Menu
حضارة

فلسفة التاريخ وهيمنة السرديات الزائفة

فاضل الربيعي

تأسسّت السرديات التوراتية السائدة، والمهيمنة على التاريخ الرسمي في المنطقة العربية ( والعالم بأسره) على (احتكار الفاجعة ). أي احتكار الحق في تصوير الضحية لنفسها على أن تضحيتها – ومأساتها كذلك- نادرة ولا مثيل لها في التاريخ البشري المأسوي. وهذه فكرة مركزية تتأسس بدورها على أساس أن الضحية اليهودية، هي ضحية فريدة واستثنائية في عذابها التاريخي، بسبب تعرضها لحادثين استثنائيين، أحدهما موغل في القدم هو (السبي البابلي) والثاني معاصر، ولا يزال مستمراً بقوة زخمه الأخلاقي والوجداني هو ( المحرقة النازية ). هاتان السرّديتان تتلازمان عند النقطة التالية : بما أن الضحية فريدة في عذابها، فهي تمتلك كل الشروط التي تجعل من الفارق بينها وبين أي ضحية أخرى، شروطاً غير قابلة للتخطيّ. وعند هذه النقطة تتلاشى مأساة 40 مليون أوروبي منهم 20 مليون روسي قتلوا في الحرب العالمية الثانية، وتحلّ محلها مأساة ( حرق اليهود في ألمانيا) تماماً كما تتلاشى مأساة مئات القبائل العربية الوثنية التي تعرضت لاضطهاد الآشوريين، لتحل محلها سردية زائفة لا أساس لها في التاريخ مفادها، أن الآشوريين سبوا واضطهدوا اليهود لأنهم يهود؟ في الواقع، لم يحدث السبي البابلي في فلسطين قط، ولم تعرف أرضها ولا تاريخها مثل هذا الحدث الضخم. وكل ما ُكتب عن هذا الحدث في المؤلفات التاريخية الأجنبية والعربية، بوصفه واقعة جرت فوق أرض فلسطين، وضمن تاريخها القديم، هو من تلفيق القراءة الاستشراقية للتوراة، ويتكشّف عن كونه تزييفاً وتلاعباً متعمدين، إذ لا يوجد أي دليل مهما كان بسيطاًـ أو يلمح مجرد تلميح- إلى أنه وقع هناك، أو أن اليهود وحدهم كانوا ضحاياه؟ ولكن، ما أهمية أن نثير اليوم، مسألة الحقيقة حول السبي البابلي؟ هناك محوران رئيسان نرى أنهما يحددان إطار الصراع الدائر حول قصص التوراة، وما إذا كانت فلسطين مسرحها أم لا، وهما، فضلاً عن هذا الجانب الحيوي؛ يمكن لهما أن يضعا حدّا ً فاصلا ً ونهائيا ً لكل نقاش أو حوله في ما يتصل بمسألة السبي.

الأول: كسر احتكار الرواية التوراتية السائدة والمهيمنة على السرد التاريخي عن السبي البابلي، بإعادة وضعه في إطاره الصحيح بوصفه حادثاً تاريخياً مؤكداً، تعرضت له القبائل العربية البائدة، ومن ضمنها قبيلة عربية تدعى بنو إسرائيل، كانت تدين بدين اليهودية في اليمن. وهذه القبائل مجتمعة لا اليهود وحدهم، كانت ضحية أعمال اضطهاد مأسوية وقعت على أيدي الآشوريين. ولكن، بمقدار نقدنا للقراءة الاستشراقية ( الغربية) يتعيّن علينا الاعتراف، بحقيقة أن المصادر العربية والإسلامية المتأخرة، تستحق نقداً لاذعاً وحتى رفضاً تاماً لمنطوقها ومضمونها. إن بعض هذه المصادر تشير دون أي علم حقيقي بالتاريخ، ودون معارف جغرافية رصينة إلى أن، البخت نصر( أي نبوخذ نصر) خرّب بيت المقدس في بلاد الشام، بينما هي تتحدث عن الحملة كحدث وقع في اليمن. وهذا خلط مريع للتاريخ والجغرافيا، كان من شأنه مع مرور الوقت، أن ساهم في خلق وعي مشوه عند العرب والمسلمين لتاريخهم. ومع ذلك؛ فإن أهمية السرديات الإخبارية العربية القديمة تكمن في أنها رسمت إطاراً صحيحاً للأحداث بوصفها مواجهة عنيفة بين الإمبراطورية الآشورية والقبائل العربي المتمردة، وهذا ما يتوافق كلياً مع النقوش والسجلات. لقد استخدم التوراتيون طوال ما يزيد عن مائة عام، رواية السبي البابلي باعتبارها حدثاً يخص اليهود وحدهم، وأنه وقع في فلسطين، وهذان أمران لا صحة لهما على وجه الاطلاق، فلا السبي البابلي استهدف اليهود وحدهم لأنهم يهود، ولا الحادث وقع في فلسطين لأنها كانت متمردة على سلطة الآشوريين. والصحيح أن هذه الحملات استهدفت القبائل العربية العاربة في الجزيرة واليمن، لأنها كانت بسلوكها الاستقلالي وتقاليدها البطولية، تشكل تهديداً حقيقياً يتعين التخلص منه أو اضعافه. وهذا ما تؤكده لنا النقوش المسجلة عن تسع حروب شنها الآشوريون ضد القبائل التي كانت تهاجم حدود الإمبراطورية من التخوم الصحراوية، ولم يكن بنو إسرائيل آنذاك سوى قبيلة صغيرة من هذه القبائل البائدة.

