Menu
حضارة

وعد نتنياهو وما بعده

عبد الله السّناوي

نقلا عن الخليج الإماراتية

لم يكن الوعد، الذي أطلقه بنيامين نتنياهو، ب«فرض السيادة «الإسرائيلية» على جميع مناطق غور الأردن، وشمال البحر الميت، والمستوطنات بالضفة الغربية» جديداً على خطابه السياسي، ولا طرأ فجأة على مركز صنع القرار في الدولة العبرية التي لا تعرف لها حدوداً بعد أكثر من سبعين سنة على إعلانها.
ما استدعى السجالات «الإسرائيلية» التي أعقبت وعد نتنياهو، وقد جاءت حادة وصاخبة، توقيته عشية انتخابات الكنيست، لا نصه ولا تقويضه للقانون الدولي، و«حل الدولتين» في أي تسوية متخيلة للصراع الفلسطيني «الإسرائيلي».
طرحت تساؤلات على صفحات الصحف «الإسرائيلية»: لماذا لم يقدم نتنياهو على هذه الخطوة طوال سنوات حكمه الطويلة، والقانون «الإسرائيلي» يتيح له ضم غور الأردن من دون حاجة إلى وعد مرهون بإعادة انتخابه؟
وسط أجواء التوظيف الانتخابي المفرط للأمن والتوسع الاستيطاني تبدت في ظلال ذلك الوعد حقائق أساسية.
الأولى: إن مشروع الضم والتوسع الاستيطاني يلاقي استجابة كبيرة في الرأي العام «الإسرائيلي» لا تقتصر على من يوصفون باليمين الاستيطاني، أو الجماعات الدينية المتشددة، إذ إن كتلاً مؤثرة في الوسط تتبنى المشروع نفسه، شاملاً غور الأردن، مع بعض التعديلات في طبيعة هذا الضم.
وإحدى الفرضيات التي ترددت في السجالات «الإسرائيلية»، أن نتنياهو أراد من وعده في توقيته أن يخاطب تلك الكتل الانتخابية، التي تميل إلى «قائمة أزرق وأبيض»، أو ما تعرف ب«حزب الجنرالات»، منافسة الليكود الرئيسية في انتخابات الكنيست.
ولا نتنياهو، ولا منافسوه، يأبهون كثيراً بأحاديث القانون الدولي والمرجعيات الدولية وحل الدولتين، ولا بأي شيء من هذه الحجج القانونية والسياسية التي تضمنتها بيانات التنديد العربية والدولية، من الجامعة العربية، إلى الأمم المتحدة.
الثانية: التوظيف الانتخابي لأي وعد من هذا النوع لا يمكن أن يحدث أثره إلا بقدر ما يثيره من قضايا أهم من الانتخابات نفسها.
الأمن هو الهاجس «الإسرائيلي» الأول، والمبالغة فيه تعبير عن درجة من القلق المزمن، والشعور بأن كيان الدولة مهدد، ومصيرها معلق على مجهول مفاجئ.
وباسم الأمن «الإسرائيلي» استخدم نتنياهو كل الأوراق المتاحة ليقول للناخبين «الإسرائيليين» بعد (13) سنة في الحكم إن وجوده على رأس الحكومة ضمانة أمن لا غنى عنها، ولا أحد غيره قادر على توفير احتياجاته، ومتطلباته.
وأفلت عياره واتهم عرب (48) بأنهم يريدون تدمير «إسرائيل»، الأطفال والنساء، وكل شيء فيها، لمجرد أنه يعتقد أنهم سوف يصوتون ضده، وكان ذلك الاتهام رسالة ملغومة بأنه مستعد لتهجيرهم قسرياً، إذا ما سنحت الفرصة أمامه.
وبتعبير أفيجدور ليبرمان، حليفه، ووزير حربه السابق، فإن حكومة نتنياهو إذا ما ربح الانتخابات سوف تكون «حكومة تقف على حافة الجنون»، وربما كان ذلك توصيفاً صحيحاً شرط أن يمتد المعنى إلى «ليبرمان»، وما يمثله.
الهوس بالأمن يرادف بصورة ما، الوقوف على حافة الجنون، لكننا لا ندرك في العالم العربي الحقائق، ولا نكف عن إهداء «إسرائيل» الجوائز المجانية.
في الأمتار الأخيرة قبل الانتخابات «الإسرائيلية»، قام نتنياهو بعمليات عسكرية في سوريا والعراق ولبنان وغزة، كادت تضع الإقليم على حافة حرب باهظة التكاليف، لا يحتملها، ولا يريدها أحد، ليثبت أهليته لمواجهة ما يطلق عليه «الخطر الإيراني» الرابض على الحدود السورية.
وزار منتجع سوتشي للقاء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لإعادة التأكيد على الرسالة نفسها للمترددين في إعادة انتخابه، خاصة في أوساط اليهود من أصول روسية.
الثالثة: أسوأ ما كان ينتظر نتنياهو وحملته الانتخابية في أيامها الأخيرة، إطاحة اثنين من أقوى حلفائه في البيت الأبيض، جيسون جرينبلات، أحد كبار مهندسي «صفقة القرن»، والمبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى الشرق أوسط، وجون بولتون، مستشار الأمن القومي، الذي أقاله الرئيس الأمريكي بطريقة مهينة نظراً لاتساع هوّة الخلافات بينهما.
المعنى أن «صفقة القرن» التي لم يعلن شقها السياسي حتى الآن، ماتت سريرياً، ولم يبق غير أن توارى وراء حجب النسيان.
الرابعة: الحقيقة الكبرى التي تغيب أحياناً، لكنها تؤكد حضورها دائماً، أن مفتاح الموقف في ما يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية هو الشعب الفلسطيني نفسه.
وكان هو البطل الأول في إفشال «صفقة القرن»، لكن أوضاعه قاسية، حيث هرولة بلا ثمن للتطبيع مع «إسرائيل»، وضغوط اقتصادية لا تطاق عليه، وانقسامات داخلية فادحة بين الضفة وغزة تنال من وحدته.
وأفضل ما صدر عن السلطة الفلسطينية تلويحها بإعلان انتهاء جميع الاتفاقات الموقعة، وما ترتيب عليها من التزامات إذا ما نفذ نتنياهو وعده بضم غور الأردن (30%) من مساحة الضفة الغربية، إضافة إلى المستوطنات، فالمعنى وقتها أنه لم تعد من السلطة غير لافتاتها، ومن التسوية غير سرابها.
إلغاء السلطة يضع القضية الفلسطينية مجدداً أمام عنوانها الحقيقي، دولة محتلة، وشعب محتل من حقه المقاومة بكل أشكالها، وفق القانون الدولي الذي لم تحترمه «إسرائيل» يوماً. - See more at: http://www.alkhaleej.ae/studiesandopinions/page/2f80da5f-625b-4484-a68e-fd86939fafde#sthash.fP12sm7H.dpuf