Menu
حضارة

قمة أنقرة وملفاتها المُعلَّقة

محمد السعيد إدريس

نقلًا عن الخليج الإماراتية

القمة الثلاثية التي جمعت رؤساء روسيا وتركيا وإيران في أنقرة، يوم الاثنين الماضي، ضمن «مسار أستانا» الذي يجمع الدول الثلاث؛ باعتبارها أطرافاً ضامنة للحل السياسي للأزمة السورية لم يكن في مقدورها تجاوز حقائق الأمر الواقع، التي أخذت تفرض نفسها على الأرض سواء في إدلب أو في شمال شرق سوريا، ولم يكن في مقدورها أيضاً تجاوز تشابكات المصالح بين الدول الثلاث، وتداخلها مع الصراعات الساخنة على جبهات أخرى؛ لذلك كانت التوقعات محدودة، وكانت أيضاً النتائج محدودة، رغم الجهود التي بُذلت؛ لتحريك القضايا المُعقدة المرتبطة بالأزمة السورية، والتي أجبرت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على القيام بزيارة مفاجئة لموسكو في نهاية أغسطس/‏آب الماضي؛ للبحث فيما اعتبرته تركيا تجاوزات من الجيش السوري بدعم روسي، لنقاط المراقبة التركية التي أقامتها أنقرة داخل «منطقة خفض التصعيد» في إدلب أثناء تقدم القوات السورية في المحافظة.
هذه الهموم سبقت انعقاد «قمة أنقرة»، وفرضت نفسها على ملفاتها، وإذا كانت إيران مشغولة بأزمتها مع الولايات المتحدة، فإن أولويتها، وكما أعلنها الرئيس الإيراني في المؤتمر الصحفي الذي عقد في ختام القمة مع الرئيسين الروسي والتركي؛ هي تأمين الحليف السوري، وإخراج الولايات المتحدة من شرق سوريا؛ باعتبار أن الوجود الأمريكي هو «وجود غير شرعي»، تعده طهران «مقلقاً لمصالحها في سوريا»؛ لذلك كانت تأكيدات روحاني واضحة بالنسبة لمواصلة مكافحة الإرهاب في سوريا، والقضاء على بؤر الإرهاب فيها، والإرهاب يعني هنا وفقاً للمفهوم الإيراني؛ فصائل المعارضة السورية التي تقاتل الجيش السوري، والميليشيات الأجنبية المنخرطة فيها، والتي يتلقى بعضها دعماً تركياً مؤكداً، في حين أن أولوية تركيا تتركز على «وحدات حماية الشعب»، التابعة ل«قوات سوريا الديمقراطية» الكردية.
التشابكات الأساسية كانت بين تركيا وروسيا، وكانت محافظة إدلب هي محور الخلاف بين الطرفين، روسيا اتخذت قرارها الاستراتيجي بخصوص القضاء على ما تعده «بؤرة الإرهاب في إدلب» من منطلق أن تركيا لم تف بالتزاماتها بمقررات «قمة سوتشي» الروسية - التركية (2018/‏9/‏19) والتي كان ينبغي على تركيا أن تقوم بموجبها بإخراج المجموعات المتشددة (الإرهابية) من إدلب، وبدلاً من ذلك قامت تركيا بتقديم دعم عسكري ولوجسيتي لفصائل المعارضة هناك (دون تفرقة بين من هو إرهابي ومن هو معتدل)؛ لوقف تقدم قوات الجيش السوري، خصوصاً بعد أن نجحت في استعادة مدينة خان شيخون الاستراتيجية. وكانت حجة تركيا في تقديم هذا الدعم؛ هو خشيتها من أن يؤدي تقدم الجيش السوري إلى تدفق ملايين اللاجئين الجدد إلى تركيا، وهو أمر لم تعد تحتمله، وكانت حجتها أيضاً هي وقف القضم السوري التدريجي لمنطقة «خفض التوتر» التي أسستها «قمة أستانا» عام 2017 بين الرؤساء الثلاثة، وهو ما يؤدي إلى إغراء الجيش السوري بمهاجمة نقاط المراقبة التركية ال12 التي أقيمت في هذه المنطقة، الأمر الذي ترفضه تركيا، وهددت بالتعامل مع أي هجوم أو تحرش للجيش السوري بنقاط مراقبتها في إدلب، وطالبت موسكو وطهران بوقفه. وهذا ما دفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أن يهدد، يوم الجمعة الماضي، (2019/‏9/‏13) بالتصدي لأي هجوم للقوات السورية على أي نقطة من نقاط المراقبة التركية.
واضح أن تركيا ما زالت حريصة على توظيف حلفائها من فصائل المعارضة السورية في إدلب كورقة ضغط؛ لفرض رؤيتها لبنود ومحتوى الحل السياسي للأزمة السورية؛ لذلك جاءت تأكيدات الرئيس التركي، مؤخراً، بأن التطورات الأخيرة في محافظة إدلب؛ ستشكل محور محادثات القمة الثلاثية (التركية - الروسية- الإيرانية)، وقوله بالتحديد: إن هذه المحادثات «ستتناول الهجمات الأخيرة التي تستهدف مناطق خفض التصعيد في محافظة إدلب»، في حين أن روسيا، وعلى لسان وزير خارجيتها سيرجي لافروف، كانت قد استبقت هي الأخرى القمة؛ لفرض أجندتها التي تريدها من هذه القمة قبل أن تبدأ، وتعطي كل الأولوية للإجراءات العملية للحل السياسي من منطلق الإنجاز الكامل لتشكيل اللجنة الدستورية السورية، وتجاوز نقاط الخلاف حولها، وهو ما أعلنه الرئيس بوتين في المؤتمر الصحفي الذي أعقب قمة أنقرة، والتعامل مع قضية إدلب على أنها «تحصيل حاصل» وأن «الأزمة السورية قد انتهت»، وأكد الوزير الروسي أن بلاده تعمل بشكل عام على «عودة سوريا دولة ذات سيادة إقليمية كاملة، والتغلب بسرعة على عواقب الإرهاب المتفشي، وعودة جميع السوريين إلى وطنهم، والعودة نفسها إلى الأسرة العربية، وهو ما سيضمن الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط».
بسبب هذا كله، جاءت إنجازات القمة الثلاثية محدودة، في ظل تمسك كل طرف بمواقفه، ومن ثم سيبقى الحسم كله على الأرض، وهذا ما كشفه المؤتمر الصحفي للرؤساء الثلاثة، وإن كان الرئيس الروسي قد أعلن توافقاً ثلاثياً على «التمسك بالسيادة السورية، ورفض الوجود الأمريكي غير الشرعي شرق سوريا».
توافق يخدم التقارب في الرؤى، لكن إدلب ستبقى العقبة الكبرى لبدء الانخراط الفعلي في الحل السياسي، ولن يبدأ أي تقدم فعلي في هذا الملف قبل إنهائه؛ لأنه يبقى أهم ورقة تركية لعرقلة الحل السياسي، وفرض مطالبها التي تحرص عليها بالنسبة لمستقبل سوريا، وخاصة الدور المستقبلي للرئيس السوري بشار الأسد الذي مازال نقطة خلاف كبرى بينها وبين كل من روسيا وإيران.