها بالمفرق على الأرض؟

من غير المنطقي أنْ تستمر حالة (اللااشتباك)، فقد انتهى مسار أوسلو إلى ما انتهى إليه، وتبددت كل أوهام "التسوية والدولة والتنمية والنمور السبعة"، وكل بطارية أبواق أوسلو، وبذلك أصبحت القضية على أعتاب مرحلة جديدة.

هل هي تمرير صفقة القرن التي لا فرصة حاسمة لها، طالما أنَّ الإجماع الفلسطيني يقول لا، فضلًا عن ما يختزنه الشعب الفلسطيني من قدرات لفعل إيجابي؟ فهل هو قادر على إطلاق دواليب مرحلة جديدة؟

هناك مخاوف إسرائيلية من اندلاع انتفاضة، وسواءً كانت انتفاضة أو تحركات شعبية واسعة أو سيل من أعمال المقاومة أو أي أنموذج آخر، فالتحليل الأرجح أنْ ينهض الشعب، مستقويًا بانتصارات محور المقاومة وربما بإسناد محور المقاومة.

وكل العمل الفلسطيني وبشتى صوره وكل الحوارات والتحشدات، لا قيمة لها إنْ لم تصب في هذه الطاحونة، فالتكتيك إن لم تكن غايته النهوض الشعبي يفقد اتجاهه وتتبدد تضحياته؛ فالجيشان الشعبي المنظم الهجومي الواعي هو الهدف ودونما ذلك تكون تضحيات أخلاقية دون هدف سياسي.

وعليه؛ إنَّ زاوية النظر، ليس بقاء أو ذهاب السلطة أو السلطتين، بل الذهاب لأولوية أخرى؟

وبذلك؛ يكون الاصطفاف الميداني الواسع وصولًا للشامل هو أرضية التقاطع وأرضية المواجهة، وليس الاجتماعات والأبواق الإعلامية التي ملّها الناس، ولا يتوقعون منها أي نتائج جدية.

ولمّا كان ثمة مسار سياسي أوسلوي، كان أصحاب هذا الخيار يرون في السلطة إنجازًا وطنيًا ومقدمة لدولة أو نصف دولة، وقد ذهب أدراج الرياح، فيما لم يكن يسنده أكثر من نصف الخارطة السياسية، أما النصف الآخر الذي رأى في أوسلو ونتائجه كارثة واستسلامًا؛ فهو لن يأسف على ما أصاب سلطة أوسلو من مأزق، وأكثر ما يتطلع إليه، هو إعادة بناء م.ت.ف، وإعادة تعريف السلطة بحصر دورها في الحيّز الحياتي، وتوفير لوازم المواجهة والنهوض، كل ذلك لتجاوز أوسلو بما يفتح الطريق لمسار جديد من التحرر والاستقلال.

أما عن إسقاطات العامل العربي والإقليمي، بين استقواء المطبعين بالكيان ونقيضهم محور المقاومة، فهذا يستحق وقفة أخرى.