الثاني: إن الغرض من هذا الاحتكار المنهجي والمنظم للسرد التاريخي، ونسبته بالكامل لتاريخ اليهود وحدهم،كان وباستمرار، جزء من استراتيجيات احتكار صورة الضحية الفريدة والاستثنائية. وهو يذكرنا بالطريقة التي جرى فيها في القرن الماضي والحالي، احتكار رواية الاضطهاد الهتلري لشعوب أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية، حين جرى تصوير الحرب وكأنها كانت محصورة في نطاق قضية حرق اليهود في أفران الغاز الهتلرية (ما يعرف بالمحرقة). ومع أننا لا ننكر وقوع المحرقة ولا نشكك فيها، إلا أننا نرى أن احتكارها، ونسيان حقيقة أن شعوب أوروبا دفعت الملايين من الضحايا ( والاتحاد السوفيتي السابق خسر لوحده 20 مليون إنسان سقطوا صرعى جرائم هتلر) إنما هو تلاعب مُخزٍ بالحقيقة التاريخية. والحال هذه، فكما أن القبائل العربية الوثنية دفعت ثمنا ً غاليا ً في الحروب التي شنها الآشوريون وهم أخذوا أسرى مثلهم مثل المتدينين( اليهود)؛ فإن شعوب أوروبا كانت ضحية منسيّة في حرب مرّوعة لم يتبق من ذكراها، سوى الصور المحتكرة عن محرقة اليهود.

