Menu
حضارة

في عوامل الحد من الهجرة

عبد الإله بلقزيز

يتصل تراجع عمليات هجرة العمالة العربية إلى أوروبا بما حصل من تحولات اقتصادية فيها، بدءاً بسنوات نهاية السبعينات، وبما شهدت عليه من أزمات اجتماعية ومالية كبرى، شديدة الأثر والوطأة، كانت آخر فصولها أزمة العام 2007-2008 وامتداداتها إلى العام 2012. وإذا كانت هجرة اليد العاملة من البلاد العربية، ومن بلدان الجنوب والمستعمرات السابقة، قد ارتبطت بنمو حركة التصنيع واتساع نطاقها في أوروبا الغربية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى نهاية السبعينات، وتزايد حاجة المشروعات الصناعية الكبرى والمتوسطة إلى قوى عاملة تغطي الحاجة، فإن تراجع التصنيع وتضاؤل الاهتمام به في السياسات الاقتصادية العامة استجر تناقصاً شديداً في الطلب على اليد العاملة، وبالتالي انعكس ذلك سلباً على حركة الهجرة إلى بلدان المركز، كما على أوضاع المهاجرين السابقين الذين وجد قسم كبير منهم نفسه يفقد عمله، بعد تصفية مشاريع الصناعة أو تحويلها.

أكبر تحول ستشهد عليه اقتصادات أوروبا، بالتدريج، هو التحول من الصناعة إلى المال والأعمال؛ وهو يتزامن مع بدايات الثورة التكنولوجية الجديدة التي أطلقت نتائج عميقة في ميادين الإنتاج ليس أقلها الاستغناء عن العمل والمهارات اليدوية. كانت بريطانيا أول دولة في أوروبا تقتفي النموذج الاقتصادي الأمريكي؛ فتنتقل من نموذج الرأسمالية الصناعية إلى نموذج الرأسمالية المالية. وشهدت سيرورة الانتقال هذا على اندفاعة كبيرة في الثمانينات، على عهد المحافظين وحكومات مارجريت تاتشر، في الوقت عينه الذي كانت فيه أولى موجات العولمة تتدفق على العالم. ما لبث النموذج هذا أن بدأ يتعمم في باقي أوروبا (فرنسا، وهولندا، وإيطاليا، وإسبانيا)، ولم يكد ينأى بنفسه عنها، قليلاً، سوى ألمانيا التي لم تتخلّ عن صناعتها ومركزية تلك الصناعة في العالم، حتى وهي تنخرط في عملية العبور نحو الرأسمالية المالية. ومنذ ذلك الحين من استتباب نموذج الرأسمالية المالية، في معظم دول أوروبا، في منتصف تسعينات القرن الماضي، دخلت هذه الدول طور أزمة اقتصادية مفتوحة لم يخفف من وطأتها سوى الاندماج الاقتصادي الأوروبي، في منظومة الاتحاد الأوروبي، ودور ألمانيا النشط في امتصاص آثار أزمة أوروبا من أجل إنجاح مشروع الاتحاد. مع ذلك ضرب الإفلاس بلداناً مثل اليونان وإلى حد ما، البرتغال مثلما كاد أن يطيح بإسبانيا وإيطاليا.

تزامن الانتقال من الرأسمالية الصناعية إلى الرأسمالية المالية، في أوروبا، من انهيار الاتحاد السوفيتي والمنظومة «الاشتراكيّة» في شرق أوروبا، مع إعادة توحيد شطري ألمانيا. وما من شك في أن أكبر المستفيدين من التحولات تلك هي ألمانيا بالذات؛ إذ هي استعادت وحدتها المفقودة؛ وحدة أرضها وشعبها ومقدراتها. وأمكنها - لقوتها الاقتصادية في ذلك الحين (القوة الثالثة عالمياً بعد الولايات المتحدة واليابان) - أن تستفيد من وحدتها لتعظيم قوتها، ولجذب القوى العاملة المؤهّلَة من كل بلدان شرق أوروبا، كما من تحويل هذه الأخيرة إلى سوق جديدة بل إلى حديقة خلفية - لها. ولعلّ هذه المعطيات المستجدة هي ما دفع ألمانيا إلى التمسك بمشروعها الصناعي الضخم، وعدم التخلي عنه كما فعلت بريطانيا كلياً أو فرنسا أحياناً. ولكن الأهم في هذا التحول هو أن انهيار شرق أوروبا، ثم انضمام أكثر دولها - في ما بعد - إلى الاتحاد الأوروبي ولَّد معطيين مستجدين في بلدان أوروبا المستقبلة للعمالة الأجنبية (أوروبا الغربية)؛ تدفق موجات هائلة من المهاجرين من شرق أوروبا إليها؛ ثم ارتفاع نِسَب وأعداد العاطلين عن العمل من الشباب فيها. وزاد من ثقل تأثير العاملين المشار إليهما، أن بلدان أوروبا تلك لم تكن في وضع اقتصادي مناسب يساعدها على تحمل كلفة هذا التطور.

ما كان يسع أوروبا أن تكبح جماح تدفق الهجرة إليها من شرق أوروبا، لأن انضمام دول أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي يخول لمواطنيها حق التنقل الحر لمواطنيها في بلدان الاتحاد. ومشكلتها مع هجرة تلك الأعداد الكبيرة من المهاجرين واندماجهم في سوق العمل، أن ذلك في جملة أسباب ارتفاع نسب البطالة فيها، داخل الفئات القادرة على الاندماج في عالم الإنتاج، فضلاً عن التناقص الحاد في وظائف الشغل فيها نتيجة الأوضاع الاقتصادية التي أنجبها انتقال معظمها من اقتصاد إنتاجي قائم على الصناعة والزراعة إلى اقتصاد خدماتي وطفيلي قائم على التجارة والمال والأعمال.

أصابت الهجرة العربية إلى بلدان المركز نتائج هذا التحول، المشار إليه، الذي أدى إلى اضمحلال الاقتصاد الصناعي (والزراعي) في أوروبا، وإلى تدفق هجرة أوروبية شرقية بعد الانهيار «الاشتراكي». قاد الاضمحلال ذاك إلى تناقص فرص العمل، فيما قادت الهجرة تلك إلى مزاحمة عمالة أورو - شرقية مؤهلة لعمالة عربية أضعف تأهيلاً. وكان ذلك بدايةَ النهاية ل «موسم الهجرة إلى الشمال». مع ذلك، ظل هناك، في بلدان المراكز الرأسمالية العالمية، بعض الطلب على الهجرة، والاستعداد لاستقبال المهاجرين وإدماجهم. ولكنه كان - وما زال - طلباً على نوعية خاصة من مهاجرينا: على العقول والخبرات والكفاءات العلميّة التي أنفقت مجتمعاتها وشعوبها الغالي والنفيس من أجل تكوينها وتأهيلها. هكذا، وبعد زمن كانت فيه ثرواتنا الطبيعية عرضة للنهب الرأسمالي العالمي، ولجنا حقبة جديدة من النهب عينه: نهب الثروة البشرية.