Menu
حضارة

في غياب "قانون" رادع..

لعنة الأخطاء الطبيّة تُواصل حصدَ أرواح المواطنين في غزة

أنسام القطّاع

صورة تعبيرية- وكالات

غزة_ خاص بوابة الهدف

حالة من السخط والخوف تُخيم على قطاع غزة بمجرّد انتشار نبأ وفاة أحد المواطنين بسبب خطأ طبّي، وسرعان ما تعلو الأصوات التي تطالب بمحاسبة مرتكبي هذه الأخطاء، من خلال تشريع قانون يضمن حقوق مُتلقّي الخدمات الطبية، وتشكيل لجنة متخصصة مستقلة، للتحقيق في كل حالة تدور حولها شبهات الخطأ الطبي.

الجدل المُعتاد تجدّد بعد وفاة الشابة نور القطاع (٢١ عامَا)، من سكان مدينة غزة، بتاريخ 13 يونيو 2019، بعد ساعاتٍ من دخولها مجمع الشفاء الطبي، وهي حامل بأربعة أجنّة، في الشهر السادس. وقالت عائلتها "إنّ إهمالًا طبيًا شديدًا هو ما تسبب بوفاتها".

تركوها تموت!

روت والدة نور للهدف تفاصيل الحادثة، وقالت "عندما دخلت نور في الشهر السادس، بدأت تشعر بتعب شديد وثِقَل في الحركة، وآلام في البطن، تبعها بعض المضاعفات –نزول مياه الجنين- وعليه توجّهنا فورًا إلى طبيبها الخاص- تتحفّظ الهدف عن ذكر اسمه- الذي أجرى لها عملية زراعة الأجنّة".

تابعت الأم "الطبيب وجد أنّ الطلْق مستمرٌ عند نور، ولا يتوقف، إضافة إلى ارتفاع في درجة حرارتها، فأعطاها 4 أقراص من الدواء لوقْف حالة الطلق، وكذلك حقنة ترامادول"، قبل أن يكتب لها تحويلة إلى مستشفى الشفاء.

لم يُرافق الطبيب الشابة، رغم حالتها الحرجة، وحمْلها الذي يُصنَّنف تحت بند "الحمل الخطر".

وصلت نور إلى مجمّع الشفاء، برفقة عائلتها، ومن كان في استقبالها أجلسها على كُرسي متحرك، وبعدها حاولت العائلة إيجاد غرفة لابنتهم، التي كانت حالتها تزداد سوءًا، قبل أن يجدوا واحدةً غير مُجهّزة، وظلّت الشابة بدون إشراف طبّي".

"استنجد مُرافقو المريضة بممرضةٍ كانت تتواجد في القسم، لكنها رفضت الحضور لفحص نور، بحجّة شجارٍ حدث مع زوج الأخيرة، على خلفيّة دخوله قسم النساء، رغم عدم وجود أي شخص في القسم سوى المريضة وذويها".

تُكمل الأم، وهي تُغالب دموعَها "تشنّجت ابنتي، وبدأ لونها يتحوّل إلى الأزرق، ورغم إخبار الممرضةَ بهذا، لم تُحرّك ساكنًا، وأصرّت على موقفها بعدم الحضور، قائلة (ولا يُمكن، لازم كل العيلة تيجي تعتذر)".

أعلت العائلة صراخَها على الممرضة والمستشفى طالبين النجدة. وحينما تنبّه الطاقم الطبي، أسرع بالتوجّه إلى نور، التي كانت وقتها تلفظ أنفاسها الأخيرة.

"تبيّنَ لنا فيما بعد أنّ رحم ابنتي لم يكن قادرًا على حمل الأجنّة الأربعة، لكن طبيبها الخاص لم يُعلمنا أن هذا كان خطرًا يُهدد حياتها، ولو كان أخبرنا لكُنّا أجهضنا عددًا من الأجنة حرصًا على سلامتها" قالت والدة نور، وختمت حديثها بمُطالبتها بضرورة مُحاسبة كل من كان سببًا في وفاة ابنتها.

إهمالٌ صارخ

حالة وفاة أخرى، اطّلعت الهدف على تفاصيلها، من خلال الخبير في قضايا التعويض، المحامي سمير المدني، الذي كان وكيل عائلة المواطن عارف أبو حصيرة، الذي تُوفِّي بسبب تعرضه لخطأ طبّي، بالعام 2013.

