Menu
حضارة

في أولوية المسألة الاجتماعية

عبد الإله بلقزيز

نقلاً عن الخليج الاماراتية

المسألة الاجتماعية، اليوم، أكثر المشكلات تفجّراً في البلاد العربية وفق ما أطلعتنا على ذلك أحداث «الربيع العربي». وهي تتمظهر في جملة مشكلات مترابطة؛ الفقر الحاد الزاحف على طبقات اجتماعية جديدة لم تكن إلى عهد قريب عرضة للحرمان وتدهور شروط المعيشة (وفي جملتها أقسام من الطبقة الوسطى)؛ التهميش الاجتماعي المتزايد الذي لم يتوقف عند حدود إخراج طبقات اجتماعية من عالم الإنتاج والكسب فحسب؛ بل ضاعف من أعداد المهمشين والمعطلين عن العمل حين قذف بملايين من خريجي الجامعات وحملة الشهادات إلى «مجتمع» العاطلين عن العمل؛ الفوارق الطبقية الفاحشة والمتسعة نطاقاً، التي وزعت من غير عدل الفاقة على أغلبية «المواطنين» في المجتمع، والثراء والرفاه على قلة قليلة من المحظوظين، فيما أهلكت حرث الطبقة الوسطى وضرعها وقلصت نسلها؛ الفجوة الرهيبة بين المدن والأرياف في شروط الحياة والوسائل والمرافق، وبين المناطق بسبب سياسات الإنماء غير المتوازن؛ الحيفُ الكبير في حقوق الطبقات والفئات الاجتماعية الكادحة في الضمان الاجتماعي والتأهيل الصحي، وفي الأجور والتعويضات مقابل الامتيازات المفوّتة إلى فئات میسورة هي في غنى عنها.

ما كان مستغرباً إذن أن تحتل المسألة الاجتماعية مركز العامل الأساس في تولید الاحتجاجات والانفجارات الاجتماعية، وأن تشغل الشعارات الاجتماعية (العدالة، الكرامة..) الحيز الأوفر في مطالب المنتفضين في ساحات «الربيع العربي».

أن يكون للمسألة الاجتماعية هذا الموقع في يوميات الحراك الشعبي لا يعني أن الملتئمين حول شعاراتها في الميادين والساحات العامة، لم يكونوا ملتفتين إلى أي مطلب سياسي غير الخبز والعمل والكرامة، أو أن الاجتماعي le social منفصل، بطبيعته، عن السياسي ويقبل بالتالي معالجته بمعزل عنه؛ ذلك أن أياً من المحتجين لم يكن يفوته أنه إذ يحتج على أوضاعه الاجتماعية إنما هو يحتج في الوقت عينه على السياسات التي قادت إلى تولید تلك الأوضاع. وإلى ذلك، ما من وضع اجتماعي مزرٍ أو مستقيم في أي بلد، إلا ووراء سوئه أو استقامته سياسات رسمية. وما من تدهور في أوضاع الناس الاجتماعية يتولد من سياسات رشيدة، كما ليس من تقدم في الأوضاع الاجتماعية، ينجم عن سياسات فاسدة.

بين الاجتماعي والسياسي ألف وشيجة تشد الواحد منهما إلى الآخر. وكما تكون السياسة مسؤولة سلباً وإيجاباً عن واقع الاجتماعي، يكون للأوضاع الاجتماعية بحسنها وسيئها، أثر في الوضع السياسي، فتراها تعززه وتحصنه إن حسنت، أو تُضعضِعه وتُعكر استقراره إن ساءت.
ربما قیل وهذا يقال دائماً إن وطأة المسألة الاجتماعية في الحياة العامة العربية، مما تعود أسبابه إلى شح الموارد الطبيعية ومحدودية الإمکانیات مقابل التضخم المروع في معدلات النمو السكاني.

وهذا القول غالباً ما يلحظ أثر البيئة الطبيعية من تصحرٍ، وشح مياه، ومحدودية للرقعة الزراعية، في معظم البلدان، وضعف شديد في مغالبة تلك الأوضاع الطبيعية القاهرة. وقد يستدل من يذهب إلى مثل هذا التعليل، بحالة بلدان اليسر العربية القليلة التي اجتمعت فيها الثروات الطبيعية وقلة السكان، فمكنها ذلك من مغالبة مشكلاتها الاجتماعية؛ بل ومن إحراز معدلات متقدمة من النمو والدخل القومي، لتأكيد فرضية اتصال الأوضاع الاجتماعية سلباً وإيجاباً بالإمكانيات والموارد المتاحة في هذا البلد أو ذاك، وبمستوى البنية الديمغرافية فيه.

لسنا ممن يُنكرون ما لعاملِ البيئة والموارد الطبيعية ونِسب التزايد السكاني من أثر في مفاقمة الأوضاع الاجتماعية أو تحسينها في أي بلد. وقد تُوفر وفرة الثروات الطبيعية إمكانية للتغلب حتى على الانفجار السكاني نفسه. أما الاعتراض بالقول، إن الصين والهند، مثلاً، لم تمنعهما قاعدتهما السكانية العريضة من بناء اقتصاد قوي قادر على إشباع الحاجات، والتغلب على ظواهر الفقر والتهميش، فيتناسى أن بيئة الصين والهند وإمكانياتهما ليست هي نفسها بيئة الوطن العربي وإمكاناته.

ومع ذلك، لا ينبغي إلقاء المسؤولية في نكبة الأوضاع الاجتماعية العربية على الطبيعة؛ على البيئة والسكان؛ إذ المسؤول عنها في المقام الأول، هو السياسات المتبعة في الميدانين التنموي والاجتماعي: سياسات الدولة على وجه التحديد.

يمكن لعملية التنمية أن تتسع لشركاء كثر: الدولة والقطاع الخاص والقطاع المختلط، لكن طرفاً واحداً يبقى هو المسؤول عن تخطيط السياسة الاجتماعية وإدارتها، هو الدولة؛ لأن منطق الاستثمار هو الربح لا غير، أما منطق الدولة فالمحافظة على التوازنات الاجتماعية والاستقرار.

ها نحن، مرة أخرى، نصطدم بالحقيقة التي لا تقبل التجاهل: علاقة الترابط بين الاجتماعي والسياسي؛ ما من سبيل إلى إجابة الحاجات الاجتماعية الأساس من طريق ترك المجتمع والناس أمام مخالب السوق، والاستمرار في توهم دور «اليد الخفية» التي تنظمها وتتنزل منها منزلة القوانين.

في هذا الخيار انتحار مؤكد. لابد إذن من سیاسة تدخّلية تضع فيها الدولة المسألةَ الاجتماعية في صدارة الأولويات، وإلا كان ثمن التقاعس فادحاً على الجميع.