Menu
حضارة

العدوان شامل: ماذا عن المواجهة؟

حسن خليل

مشهدان تصدّرا واجهة الأحداث في لبنان خلال الأيام القليلة الماضية: الأول، العملية التي نفذتها المقاومة في مستعمرة «أفيفيم»، والثاني، العقوبات الأميركية على لبنان، وبالتحديد على القطاع المصرفي. قد لا يبدو، أقله بالشكل، أن ثمة ترابطاً بين الحدثَين، لكن، في الجوهر، يكاد يكون الاستهداف واحداً ومعركة واحدة، ومن خلال مخطط مدروس الخطوات ومعلوم الأهداف؛ هو قرار متّخذ من قبل دوائر «البيت الأسود» لمحاصرة لبنان ولضرب بنيته الاقتصادية والاجتماعية، وبالتحديد منها، البنية التي تحمي خيار المقاومة فيه وفي المنطقة والمجاهرة بذلك. إنّ ما يجمع هذين الحدثين هو طبيعة العدو الواحد والدائم، والتي هي بالطبع الولايات المتحدة الأميركية، المتمادية في العدوان والحروب والتدخلات، والهيمنة الاقتصادية وسياسات الحصار المستمرة، ودفع الأمور إلى مزيد من التوتر بهدف تثبيت تفرّدها في إدارة العالم، بعدما باتت هذه الأحادية مهددة بفعل ما يحرزه عدد من الدول والتكتلات من نجاحات وتقدم على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية. وعليه، فإن الخطر الحقيقي على العالم اليوم هو ذاك «اليانكي الجشع»، الواجب مواجهته، ومواجهة تلك الإمبريالية المتفلتة من كل الضوابط، والمترافقة مع تصاعد خطابها الفاشي، في العديد من الدول الغربية، والذي يُترجم دوماً، بعدائها لكل الشعوب التي تعمل على فك تبعيتها للغرب الاستعماري من خلال التهديدات المتواصلة والحروب، والإجراءات الاقتصادية، والابتزاز المالي...

وبطبيعة الحال وكذلك الواقع والوقائع، فإن منطقتنا تشكل اليوم إحدى تلك الساحات المتقدمة لمواجهة هذا المشروع وتداعياته، ليس على الجغرافيا فقط بل على التاريخ والحاضر ومستقبل شعوبها. وما الحروب المنتشرة في معظم أرجائها إلّا الترجمة الفعلية لذلك «الغزو الغربي» المستمر منذ عقود. إن ما جرى مؤخراً من تصعيد معلن، من العراق إلى سوريا إلى لبنان، من قِبل العدو الصهيوني، يعكس مستوى قلق الكيان الإسرائيلي وتعاظمه حول أمنه واستقراره، ما دفعه للعمل على فرض واقع جديد في المنطقة، بتكريس حقه في توجيه الضربات التي يراها مفيدة له، أكثر مما هي جزء من معركة انتخابية كما يروّج البعض، وفرض واقع يخفف من المخاطر الأمنية عليه، كمثل انتشار قوى دولية تقوم بحماية ومراقبة الحدود العراقية ـ السورية ـ اللبنانية كوسيلة أكثر ضماناً من قصفه لطرق الإمداد، أو متابعة انتشار القوات الإيرانية أو قوات «حزب الله» على الحدود السورية مع كيانه المحتل. في ظل هذه الأجواء، جاء الاعتداء المزدوج على «حزب الله»، في سوريا وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، والهدف منه تغيير قواعد الاشتباك الذي كرسه القرار الدولي 1701 على حدود المواجهة وخطوطها.

إن الرد، الذي شكلته العملية العسكرية ضد الاحتلال، كسر تلك القواعد، وفتح الأمور على احتمالات متعددة، والذي هو، بالمناسبة، يجب أن يكون الردّ الوحيد على الغطرسة الصهيونية المتمادية؛ فما يحصل اليوم مفتوح على احتمالات خطيرة، ما يستوجب منّا التأكيد أننا لسنا خارج تلك المواجهة بل نحن جزء منها، وعليه ندعم الردّ على تلك الاعتداءات الصهيونية التي حصلت والتي يمكن أن تحصل ونؤيده، مع العمل على المشاركة العملية في هذا المجال، والمبادرة إلى تعزيز التقاطعات وتطويرها مع كل القوى المقاوِمة في لبنان و فلسطين والبناء عليها بشكل واضح.