المحامي المدني سرد تفاصيل ما جرى مع المُتوفّى أبو حصيرة، الذي كان مصابًا بسرطان الغدد اللمفاوية، وقال "تعالج المريض داخل أحد المشافي في أراضينا المحتلة عام 1948، وأتمّ الشفاء، وبعد عودته لغزة أشار عليه أطباء بضرورة أخذ حقن احترازية، كي لا يعود إليه المرض، ووافق".

والحقن الاحترازية هذه عبارة عن 3 حقن، اثنتين يتم إعطائها للمريض في النخاع الشوكي، والأخيرة تُعطى في العضَل.

الخبير أكمل للهدف "في الموعد الذي كان محددًا لأخذ الحقن، استدعى الطبيب المعالِج طبيبَ التخدير، كي يُحدّد مكان الحَقْن"، لافتًا إلى أنّ "هذا النوع من الحقن يجب أن يُعطيه طبيبٌ مختصّ، لخطورة موضِعها- في النخاع الشوكي-".

حينها طلب الطبيب المعالِج من مُختصّ التخدير إعطاء المريض الحقن، فقام الأخير بخلْط الحقن الثلاث معًا وأعطاها للرجل"، وبعدها جاء ممرضٌ لإعطاء الحقنة الأخيرة في العضل، لكنّه لم يجدها، وعلى الفور تنبّه لما حدث".

ساءت حالة عارف أبو حصيرة، ولم تعترف المستشفى بفِعلتها، وجرى تحويله إلى مشفى بالأراضي المحتلة، لكنه توفى بعد أيام قليلة.

تقدم ذوو عارف وزوجته التي أصبحت بدون معيل هي وأبناؤها الثمانية، بشكوى إلى النائب العام في قطاع غزة، وعليه تم فتح تحقيق، وجرى تشكيل لجنة من المستشفى نفسها، وانتهى التحقيق بأنّ ما حدث كان "خطأ غير مقصود، والمريض كان مصابًا بالسرطان ونهايته الموت".

استهجن المحامي نتيجة التحقيق، وقال "إنّ الوزارة وضعت نفسها مكان رب العباد وحددت أن نهاية المريض الموت، رغم أنه شفي من السرطان". لافتًا إلى أن القضية تُنظر حاليًا في المحاكم.

ما موقف وزارة الصحة؟

المستشار القانوني في وزارة الصحة، سعيد البطة، وفي ورشة عمل مُتخصّصة نظّمتها مؤسسة "الضمير" لحقوق الإنسان، بعنوان "الأخطاء الطبية.. التأصيل القانوني والحماية الواجبة"، خصّص الجزء الأكبر من مُداخلته لاستعراض ما اعتبرها إنجازات و"نقاط تُدلّل على نزاهة وشفافية الوزارة" في التعامل مع هذا الملف.

وشرح البطّة آلية تعامل وزارة الصحة مع ما يرد إليها من شكاوى من مرضى ومواطنين، قائلًا "فور ورود الشكوى يتم التحفظ على الملف الطبي الخاص بها لدى الإدارة العامة للشؤون القانونية وترقيمه، ثم يتم تشكيل لجنة تحقيق، من خارج المكان المشكو ضدّه".

"تقوم اللجنة بالتحقيق وجمع المعلومات، وبناء عليها تُعدّ تقريرًا، تُسلّمه إلى النيابة العامة" بحسب البطة ، الذي لفت إلى أنّه في حال تأكّد وجود خطأ طبي "تتم محاسبة المخطئ/ـين، بحسب المادة 68 من قانون الخدمة المدنية، وتبدأ العقوبة بلفت النظر وتنتهي بالفصل، وفق مبدأ تناسُب العقوبة مع المخالَفة".

وأشار إلى وجود 15 قضية منظورة أمام محاكم غزة، ضد وزارة الصحة.

وأقر ممثل "الصحة" وجود فراغ قانوني في هذا الملف، مُطالبًا بإقرار قانون "المسؤولية الطبية" الذي سبق وأعدت الوزارة مسودة عنه، والذي من شأنه ضمان حق الطاقم الطبي والمريض على حدٍ سواء.

أين الخلل؟!

يرى خبراء أنّ الإشكالية في ملفّ مُحاسبة المتورطين بالأخطاء الطبية، تبدأ من اللجنة المُشكَّلة للتحقيق، التي يكون أعضاؤها من وزارة الصحة، فكيف يكون "القاضي هو الجلاد في ذات الوقت؟"، وهذا بالضبط ما تطرّق إليه المحامي أسامة الهيثم.

المحامي الهيثم، الذي تولّى عدّة قضايا تتعلّق بأخطاء طبّية، قال "انّ غالبية الأخطاء الطبية تقع في مستشفيات حكومية، ومن غير المعقول أن تدين لجنة مشكلة من الوزارة طبيبًا يعمل لديها، لأنها هي المسؤولة عن التعويض".

