Menu
حضارة

نهج التنازلات يؤدي إلى هذه النتائج المدمرة: الشباب هم الأمل

صلاح صلاح

ليس كافياً القول إنك صاحب الحق، بل الأهم هو كيف تتمسك بحقك، وتدافع عنه وتحميه، وليس واقعياً الرهان على ميزان العدالة في العالم لنيل الحقوق، فالعدالة في مقاييس الهيئات الدولية يتحكم فيها الأقوياء، يخدعون بها الضعفاء، ويضللون الأتباع والمهزومين. الحق لا يناله إلا الأقوياء ولن يحققه إلا من يقاتل ويضحي في سبيله.
انطلاقاً من هذه الخلفية، برز تياران في مسيرة الثورة الفلسطينية ما قبل النكبة وما بعدها؛ التيار الذي يميل إلى المساومة وتقديم التنازلات والرهان على العدالة الدولية لتمكينه من الحصول على بعض حقوقه، وتيار متمسك بكامل الحقوق ولا يثق بعدالة الهيئات الدولية المنحازة منذ قرار التقسيم ١٩٤٧ للحركة الصهيونية الذي يشرّع الاغتصاب ويدعم المعتدي على صاحب الحق.
وقد عبّرت بعض القيادات الفلسطينية عن نهجها التنازلي بشكل واضح ومحدد في ما سمي البرنامج المرحلي الذي يعلن لأول مرة في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، القبول بدولة على الجزء المحتل من فلسطين عام ١٩٦٧ بحجة أن العدالة الدولية ستنفذ قرارها بفرض الانسحاب على (إسرائيل)، حيث يستطيع الفلسطينيون بعدها أن يقيموا دولة، ينطلقون منها لتحرير ما تبقى من فلسطين، لكن اعتراف الهيئات القيادية لمنظمة التحرير الفلسطينية بقرار ٢٤٢، ولاحقاً اتفاقات أوسلو أسقط الشك باليقين؛ بأن أقصى ما يريده أصحاب الاتفاقات دولة ضمن حدود ٦٧ مقابل التنازل عما تبقى من فلسطين، والاعتراف بدولة الكيان الغاصب.
في السياق ذاته، يدخل تفسير الخلاف حول وساطة المندوب الأميركي فيليب حبيب حول وقف الحرب التدميرية التي كانت تقوم بها قوات العدو الصهيوني وعملائه مقابل خروج م.ت.ف، ومؤسساتها، ومقاتليها من لبنان.
قيادات فلسطينية توافق على المبدأ وتفاوض على الشروط الأفضل للخروج، في حين كانت قيادات أخرى تطرح فكرة استمرار المقاومة وترى أنها فرصة أن نلاحق العدو ونوقع به خسائر لا يستطيع تحملها فوق أرض نحن أدرى منه بمعرفة تضاريسها وجغرافيتها. كان المقاتلون يخططون ويجدون صعوبة بالوصول إلى العدو داخل فلسطين، الآن، هو بيننا ينتشر على مساحات واسعة بأفضل الظروف لحرب العصابات التي تُجيدها المقاومة.
وعندما تقرر المغادرة برز الخلاف من جديد حول إلى أين؟ يضغط البعض لأخذ خيار التوجه إلى دمشق ليبقى الكفاح المسلح على مقربة من الحدود مع فلسطين، ولتعزيز الموقف السياسي لسوريا في رفضها الدخول بمفاوضات على طريقة السادات، ولتشجيع ودعم الحركة الوطنية اللبنانية لأن تقوم هي بتشكيل مقاومة لعدو يحتل أرضها (تبنت الجبهة الشعبية هذا الموقف، وقام الأمين العام الدكتور جورج حبش في جولة لقاءات مع قيادات الحزب الشيوعي، منظمة العمل الشيوعي، حزب العمل الاشتراكي، الحزب السوري القومي ليطرح لهم الفكرة ويبلغهم أن الجبهة تضع كل إمكانياتها تحت تصرفهم، وعلى استعداد أن تقاتل تحت رايتهم)، لكن قيادات أخرى أصرت على التوجه غرباً، وحاول أبو عمار إقناع الحكيم ليذهب معه لكنه رفض رفضاً قاطعاً لأنه أدرك أن هذا الاتجاه يؤدي إلى الدخول في لعبة الحل السياسي إلى مداها الكامل. وقد برزت خطورة هذا الخيار السياسي أكثر ما يكون في الموقف من الانتفاضة الفلسطينية التي انطلقت عام ١٩٨٧؛ التي علقت عليها الجبهة الشعبية آمالاً كبيرة، خاصة الحكيم، حيث كان يرى فيها فرصة تاريخية لأن يتمكن شعبنا في الضفة والقطاع من أن يفرض على العدو الإسرائيلي الخروج مهزوماً تحت تأثير زخم الانتفاضة المنظمة والمفتوحة على أوسع مشاركة جماهيرية من مختلف القطاعات وعلى جميع المستويات وبقدر غير مسبوق من التكافل الأسري والتضامن المجتمعي، والقدرة على الاستمرار والمواجهة متحدية كل أساليب القمع والاضطهاد التقليدية والمبتكرة من قبل أجهزة العدو.
هذا التفاؤل الكبير عند الحكيم بإمكانية أن تحقق الانتفاضة انتصاراً استراتيجياً بتحرير المناطق المحتلة عام ٦٧ كمرحلة أولى على طريق التحرير الكامل، كان يقابله استخدام الانتفاضة كورقة ضغط في المفاوضات السرية والعلنية التي انتهت باتفاق أوسلو المشؤوم. فالأزمة التي تعيشها الساحة الفلسطينية هي بفعل هذا النهج المأساوي الذي لم يُنتج إلا اتفاقيات قدمت تنازلات غير مسبوقة للعدو الإسرائيلي، ليس هذا فقط بل الأخطر أنها غيّبت المرجعية الفلسطينية (م.ت.ف) وأفقدتها دورها كقيادة وحدة وطنية موثوقة ومحترمة من شعبها، وألغت برنامج الإجماع الوطني (الميثاق)، وأوجدت مراكز قوى متعددة (السلطة في الضفة، السلطة في غزة، التحالف في سوريا، يسار مربك وغير موحد)، والأسوأ من ذلك تفتيت الشعب الفلسطيني (غزاوي، ضفاوي، م٤٨، مقدسي، لاجئ الشتات(.
الوضع الفلسطيني كما هو عليه مريح جداً للعدو الإسرائيلي؛ ففي الضفة أنجز بناء الجدار العنصري، ومستمر في بناء المستوطنات، وأخذ الغطاء الأميركي بتهويد " القدس العاصمة الموحدة لدولته". أخضع مناطق الضفة لرقابته الأمنية بدون اعتبار للتقسيمات أ.ب.ج، مطمئن لاستمرار التنسيق الأمني، يحكم سيطرته على الوضع الاقتصادي والمالي، والحكومة في سلطة الضفة لا يتجاوز دورها حكومة تسيير ذاتي، ولا يعطي وزناً لقرارات هيئات م.ت.ف لأنه يدرك أنها لن تنفذ.
وفي قطاع غزة؛ يعلن قادة العدو بأنهم لا يريدون دخوله، ويستمرون بالضغط عليه اقتصادياً، ويقومون بضربات عسكرية متتابعة للوصول إلى هدنة دائمة تعطل مفعول السلاح الذي تمتلكه المقاومة، وتتعايش مع مسيرات العودة مهما طالت وتوقع بها خسائر مقصودة لتجعلها عبئاً إضافياً مرهقاً على منظميها.
وتأتي صفقة ترمب لتدعم كل ما قام ويقوم به العدو الإسرائيلي من خطوات وتعطي غطاءاً لتطبيق القضايا المؤجلة للمرحلة النهائية حسب اتفا أوسل، بما يتوافق مع المنظور الصهيوني لها بدون العودة للطرف الفلسطيني؛ القدس الموحدة عاصمة (إسرائيل)، لا عودة للاجئين، ودعم  "قانون الدولة اليهودية".

