Menu
حضارة

تركيا وإيران: صراع الأدوار وتعارض المصالح

محمّد جبر الريفي

خاص بوابة الهدف

شكلت الأزمة السورية التي مضى عليها ما يقارب عقدًا من الزمن بيئة مناسبة للتعارض بين الأدوار الإقليمية والدولية، وهو الأمر الذي شحنها بعامل الاستمرار وعدم الوصول بها إلى حل سياسي يحفظ وحدة الأرض السورية وسيادة دولتها الوطنية، وبذلك تساوت هذه الأزمة بخروجها عن طابعها المحلي مع الأزمات الدولية المزمنة التي لا تجد حلولًا لها إلا ضمن توافق دول إقليمية ودولية كبرى. أزمة شكل بها العامل القومي والمذهبي دورًا كبيرًا في إذكاء روح التنافس على الهيمنة والنفوذ في المنطقة، بين تركيا ذات النزعة القومية الطورانيه والمذهب السني، وإيران ذات النزعة القومية الفارسية والمذهب الشيعي، وهما من أكثر الدول الإقليمية وغير العربية في المنطقة انغماسًا في الصراع الدائر على السلطة السياسية في سوريا، وعلى كل ما يتعلق بمستقبل منطقة الشرق الأوسط وما يحدث فيه من متغيرات نوعية.

لقد أبرزت الأزمة السورية على نحو واضح خطوط التعارض بين الدور التركي والدور الإيراني، ليس فقط في المجال السياسي، بل إن شكل التعارض بينهما تمت ترجمته على أرض الواقع من خلال تدخلهما العسكري؛ فالقوات التركية تتمركز في شمال البلاد دفاعًا عن المصالح القومية في مواجهة طموحات ومطالب الأقلية الكردية على جانبي الحدود السورية التركية التي تسعى للانفصال، إما بتشكيل دولة قومية خاصة بها، أو بإقامة إقليم حكم ذاتي على مثال إقليم كردستان العراق، وذلك تحقيقًا للحفاظ على شخصيتها القومية المستقلة من محاولة التبديد والطمس للهوية والإنكار للحقوق الوطنية، وقد التقت هذه المصالح التركية مع قوى المعارضة السياسية والعسكرية للنظام السوري، وهي معارضة مدعومة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومن أطراف عربية موالية لها، كبعض دول الخليج العربية. ومعارضة هذه القوى جميعها للنظام السوري ليس انطلاقًا من الحرص على قضية الديموقراطية، بقدر ما هو إخراج سوريا من موقعها السياسي الوطني والقومي المعادي للكيان الصهيوني وللسياسة الأمريكية.

استمرار الأزمة السورية التي راحت تتفاقم نتيجة لعناصر هذه الأزمة الداخلية التي أخذت تنمو سريعًا بتدخل تركيا والغرب والرجعية العربية، سارع في تدخل كل من إيران وروسيا وحزب الله اللبناني دفاعًا عن النظام، وعن موقع سوريا في الخارطة السياسية العربية الإقليمية، وهو ما أحدث تغييرًا نوعيًا جوهريًا في طبيعة الصراع، ترتب عليه مع الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على سوريا، انتقال مركز الثقل في النضال القومي إلى سوريا، وذلك لأول مرة بعد تراجع المد القومي بسبب هزيمة يونيو حزيران 67 التي ترتب عليها تأثيرات سلبية كبيرة على مجمل حركة التحرر العربية. 

على الأرض السورية يدور الصراع حاليًا بين الأدوار السياسية والعسكرية المتناقضة في المصالح والأهداف؛ تركيا والولايات المتحدة الأمريكية والقوى السياسية اليمينية الرجعية والظلامية المتطرفة في جانب، مقابل إيران وحزب الله وروسيا من جانب آخر. أما الكيان الصهيوني فدوره الحقيقي ينحصر في المجال السياسي بإبعاد أي دور عربي قومي فاعل في المنطقة، كما كان الحال للدور السياسي المصري في المرحلة الناصرية، وفي المجال العسكري إثبات قدرته على مجابهة الآلة العسكرية الإيرانية خاصة الصاروخية منها، ذلك لأنه على طول الحدود الإسرائيلية في الشمال تتموضع الآن ليس بعيدًا عنها قوات الحرس الثوري الإيراني وقوات حزب الله اللبناني، وكذلك على الحدود السورية العراقية قوات الحشد العراقية التي هاجمتها مؤخرًا الطائرات المسيرة الإسرائيلية، مما يشكل بداية مرحلة جديدة من النضال ضد المشروع الصهيوني وبقوى متجانسة عقائديًا على مستوى الرابطة الدينية المذهبية، فالمحرك الرئيسي للصراع في المنطقة أخذ يتأكد أكثر في هذه المرحلة، بعد انسداد مشاريع التسوية السياسية للقضية الفلسطينية بسبب تعنت الكيان الصهيوني والانحياز الأمريكي، وهو التناقض الأساسي مع الوجود الإسرائيلي.