وتحدّث المحامي عن سابقة قضائية حصل عليها حديثًا، على إثر شكوى جزائية قدّمها للنائب العام اسماعيل جبر آنذاك، قبل 6 سنوات، في قضية خطأ طبّي تعرّض له مواطنٌ من سكان محافظة شمال غزة، في مستشفى كمال عدوان، بسبب حقنة مُسكّن، أُعطِيَت له في مكانٍ خاطئ.

النائب العام خاطب حينها وزير الصحة- مفيد المخلّلاتي- ليُشكّل لجنة تحقيق، وشكّلت الوزارة لجنةً من أطباء يعملون لديها، بالإضافة إلى مستشارها.

قرّرت اللجنة أنّ ما تعرض له للمريض كان "سقوطًا جزئيًا في القدم، ومضاعفات غير مقصودة"، وليس خطأ طبي، وعليه حفظت النيابة الشكوى– لم تُحِلها إلى المحكمة- وفق المحامي الذي تابع قوله "لذلك اجتهدنا بالطعن في قرار الحفظ نفسه".

ركّز المحامي عمله على التشكيك في لجنة التحقيق، التي شُكّلت من أطباء بوزارة الصحة، ولم تضمّ أيّ طرف مستقل أو ممثل عن المريض، وعليه كانت اللجنة "الخصم والحكم في نفس الوقت".

وصلت القضية محكمة الاستئناف، وتمكّن المحامي من إثبات وجود الخطأ الطبيٍّ، وعليه كسب الدعوى.

وبهذا الصدد، دعا الهيثم إلى تشكيل لجنة طبّية متخصصة ومستقلة للتحقيق في الأخطاء الطبية، حتى لا تكون وزارة الصحة هي الخصم والحكم، موضحًا أن تقارير اللجنة في الغالب لا تُدين الوزارة، واحتمالية توجيه اللجنة إدانة يكون أحيانًا في حال كان الخطأ داخل المستشفيات الخاصة" على حدّ قوله.

"بوابة الهدف" توجّهت إلى رئيس نيابة مكافحة الفساد وجرائم الأموال، والمختصّة بالتحقيق في الأخطاء الطبّية، بقطاع غزة، مؤنس حمودة، الذي بدوره بيّن المراحل التي تمرّ بها الشكوى المتعلقة بالأخطاء الطبية، كما تحدث عن كيفية تشكيل لجنة التحقيق وطبيعة عملها.

إجراءاتٌ جديدة

رئيس النيابة قال إنه تم استحداث إجراءات جديدة، فيما يتعلق بحالات الوفاة داخل المشافي- خاصة وحكومية- التي تدور حولها شبهات خطأ طبي أو ما شابهه.

في حالة الوفاة، أوضح حمّودة "نأمر المباحث الطبية- داخل المشفى- بضرورة عرض المتوفى المشكوك في أمره على الطب الشرعي، كإجراء احترازي أوّلي، بعدها يتم حصر الفريق الطبي الذي تعامل مع المريض. ورصد التاريخ المرضي للضحية. يتم توثيق هذا كلّه وحفظه، بغض النظر عن التقدم بشكوى" لافتًا إلى أن هذا الإجراء سارٍ منذ نحو عامين فقط.

وللنيابة العامة صلاحيةٌ تُتيح لها التحرّك في دعوى جزائية، بغض النظر عن تقدُّم الضحية أو ذويها بشكوى إليها أم لا، وفي هذا قال حمودة "انه في حال علمت النيابة بوجود خطأ طبي، تأمر جهات إنفاذ القانون بالتحرك فورًا".

أمّا في حالة الإصابة، بيّن حمودة أنّه "بمجرّد تقديم الشكوى يتم تدوين أقوال المصاب، وحصر الفريق الطبي، وتحديد المستشفى، والتاريخ المرضي للمصاب، ثمّ يبدأ التحرّي عن أية أخطاء، من قبل لجنة التحقيق".

وتتشكّل اللجنة، وفق النيابة، "من وزارة الصحة، وتشمل 3 أطباء: اثنان من نفس التخصّص واستشاري، بالإضافة إلى إداري وقانوني".

يبدأ عمل اللجنة بإجراء تحقيقٍ كامل، وفي حال تبيّن عدم وجود خطأ يتم حفظ الشكوى، وإبلاغ المُشتكِي، الذي يكون من حقه الاعتراض على القرار.