بموازاة ما يجري، يستمر لبنان حالياً في أزمة سياسية ناتجة، بالدرجة الأولى، من نظامه السياسي القائم على الاستغلال الطبقي عبر المحاصّة الطائفية والمذهبية ونمط الإنتاج التابع، وهي تتجلى بفشل التسويات التي بدأت لتجميله، بالإضافة إلى الاشتباك الحاصل في المنطقة وتداعياته وتأثيره في مسار الأحداث، إذ لا يمكن فصل الوضع اللبناني عن مجرياته أو عزله عمّا يجري؛ فطبيعة الصراع الدائر لها أثرها الكبير على طبيعة الاصطفافات والانقسامات السياسية والمذهبية. كما أن التدني في مستوى التخاطب السياسي والاتهامات المتبادلة بين مكونات السلطة، والتي وصلت إلى حدّ التخوين، انعكست، في كثير من الأحيان، توترات في الشارع، بالإضافة إلى الفهم الملتبس-المقصود والخلط القائم بين مفهومَيْ السلطة والدولة عند أطراف الحكم الذين يصادرون مقدرات الدولة ويتعاطون معها كمزرعة، والمترافق مع تحول النظام السائد إلى نظام فدرالي ومذهبي، ما قد يؤدي، ربطاً بالتوتر الإقليمي وانعكاساته على الوضع الداخلي، إلى انهيار كل تلك التوافقات.

وعلى ذلك الأساس، وبعد أن وصلت الأمور إلى تجاوز الخطوط الحمراء والابتزاز والضغط الذين مارستهما القوى الدولية والتصنيف الائتماني وغيره... جاء الاجتماع المالي الذي عُقد مؤخراً في القصر الجمهوري لممثلين عن الوزارات المعنية وحاكم مصرف لبنان ولجان من خبراء اقتصاديين، والذي أعقبه اجتماع سياسي، لممثلي قوى السلطة أنفسهم والمسؤولين عمّا آلت إليه الأمور من انهيار اقتصادي ومديونية عالية بفضل سياساتهم، وبغياب كلّي عن ممثلي الشعب ومصالحه وقطاعاته، كي يُغطي الإجراءات المنوي اتخاذها، والتي ستطال في جزء مهم منها الفقراء وأصحاب الدخل المحدود، من عمال وموظفين ومستخدمين.

في ظل هذه الأوضاع المتوترة خارجياً والمرتبكة داخلياً، جاء القرار الأميركي بفرض عقوبات على أحد المصارف اللبنانية، ليزيد من حالة الإرباك وليستثمر فيها، وأيضاً كاستمرار للعقوبات المفروضة سابقاً، والتي شملت مؤسسات وشخصيات وكيانات، والذي سيؤثر بطبيعته في مجمل الوضع الاقتصادي، المهتز أصلاً بفضل السياسات المتبعة من قبل أصحاب السلطة ورأس المال؛ هذا العدوان الأميركي السافر على الشعب اللبناني، والذي يحظى، وللأسف، ببعض استجابة داخلية سياسية ومصرفية، يعيق الوضع الاقتصادي في البلد ويؤثر عليه، ويؤشر بالمقابل على حجم التدخل السافر في الشأن اللبناني وتوظيفه واستثماره في وجه المقاومة، يضاف إليه الدور الأميركي المنحاز دوماً إلى جانب العدو الإسرائيلي؛ وما مسألة ترسيم الحدود البرية والبحرية إلّا مثال على ذلك.

