Menu
حضارة

متغيرات في طبيعة الصراع واحتمالات نتائجة.

محمّد جبر الريفي

بصرف النظر عن مسببات التوتر على الجبهة الشمالية بعد الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، والتي شملت قبل فترة الضاحية الجنوبية معقل حزب الله اللبناني، وكذلك قوات الحشد العراقية في مدينة القائم الواقعة قرب الحدود السورية، وهو توتر ربما يكون وسيلة من وسائل الدعاية الانتخابية الإسرائيلية، المزمع إجرائها في شهر سبتمبر القادم، حيث رئيس الوزراء نتنياهو حريص على الفوز في مواجهة خصومه السياسيين الأقوياء، فإن الصراع في المنطقة ضد الكيان الصهيوني أصبح ينحصر بشكل أوضح في تلك الجبهة، وذلك في وقت تهرول به بعض أطراف النظام العربي الرسمي للتطبيع على طريق التوصل إلى عقد تسويات سياسية تكون امتدادًا لتسويات كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو، وقد يكون هذا التحول بداية لإعادة صياغة للمصطلحات السياسية الدارجة لتوصيف طبيعة الصراع، حيث استمرار الإقرار بوجود صراع عربي صهيوني سوف يكون توصيفًا غير دقيق.

بعد حرب أكتوبر خرجت مصر من دائرة الصراع وبذلك فقد النضال القومي ضد المشروع الصهيوني قاعدته الرئيسية، وقد ترتب على هذا التحول بداية لانتقال مركز الثقل في السياسة العربية إلى دول الخليج، بسبب ما تمتلكه من ثروة نفطية وما يربطها من علاقات التبعية بكل أشكالها مع المعسكر الرأسمالي العالمي الإمبريالي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

وبعد الغزو الصهيوني للبنان عام 82 والذي أسفر عن خروج مقاتلي الثورة الفلسطينية من بيروت، تبنت منظمة التحرير الفلسطينية العمل السياسي بعيدًا عن خيار المقاومة، تماشيًا مع السعي لتطبيق البرنامج المرحلي الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التي عقدها في القاهرة عام 73، والمعروف ببرنامج النقاط العشر مسايرة لنهج التسوية العربية الإسرائيلية، وقد قاد هذا التغير في مجرى الصراع الى اختفاء تدريجي لمصطلح الصراع العربي الصهيوني، ليشاع بدلا منه في وسائل الإعلام العربية والدولية مصطلح الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكان ذلك لا يعبر عن نضج سياسي في وسائل الإعلام بقدر ما يدل على استمرار الإمعان في تمزيق جسد المقاومة والتشكيك في فعالية خيارها، فمصطلح الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أصبح يعبر الآن عن عملية سياسية تفاوضية شاقة ومعقدة للتسوية، أكثر ما يعبر عن خيار المقاومة كعامل فاعل في مجرى الصراع.

ضمن حالة التوتر هذه التي تشهدها الجبهة الشمالية، يأتي الرد العسكري مؤخرًا من قبل حزب الله الذي أسفر عن تدمير آلية عسكرية إسرائيلية، تنفيذًا للتهديدات التي أطلقها السيد حسن نصر الله، عن إمكانية حدوث مواجهة عسكرية شاملة مع الكيان الصهيوني، وهي مواجهة اذا حدثت فإنها تأتي في مرحلة تقف فيها القضية الفلسطينية أمام تسوية تصفوية تقودها واشنطن مما يدفع المقاومة الفلسطينية إلى ممارسة حالة من التصعيد بإطلاق الصواريخ على مدن ومستوطنات الكيان الصهيوني، وذلك عن قناعة بأن التوقيت مناسب للتأكيد على مسألة العلاقة بين ممارسة أشكال المقاومة وإسقاط مشروع التصفية الأمريكي.

إنّ احتمال الدخول في معركة شاملة تشمل الجبهتين الشمالية والجنوبية مع الكيان الصهيوني هو احتمال وارد، إذا ما استمرت حالة التوتر والاشتباكات المتقطعة في جنوب لبنان بين قوات حزب الله والقوات الإسرائيلية، وهو كذلك أمر طبيعي في مجرى الصراع الذي يحكمه تناقض رئيسي مع المشروع الصهيوني. وسبق أن حصل ذلك في حرب أكتوبر وما قبلها من حروب عربية إسرائيلية، ولكن الأمر البالغ في الأهمية هو في النتيجة التي يمكن أن تسفر عنها هذه المواجهة العسكرية الشاملة، فإذا ما استطاعت قوى المقاومة خاصة على الجبهة الشمالية قتل أكبر عدد من الإسرائيليين بهدف إرباك العدو وإجباره على الموافقة على التفاوض لوضع حد لهذه المواجهة فإن ذلك سيكون بداية نصر عظيم لخيار المقاومة، على طريق عملية التحرير، لكن الأمر الأكثر خطورة على مستقبل المنطقة بكاملها هو اذا استطاعت الآلة العسكرية الصهيونية وبمساندة القواعد العسكرية في دول الخليج أن تحقق أهداف الكيان الصهيوني في سوريا ولبنان، فإن هذا الأمر سيوفر الشروط المطلوبة لتراجع خيار المقاومة وانكفاء دور أطرافه لتصبح المنطقة مهيأة لتطبيق المخطط الأمريكي الصهيوني الرجعي التصفوي للقضية الفلسطينية، وذلك ضمن خلق الشرق أوسط الجديد الذي تسود فيه الهيمنة السياسية والعسكرية الأمريكية والإسرائيلية، وهو الهدف الذي تسعى اليه الولايات المتحدة منذ زمن في مواجهة القوى السياسية الدولية الكبرى، التي يحكمها تعارض في المواقف تجاه الأزمات الدولية مثل روسيا الاتحادية التي استطاعت أن تنهي مسألة هيمنة القطب الأمريكي الأوحد على مجرى السياسة الدولية.