ربما الجانب الأهم في صفقة القرن (مبادرة ترمب) هو الآفاق التي يفتحها أمام إسرائيل لتطبيع علاقاتها مع الأنظمة العربية، ومشاركتها الاستغلال الاقتصادي والنفوذ السياسي والهيمنة الأمنية، خاصة على السعودية ودويلات الخليج. وقد يكون صحيحاً ما يراه البعض من أن الولايات المتحدة التي أخذت تركز اهتمامها على جنوب شرق أسيا والهادي في مواجهة الصين تعمل على توكيل (إسرائيل) في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في المناطق الساخنة كإيران وسوريا والعراق واليمن، وإطلاق يدها في الموضوع الفلسطيني. رغم كل ما تقدم فإن التاريخ يثبت أن الشعب الفلسطيني لن يتنازل عن حقوقه وأنه قادر على التجديد وابتداع أساليب للمواجهة؛ فعندما كانت القيادات الفلسطينية تعتمد أسلوب التفاوض مع الانتداب البريطاني وتستعين به لمواجهة المشروع الصهيوني، برز جيل من الشباب يرى خطأ الرهان على بريطانيا لأن وجودها أصلاً، وبتكليف من عصبة الأمم هو لتنفيذ وعد بلفور البريطاني بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وأن الخيار الوحيد هو إعلان الثورة المسلحة، التي أجهضتها الأنظمة العربية. بعد النكبة اعتقدت الولايات المتحدة الأميركية أنها تستطيع استغلال حالة الإحباط والوضع المأساوي للاجئين لتصفية القضية من خلال مشاريع التوطين والتهجير والتجنيس، فبرز جيل ما بعد النكبة وتصدى لكل المشاريع التي كانت تتكرر في كل عام ولا زالت واستطاع إفشالها، وأسس للثورة الفلسطينية الحديثة في منتصف الستينيات، ومن جديد تدخلت بعض الأنظمة العربية للقضاء عليها وتواطأت لإدخالها في النفق المظلم "للسلام"!!
الانتفاضة في أواخر الثمانينيات أحد إبداعات الشباب لرفض الهزيمة والاستسلام، وها نحن اليوم أمام مرحلة جديدة يثبت فيها الشباب في مسيرات العودة والمقاومة في غزة، وفي العمليات البطولية في الضفة، وفي الحراك الشعبي في لبنان ومواقع اللجوء والشتات أنه أمل المستقبل.