Menu
حضارة

الخليل على طريق الضم العلني

عوني صادق

منذ اليوم الأول الذي انجلى فيه غبار عدوان يونيو/ حزيران 1967، كانت خطط الاستيلاء على ما بقي من فلسطين بعد نكبة مايو/ أيار 1948 جاهزة في عقول، وعلى طاولات القيادات «الإسرائيلية» المنتصرة، وكان الاستيطان والتوسع فيه أول المخططات. كان وضع اليد بمختلف الطرق على «الأرض الجديدة» هو ما يشغل تلك القيادات، وما تتوسّله بكل الوسائل: المصادرة، قانون أملاك الغائبين، إعلان مناطق عسكرية مغلقة، مناطق للتدريب.. إلخ، وكانت هناك «المدن المقدسة» لتتوافق الوقائع وتساير الأساطير التوراتية: القدس والخليل.

بالنسبة إلى الأولى، لم يتأخر الوقت كثيراً حتى أعلنت القيادة ضمها «قانونياً» واعتبارها العاصمة الأبدية ل «إسرائيل».

أما بالنسبة إلى الثانية، فقد كان لا بد أن يمر وقت طويل ليتم الإعلان عن ضمها. مبكراً بدأ الاستيطان من حولها عندما بنت منظمة (غوش إيمونيم) الدينية المتطرفة مستوطنة (كريات أربع) العام 1968 بدعم من قادة حزب العمل، ثم محاصرتها بالمستوطنات في المحيط، وأخيراً بانتقال الاستيطان إلى البلدة القديمة.

وفي الخامس والعشرين من شهر فبراير/ شباط 1994، ارتكب الإرهابي الصهيوني باروخ جولدشتاين، مجزرته في الحرم الإبراهيمي، فكانت مرحلة جديدة رسمت ملامح واضحة لمستقبل المدينة. وبحجة منع الاحتكاك بين سكان المدينة والمستوطنين الطارئين، تم تقسيم الحرم مكانياً، وزمانياً، فزاد المستقبل وضوحاً في العام 1997، وقعت السلطة الفلسطينية «اتفاقية الخليل» مع نتنياهو، فوظفتها الحكومات «الإسرائيلية» المتعاقبة لتعزيز الاستيطان في البلدة القديمة.

وفي الرابع من سبتمبر/ أيلول الجاري، قبل أيام من الانتخابات المعادة للكنيست، وعلى طريقة أرييل شارون في اقتحامه للمسجد الأقصى في العام 2000، والذي كان اقتحامه للمسجد شرارة الانتفاضة الثانية، اقتحم بنيامين نتنياهو مدينة الخليل ليصل إلى الحرم الإبراهيمي، متزامناً مع الذكرى ال (90) لهبّة البراق 1929، التي بدأت في ساحة البراق، وامتدت إلى الخليل، وانتهت باقتلاع الاستيطان من قلب المدينة. ومما كان له دلالاته من حيث الإجماع «الإسرائيلي»، أن سبق نتنياهو إلى الحرم الإبراهيمي كل من رئيس الدولة رؤوبين ريفلين، ورئيس الكنيست يولي أدلشتاين، فاكتمل النظام السياسي بأعمدته الثلاثة. ومن هناك تحدث نتنياهو قائلاً: «لقد جئنا إلى الخليل وباقون فيها إلى الأبد».

لم يكن ذلك الاقتحام وليد ساعته، أو من قبيل الدعاية الانتخابية، كما يظن بعض الفلسطينيين، وإن كان فيه شيء من الدعاية، بل كان خطوة عملية، وتأكيداً للنوايا والخطط المعلنة حول مستقبل المدينة، وكمن أراد أن يقول حان الوقت لضمها علناً ورسمياً.

كانت نية نتنياهو قد ظهرت في خطوة سابقة، عندما قرر في شهر يونيو/ حزيران الماضي إنهاء عمل بعثة المراقبة الأممية في الخليل، متهماً إياها بالانحياز للفلسطينيين وعرقلة عمل الحكومة «الإسرائيلية»، وتعقيد الأوضاع في المدينة. وقد احتجت على قراره الأمم المتحدة، ودول أوروبية، لكنه لم يُعر تلك الاحتجاجات اهتماماً. وبعد خطوته الأخيرة، لم يبق إلا انتظار لحظة مؤاتية لإعلان الضم العلني للمدينة.

لقد سبق القول إن عملية الاستيلاء على المدينة بدأت بمحاصرتها أولاً بالمستوطنات، ثم بنقل الاستيطان إلى البلدة القديمة، وأخيراً صار التركيز من خلال استيلاء المستوطنين على بيوت الفلسطينيين فيها، وتهجير السكان بكل الطرق الممكنة، وبحماية الجيش «الإسرائيلي» وتوجيهات الحكومات «الإسرائيلية» التي ترأسها نتنياهو في العقد الأخير. وبكذب صريح، نفى نتنياهو أن أحداً طرد الفلسطينيين من المدينة، لكن بعثة المراقبة الأممية في الخليل كذبته، حيث تحدثت في تقاريرها عن «خروق للقانون الدولي الإنساني» ارتكبها الجيش «الإسرائيلي» والمستوطنون. وأظهرت تقارير البعثة أن نحو 68% من سكان البلدة القديمة جرى تهجيرهم منذ احتلال 1967، وأن أكثر من 70 ألفاً آخرين يعيشون «حالة مستحيلة» بسبب الحصار وممارسات الجيش والمستوطنين.

ردود الفعل على «زيارة» نتنياهو لم تتجاوز المعتاد، لا على المستوى الفلسطيني، ولا المستوى العربي، إذ لم تزد على بعض الشجب والاستنكار ومطالبة «المجتمع الدولي» بفعل شيء تجاه ما أقدم عليه نتنياهو، وأركان نظامه. ذلك ما توقعه نتنياهو عندما أقدم على خطوته، والحقيقة أن أحداً لم يكن ينتظر أكثر من ذلك، فلن تكون الخليل أهم من القدس. لقد بات واضحاً أن «إسرائيل» لا تحسب حساباً لقول أو فعل يقل عن مواجهة جادة مستمرة توقع فيها الخسائر في الأموال والأرواح، وليس من مرشح لهذه المواجهة إلا أصحاب الحق، أصحاب الأرض، فإن لم يتحرك هؤلاء لن يقف في طريق «إسرائيل» شيء، حتى تحقق كل ما تطمع فيه.