Menu
حضارة

انتخابات الشخص الواحد!

عوني صادق

تبدو الانتخابات «الإسرائيلية» التي جرت قبل يومين لانتخاب أعضاء الكنيست ال(22)، فريدة من نوعها، غريبة في كل شيء، فهي الثالثة التي تجرى في سنة واحدة، وهي الأولى التي تكاد تخلو من أية قضية مهمة يجري النقاش حولها، وهي الانتخابات التي لن تأتي بأي جديد، لم يكن في آخر انتخابات جرت، وأخيراً هي الانتخابات الأولى التي تعقد بسبب رغبة شخص واحد ومن أجله، وهو رئيس وزراء حَكَمَ دويلة الاحتلال عقداً كاملاً، ومتهم بالفساد وفي انتظار المحاكمة، فصار شعاره «أنا أو لا أحد»، هو بنيامين نتنياهو! ولذلك يمكن أن يطلق على هذه الانتخابات دون تحفظ اسم «انتخابات الشخص الواحد»!!
في الأيام الأخيرة، استجمع كل أوراقه التي اعتقد أنها ستغير مكانه، وكانت آخر الأوراق إعلانه أنه سيضم المستوطنات والأغوار الفلسطينية، ويفرض السيادة «الإسرائيلية» على الخليل و«يهودا والسامرة»، أي الضفة الغربية. وقد اتهمه الكثيرون بأنه يضحي ب«مصلحة إسرائيل من أجل مكسب انتخابي»، وهو يرد بأنه هو من «يمثل مصلحة إسرائيل»!
وما زال حزب «إسرائيل بيتنا» بزعامة خصمه اللدود الذي منعه من تشكيل الحكومة في المرة السابقة، أفيجدور ليبرمان، يمثل العقبة الكأداء في طريقه، وليس في الأفق حتى الآن ما يشير إلى أن ليبرمان غير موقفه.

في الوقت نفسه، خصمه الآخر داخل (الليكود)، رئيس الدولة رؤوبين ريفلين، سبق وأعلن أنه لن يسمح بإجراء انتخابات ثالثة، بمعنى أنه إن حصل ائتلافه على العدد الأكبر من الأعضاء وفشل هذه المرة أيضاً في تشكيل الحكومة، عليه أن يقبل بأحد السيناريوهات المتاحة، أي أن يتنحى. وهناك خصوم آخرون يتطلعون إلى أن يحلوا محله في زعامة (الليكود) قد يتمردون عليه إن سنحت الفرصة.

المعارضون لنتنياهو، لا يهمهم سوى إزاحته، خلافاتهم مع سياساته هامشية، وكل ما يهمهم إزاحته، وهم على استعداد للتفاهم مع (الليكود) من دونه. لذلك لم يظهر في حملاتهم الانتخابية ما يميزهم عنه سياسياً، خصوصاً في الموقف من قضية الاحتلال وديمومته، والمستوطنات وبقائها، وطبعاً لا فروق جوهرية في مواقفهم من «الدولة الفلسطينية» واللاجئين وحق العودة وتقرير المصير. بعض المحللين «الإسرائيليين» يعتقدون أن الخلاص من نتنياهو يكمن في «الصوت العربي»، أما عرب الداخل فمنقسمون، بعضهم يطالب ب«التصويت الكثيف» وبعضهم يدعو إلى مقاطعة الانتخابات، وهم مستبعدون عند تشكيل أي حكومة، ومن كل الأطراف الصهيونية. لذلك ليس من المتوقع أن يكون لتصويتهم تأثير كبير في النتائج.

في ضوء ذلك، يبدو أنه بالنسبة للفلسطينيين والقضية الفلسطينية، ليس من الأهمية بمكان تلك «التفاصيل» التي تتخلل وتستغرق هذه الانتخابات. فبالرغم من بعض التباينات بين الأحزاب والمعسكرات الصهيونية، فهم يجمعون على الاستيلاء على كامل فلسطين، وعدم الاعتراف بأي من الحقوق الوطنية للفلسطينيين، أو حتى الاعتراف بهم سوى أنهم «جماعات» تقيم بينهم في انتظار لحظة مواتية يتم فيها التخلص منهم!! وإذا كان من المفيد إزاحة نتنياهو من الصورة بوصفه الناطق باسم الجماعات الصهيونية الأكثر تطرفاً وتوسعية، فإنه يجب ألا يعمينا ذلك عن حقيقة أن كل من يصل إلى سدة القيادة منهم هو نتنياهو آخر، مثلما كان نتنياهو بيجن آخر، وبن جوريون آخر!! أما المراهنات الخاسرة باسم (السياسة فن الممكن)، فقد جرَّت إلى التنازلات، والتنازلات جرَّت إلى مزيد من التنازلات!

ولا شيء يمكن أن يغير الطبيعة الكولونيالية التوسعية، العنصرية، لهذا الاحتلال الغاصب. أما الأوهام، فقد خدمت المخططات الصهيونية، وأوصلتنا إلى القاع الذي نعانيه!! طريق الفلسطينيين إلى الحرية والتحرر والتحرير، المجربة والمضمونة هي نفسها التي اقتنعوا بها منذ البداية، وحَرَفتهم عنها جهالة البعض، وسذاجه البعض، وخيانة البعض! إنها ما زالت تلك المقولة القديمة الصادقة: ما أخذ بالقوة يسترد بالقوة. القوة أولاً، والقوة آخراً، متسلحين بحقهم في كامل ترابهم الوطني من البحر إلى النهر!