على مدار الساعة
أخبار » آراء

عن علي حين رأى الله

03 تشرين أول / أغسطس 2015

 برد جسد الصغير علي، فجأة، اختفى الألم المرعب الذي كان يحس به قبل قليل، شعر بجسده خفيفاً أكثر مما كان، إنه يسمع هسيس النار وطقطقتها لكنه لم يعد يحس بها، حتى الجوع الذي كان يقرصه لم يعد هناك، الأشياء صارت ناعمة وحُلوة، ويرى جسده متفحماً لكن روحه ترتفع ببطء ولا يمنعها سقف البيت ولا زجاج النوافذ، تطير كورقة ناعمة في الهواء، وتصعد راقصةً من دون أن يعيقها شيء، حامت حول الشجرة الصغيرة جوار البيت، وارتفعت مرة أخرى، رأت القتلة وهم ينسحبون من المكان فضحكت ولم يعجبها اللون الأسود الذي يرتدونه، لكنها لم تهتم، ومضت تصعد حتى غطى الغيم على صورة القرية، وابتلعت كثافة الهواء صراخ أم علي وبكاء أبيه، وأصبح كل شيء أبيض، والكون صار موسيقى، والعطر عبّأ الهواء.

السماء بدأت تتضح بلونها الفيروزي الداكن، لم يكن لونها يشبه ما رآه من الأرض في أيامه القليلة التي عاشها، صار يقترب أكثر وبدأت ملائكة بأجنحة صغيرة ملونة تحوم حوله، تملس جلده الأبيض الرقيق، وتنثر ماءً بارداً على قدميه الساخنتين، وتسير أمامه ليتبعها، شاهد أرواحاً كثيرةً تزقزق مثل بلابل في طريقه مع الملائكة، وأرواحا مشغولة بتماثيل ضوء غير مكتملة لأحبتها على الأرض، قال في نفسه إنه سيصنع تمثالاً لأمه ولزجاجة الحليب حين يفرغ من طقوس الدخول، ومضى كضوء في طريق من ضوء يلحق ملائكة من ضوء تتبعه ملائكة من ضوء أبيض.

فجأةً انبثق ضوء هائل من خلف عرش عظيم، لا يعرف علي كيف كانت الأشياء تتضح في رأسه النوراني الصغير من دون سابق معرفة، لكنه أدرك من ضمن ما أدرك، أنه في حضرة الله، بكل هذا البهاء الذي زوّق صدره الصغير.

ابتسم الله لعلي كما يفعل دائماً للأطفال الشهداء، وكما يفعل أكثر للأطفال الذين يموتون محترقين، ومن دون أن يشير بأي طريقة، دخلت روح علي فكرة أن الله يريده أن يقترب، فاقترب، كان الله جميلاً ليس كمثله شيء، رقيقاً ليس كمثله شيء، كان الرضا يلف المكان، وبدا وكأن العالم وقتاً ومكاناً قد توقفا على جمالٍ ليس كمثله شيء، فأي رضاً يمكن أن يوجد أكثر من أن تكون في حضرة الله.

لم يكن علي قد نطق على الأرض أكثر من ثلاث كلمات، ماما، بابا، مم، والأخيرة في الحقيقة ليست كلمة، لكن أمه كانت تفهم أنه يعني أنه جائع، فتعد له زجاجة الحليب، لكن مقدرته على الكلام في حضرة الله لم تذهله، فحين تكون شهيداً، وبالذات حين تستشهد محترقاً، وبالذات أكثر حين تكون طفلاً، فإن الله يمنحك ميزات أكثر مما للبشر العاديين حين يستشهدون، وعلي كان يجمع كل شيء في العام ونصف العام التي عاشها على الأرض، والتي لم تكن تكفي ليبدأ الله بمحاسبته على ما يقول أو يفعل.

صارت اللغة تسيلُ من أطرافه كلّها وكأنّ جسده كان يتكلّم بكلّ مساماته من دون أن يصدر عنه حرف واحد، لكنه كان يحس بنهر الكلام يصل إلى الله، وفي الوقت ذاته، كان مشهد احتراقه يتكرر أمام عينيه كصور متلاحقة، وفجأة بدأ يشعر بشعور الحزن الأرضي، ليس لأنه استعاد لحظة النار تلك وهي توغل في جسده، بل من مشهد أمّه وهو يخطر في ذاكرتها فيسيل نهران من حمضٍ على خديها، فالشهداء يفقدون كل إحساس بالعالم حين يذهبون، إلا إحساس واحد، علاقاتهم بأمهاتهم.

يا ربُّ، يا خالق النار ومنشئ الخلق من طير وشجر وبشر، أريتَني رحمتكَ حين صرتُ بين يديك، لذا لم يعد لدي ما أطلبه من جلال وجودك، ولا أمنية لي بعد السلام الذي بعثته في روحي.

يا ربُّ، يا من يؤجّلنا حتى نموت كي يرينا رحمته، اغفر لي ما سأطلبه، لكني أثق في واسع رحمتك، وعظيم قدرتك: أنزل السكينة على قلب أمي، وابعث لها ملاكاً ليخبرها أني بخير، فأنا لم أعد أحس بشيء مما على الأرض إلا دمعتها التي تقصقص جناحي الضوء عني، أريد لقلبها أن يهدأ، ولعينها أن تنام.

المصدر: السفير

رأي الكاتب لا يُعبّر بالضرورة عن رأي "البوابة".

خـالد جمعـة

مقالات أخرى للكاتب
انشر عبر