Menu
حضارة

الخليل التي شقتها الأفعى

جبريل محمد

الخليل التي شقتها الأفعى

خاص بوابة الهدف

في طفولتي زرت الحرم الإبراهيمي مرة واحدة. لم أعد إليه إلا في كهولتي مع أبنائي وزوجتي، حملتني جدتي يومها إلى الحرم؛ قرفصت جدتي عند باب بئر الغار (الذي كان أيضًا مكانًا يقسم فيه الناس أغلظ أيمانهم)، واسترسلت في أدعية لأبنائها وبناتها وأحفادها، بالحماية من كل شر، دعت لأبي بالشفاء من مرضه، ثم أوقدت شمعًا هناك.

ظل المشهد عالقًا في ذهني إلى اليوم، تمامًا مثل مشهد آخر في زيارة لجدتي أيضًا إلى مقام الهدمي في قرية الشيوخ، بعدها بقيت أسمع عن بعد آذان الظهر، وأنا في حقول حلحول الشرقية من مئذنة الهدمي، لم يكن هناك في ذلك الوقت ضوضاء ولا مكبرات صوت، لكن الآذان كان يأتي إلى أذني صافيًا، الآن ورغم وجود مكبرات الصوت لا نسمع الآذان في بيت عينون وظهر الهوا من مئذنة الهدمي، تغيرت الأمور؛ شقت أفعى التفافية حقولنا طريقًا للمستوطنين في كريات أربع، غلب هدير الشاحنات على صوت الله، وبعد ذلك كانت كريات أربع بعيدة نوعًا ما، تشاهد فقط بناياتها العالية التي صارت واضحة أمام ناظرينا.
مع بداية وعيي سمعت عن عملية فدائية أمام الحرم الإبراهيمي، وليلتها فرضوا منع التجول على حلحول، ثم وكنت عند الطبيب بعدها بعام على الأقل، سمعت صياحًا في السوق يقول "روحوا" كانت هذه بمثابة كلمة سر أن عملية فدائية حصلت، وكان ذلك أيضًا في محيط الحرم الإبراهيمي، اضطر الدكتور عبد الحي شاور أن يحولني للمستشفى، لم يزرنِ أبي لأن منع التجول فرض على حلحول. كبرت وصرت طالبًا في مدرسة الحسين بن علي في مدينة الخليل، كنا نمر من شارع يوصل إلى تل الرميدة، وساحة الكراجات، وفي طريقنا كانت مدرسة الدبويا (مدرسة كانت ملكًا ليهود الخليل قبل 1929)، تحولت بعدها إلى مدرسة تابعة لوكالة الغوث بعد 1948، لكن بعد غياب عن المدينة كان متقطعًا لم أعد أمر من تلك الطريق التي اعتدتها، أصبح الطريق ممنوعًا علينا، وصارت الدبويا "بيت هداسا"، مدرسة دينية أنشأتها غئؤلا كوهين زعيمة حركة (هتحياة، النهضة، الاستيطانية)، لم نعد نصل إلى ساحة الكراجات لنركب الباص من هناك، صودر المكان وأصبح بؤرة استيطانية. لم نعد نمر من شارع الشهداء إلى السهلة لنبيع الزبيب والملبن، أو لنشتري براذع لدوابنا قبيل موسم العنب، أو نمر في أواخر تشرين على الحدادين، كي نحسم فؤوسنا التي ثلمتها الحجارة، أو سكك محاريثنا نحضرها لشق الأرض لاستقبال المطر. غاب البراذعية عن شارع الشهداء، وغاب الحدادون التقليديون عنه، لا بفعل التقدم التكنولوجي وحلول السيارة والجرار محل الدواب والفؤوس، بل قبل ذلك بفعل الاستيلاء على الشارع، ثم بعدها سيطروا على السهلة، وسوق الخضار، وسوق البالة، وسوق اللبن، ومحلات أخرى.
لم تكن مقاومة الاستيطان جدية، هرب التجار إلى وادي التفاح الذي كان كرومًا، أو إلى عين سار وغيرها من أطراف المدينة، مات السوق العتم (خزق الفار). لم يعد هناك باعة للفروات الصوفية، ولا للبن الجميد، أو الحصير، أو السجاد التقليدي (المزودة)، حيث تدخل الآن إلى المدينة القديمة عبر (معاطة) الكترونية، تنتظر أن ترى التوتة التي كانت أمام جامع القزازين فلا تجدها، تفتش عن بائع صنادل البلاستيك فتجد المحل مغلقًا، تعود عبر شارع الشلالة فتجده شارعًا ميتًا، رغم أنه كان حيًا، فيه على الأقل ثلاثة بنوك، لا زالت يافطة أحدها قائمة، رغم اندثار البنك نفسه (انترا).

أمام كل ذلك، تغص في جوفك الأسئلة المتراكبة، وتعود فتجد اخطارات جديدة لمصادرة أرضٍ جديدة، كي تشق أفعى جديدة، طرق للمستوطنات، تلتهم العرائش وأشجار الخوخ، فتزيد الأسئلة تراكبًا.
لكني اسأل: هل حمى الخليل لقاء عصيون يوم 7/6/67 من كل المجازر التي ارتكبت بحقها؟ كان ذلك تبرير رئيس بلديتها حين التقى موشي ديان وبنى معه صداقة، وهل يحمي الخليل لقاء تجارها مع مستوطني كريات أربع؟    
الخليل بحاجة إلى تفكيك البنية القائمة، فهي لا توفر مقومات مقاومة وصمود.