وفي الإطار نفسه جاء القرار اللبناني، عبر وزير العمل، حول تنظيم أوضاع الفلسطينيين في لبنان؛ لذلك هناك ضرورة، لا بدّ منها، لمقاربة هذا الملف بطريقة أوضح وأفعل وليس كردة فعل أو استنكار، وذلك من خلال الطلب، وعلناً، من السلطة بالتراجع فوراً عن هذا القرار المتّخذ بحقهم، ليس لأنه غير إنساني، بل لكونه استجابة لإملاءات دولية مرتبطة بصفقة القرن. وكي لا تتذرع السلطة اللبنانية بمقولة حق العودة لتبرير هذا الموقف، السياسي بالدرجة الأولى، ضد الفلسطينيين وعدالة قضيتهم، وكي لا يبقى أسير التجاذبات الداخلية والتوظيف الرخيص، نؤكد مطالبتنا، ليس من أرباب السلطة ومريديها، بل من ممثلي القوى «المقاوِمة»، في مجلس الوزراء بلعب دور أكثر فعالية وحسماً، ومنع تمييع الموضوع في مقابر اللجان الوزارية ومتاهاتها.

فبناءً على ما تقدم، وبما أن النظام السياسي، هو الأداة بيد التحالف القائم بين أمراء الطوائف وأصحاب رأس المال، وبما أن سلوكهم السياسي هو خطابهم الذي بواسطته يحققون تحشيد جمهور طوائفهم وراء خياراتهم، وبما أن مؤسسات الدولة هي تلك الهياكل التي يستخدمونها لتيسير مهامهم وتسهيلها، فإن مسألة التغيير في هذا البلد أصبحت مهمة ملحة ومطلوبة، إلّا أنه يلزمها موازين قوى لفرضها: قوى سياسية ونقابية واجتماعية مرتبطة بحالة جماهيرية، وهذا الأمر غير متوافر بشكل واسع حالياً، لكن تبقى المبادرة نحوه ضرورية للمواجهة، والانفتاح على قوى سياسية وفئات شعبية من مهمشي المدن وفقرائها، وتأطيرهم ضمن برنامج سياسي واضح الأهداف، من خلال قضايا ومهام في الطليعة منها، عدم فصل الوضع اللبناني عمّا يجري في المنطقة، وما يعنيه ذلك من مواجهة العدوان الغربي الصهيوني على منطقتنا وعلى لبنان، وأيضاً من خلال ربط القضية الاقتصادية -الاجتماعية بالموقف السياسي، وتوضيح خطابنا المواجه وتفعيله برفع مستوى المنسوب السياسي حول كل تلك القضايا.

وعليه، يمكن بناء تحالفات متحركة وليس جبهات سياسية، ومواقف تعبّر بصراحة ووضوح عن الحالة التي وصل إليها البلد، ما يشكل دعوة إلى إطلاق البديل الجدّي والاستفادة من كل ذلك في سبيل بلورة مهام ملموسة لإنضاج قيام تجمّع وطني للإنقاذ يجمع كل المتضررين تحت سقف برنامج موحّد، سياسي واقتصادي واجتماعي، مع قوى وشخصيات سياسية ونقابية وتجمعات جماهيرية ومدنية وقطاعية وخبراء اقتصاديين وماليين، هدفها تحقيق قيام ذلك التجمع المنوه عنه، مع إيلاء مسألة تفعيل واستكمال تشكيل لجان تنسيق مناطقية، بلدية، قطاعية وشعبية من خلال بعض المسارات التي كانت قد بدأت، بهدف بلورة خطة تحرك متصاعدة وبشكل تدريجي.

وأخيراً، ونحن على مسافة أيام من ذكرى انطلاقة «جبهة المقاومة اللبنانية» (جمول)، نؤكد أن فلسطين ستبقى القضية وإليها سنعود لنحدد بوصلة الصراع واتجاهاته؛ فلطالما شكّل شعار الوحدة العربية طريقاً لتحرير فلسطين، إلّا أن ذلك الشعار لم يحقق، لا الوحدة ولا التحرير، فلنغير المعادلة عكسياً باتجاه أن تشكل فلسطين طريق الوحدة العربية، وعلى قاعدة المقاومة لاستعادتها، ولمواجهة تلك الهجمة الإمبريالية الغربية في منطقتنا. وفق هذه الرؤية، ترانا نؤكد، أن الأمور ستستقيم وتستوي وستصبح طريق النضال واضحة وضوح الشمس، لا لبس فيها ولا التباس...