الاعتراض على تقرير لجنة التحقيق

قال حمّودة "إذا كان الاعتراض من طرف النيابة، لجهة التشكيك بتقرير اللجنة، فإنها تعتبرها لجنة فنية غير مُلزِمة للنيابة ولا القضاء، وقد تُشكِّل لجنة أخرى، من خارج مستشفيات وزارة الصحة، شرط أن يكون أعضاؤها موظفين حكوميين. أو تشكيل لجنة من استشاريين متقاعدين، أو أطباء أكادميين. وفي بعض الحالات قد يطلب ذوو الضحية إشراك طبيبٍ من طرفهم، ويتم هذا".

وأضاف "أما إن كان الاعتراض من قبل الضحية أو ذويها، فمن حقّه أن يتظلّم من إجراءات النيابة المختصة وفق سياسة التظلمات المتبعة من النائب العام (سياسة الباب المفتوح)، وذلك بأخذ صورة من قرار الحفظ والتظلّم أمام النيابة الكليّة ليتم دراسة ملف القضية مُجددًا. وإذا لم يُسلّم لقرار النيابة الكلية فمن حقّه التوجّه بقرار النيابة الكليّة إلى النائب العام، وفي حالة إصدار الأخير قرارًا بتأييد قرار النيابتين: المختصة والكلية، فمن حقّه أخذ صورة من قرار الحفظ والتوجّه إلى المحكمة المختصة إذا كان لديه بيّنات جديدة، هذه الأخيرة بدورها تُقدّر الأمر.

ولفت رئيس النيابة أنّ "الأساس في شكوى الخطأ الطبي- بالإضافة إلى دراسة أسباب الخطأ لضمان عدم وقوعه مُستقبلًا- هو التعويض المدني بالدرجة الأولى، لكن في بعض الحالات يقتضى الأمر أن يتم توقيف من أخطأ، ومحاسبته وفق (جسامة الفعل)".

ونوّه حمّودة إلى أنّه "في حال توجيه لائحة لطبيب/ممرض، يتم إعطاؤه مهلة زمنية بناءً على طلبه مع حقه في اتباع التظلّم من قرار الاتهام، بنفس الإجراءات الممنوحة للمُشتكي- المذكورة آنفًا- لمحاولة التوصل إلى حلول ودّية (تعويض) مع الضحية أو ذويها". وفي حال استنفاد كل الإجراءات بدون التوصل إلى حلول "يتم إيداع الملف لدى المحكمة المختصة لإجراء المحاكمة حسب الأصول".

الخلل لا يزال قائمًا!

إجراءاتٌ جديدة استحدثتها النيابة في التعامل مع الأخطاء الطبية، في محاولة لتجاوز هذا الملف الذي ربّما يُشكل لها "مسمار جُحا"، نظرًا لما يُحدثه من جدلٍ بين الحين والآخر، إلّا أنّ حقوقيين اعتبروا أنّ العلّة تكمن فيما يكتنف تلك الإجراءات من خطواتٍ تُفضي إلى ضياع الحقوق وإغلاق القضايا بدون محاسبة للمُخطئين.

وعن هذا تحديدًا، أوضح منسّق الوحدة القانونية في مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان المحامي علاء السكافي، للهدف، أنه في حال ثبوت ارتكاب طبيب/ ممرض لخطأ طبيّ، تجب محاسبته جزائيًا، وفق قانون الإجراءات الجزائية، فضلًا عن عقوبة تأديبية تُحددها نقابة الأطباء.

إلّا أنّ ما يحدث، وفق المحامي السكافي، هو "عدم إدانة أطباء جنائيًا نتيجة ارتكابهم خطأ طبي" لذرائع عدّة، منها "الضغوط التي يتعرضون لها من ظروف عمل وظروف معيشية واقتصادية صعبة، إضافة إلى ضعف الإمكانيات بالمستشفيات".

كما أنّ "النيابة تُحيل ملف الأطباء إلى الصلح المجتمعي، حفاظًا علي هيبة وكرامة الطبيب" على حدّ قوله.

وأقرّ السكافي بأنّ "حالات نادرة جدًا تلك التي يتم فيها إدانة طبيب/ممرض أو تتحمل فيها المستشفى المسؤولية عن الخطأ الطبي".

واعتبر أنّ مُعالجة ما يحتويه ملف الأخطاء الطبية من ثغرات، يبدأ من معالجة مُسببات تلك الثغرات، ومنها اللجنة التي يتم تشكيلها للتحقيق في الخطأ الطبي المُحتمَل، داعيًا إلى ضرورة أن تتشكل بصورة مستقلة، من أطباء أكفاء، مع إشراك ممثلين عن المجتمع المدني وذوي الضحية.