سأوضح هذا الأمر بشكل تفصيلي. لكن قبل ذلك دعونا نتساءل: ما أهمية تصحيح التاريخ؟     

إن الأمم لا تقوم وتبقى وتصمد في المسرح الإنساني، بفعل وجود جغرافيا مشتركة تجمع مواطنين في وطن قومي واحد، يصبحون بفضله وتلقائياً أمّة لها هوية وطنية جامعة؛ فهذا وهم ما بعده وَهْم، إذ كمْ من أمةٍ تمزّقت وهي تعيشُ في جغرافيا واحدة. إن العامل المركزي في تشكلّ الأممّ وصمودها في المسرح الإنساني وتقدمّها وتطورها أيضاً، كان وما يزال مزيجاً خلاّقاً من عاملين (ومحرّكين) جبارين: اللغة الواحدة (الرسمية وليس لغات متنافرة ومتصادمة أو لهجات محلية أو قبلية منقرضة) والتاريخ الواحد، أي وجود سردية تاريخية موحدّة ومتماسكة، تروي فكرة الهوية الوطنية الجامعة لمواطنين يرغبون في البقاء كأمّة، وليس روايات متناقضة متنافرة، أو "تاريخات" تجعل منهم جماعات متصارعة حول التاريخ وأحداثه. ولعل التجربة الأمريكية- الإسرائيلية في صورته الراهنة- هي التطبيق العملي لهذا التصورّ؛ إذ لم تكن الجغرافيا كافية بذاتها ولذاتها، لخلق أمّة أمريكية موحدّة، هي في الأساس مواد إجتماعية متحللّة من أعراق وثقافات مختلفة عبرت ضفة الأطلسي من أوروبا. ولذا كان لابد من انتصار نهائي، ناجز وتام اللغة الإنجليزية على كل اللغات واللهجات التي جاء به المهاجرون، ومن ثم صهر كل الجماعات اللغوية في جماعة لغوية واحدة. ولم يكن ذلك كافياً بطبيعة الحال، لخلق واستكمال عمليات نشوء الأمّة الأمريكية، فكان لابد من إنشاء سردية موحدّة لهذه الجماعات، تعيد إنتاج وصياغة وحدتها على أساس وجود تاريخ مشترك يجمع مواطني الدولة- الأمّة، يصعد بها إلى ماضٍ بعيد، ويوّطّد فكرتها الجديدة عن نفسها كأمّة قديمة مثل سائر الأمم الأخرى. وهذا ما يفسرّ لنا سرّ الهوس في الثقافة التاريخية الأمريكية، بوجود صلة روحية وثقافية بإسرائيل القديمة ( واستطراداً المعاصرة). إن هذا الهوس القديم- المستمر والمتجددّ في الثقافة الأمريكية بوجود علاقة عضوية مع إسرائيل، لا يمكن تفسيره بالعامل السياسي وحده. ثمة عامل مركزيّ آخر، يتصل بحقيقة أن وحدة الأمريكيين كأمّة، باتت رهناً بوجود سرديّة تاريخيّة موحدّة، تروي بصوت واحد حكاية العلاقة العاطفية، الوجدانية والروحية التي تربطهم بإسرائيل التوراتية.أي بالماضي المخترع لجماعات لا رابط بينها، وهي جدت نفسها اثناء الهجرة الجماعية الكبرى من أوروبا نحو الضفة الأخرى من الأطلسي، وكأنها لن تتماسك كجماعة واحدة مهاجرة صوب واطن واحد يجمعها، إلا إذ امتلكت سردية تاريخية ذات مضمون عاطفي وروحي يصعد بها في سلمّ التاريخ البعيد نحو أبعد نقطة ممكنة فيه. لقد كانت هذه السردية نوعاً من محاكاة لقصة عبور النهر في التوراة ، وهذه المرة إلى ضفته الأخرى، أي أرض البريّة الأمريكية. ومن هنا جاء اسم الولايات المتحدة الأمريكية في اللغة العبرية الحديثة ( ءرص- ها- بريت) أي أرض البرية؟

لقد لعبت هذه الرواية دوراً هائلًا في إبقاء الأمريكيين أمّة موحدة على مستوى الوجدان العاطفي التاريخي. وللمرء أن يتخيّل، ما الذي يمكن أن يحدث لوحدة هذه الأمّة في غياب سردية مركزية من هذا النوع؟ وكيف يمكن صهر الأعراق والثقافات المتنافرة، الأوروبية والشرقية والأفريقية ومعها العرق المكسيكي؟ ولذلك، يتوجب ملاحظة، أن خلق الأمّة الأمريكية تلازم مع خلق و(اختراع تاريخ) مشترك يوحدّ وجدان المهاجرين الأوائل ويمكنّهم من أن يصبحوا مواطنين جدد. والأمر ذاته وقع في فلسطين؛ إذ لم يكن الاستيلاء على الأرض كافياً بذاته لخلق (أمّة يهودية ) فهي ستكون عرضة للتمزق بفعل قوة التباينات الثقافية الحادّة بين الجماعات المستوطنة؛ ولذا كان لا بد من (خلق) لغة مشتركة تعيد صياغة الوجدان الجماعي لبشر يتكلمون لغات شتى. وهكذا، وبموازاة عمل العلماء الألمان لبعث اللغة العبرية وتحويلها إلى لغة موحدّة- وهي في الأساس لهجة منقرضة من لهجات اليمن- جرى إختراع تاريخ سحيق لهذه الجماعات، المتنافرة ثقافياً والتي لا ترتبط بأي سردية تاريخية واحدة، وأصبح هؤلاء، فجأة ولمجرد كونهم يدينون باليهودية- وكأنهم يتحدّرون من سلالة بني إسرائيل القديمة. بكلام آخر، جرى اختراع سلالة واحدة (نوع من قومية، أو عرق ما فوق ثقافي) اسمها بنو إسرائيل، لجماعات متحدّرة من شعوب أوروبية وغربية عموماً لا ترتبط إلا بروابط واهية، وبعضها يمتلك مخزوناً من العداء لأوروبيين آخرين. وكان الغرض من اختراع هذا التاريخ القديم، هو تمكين هؤلاء من تخيّل هويتهم الثقافيّة الوهميّة ، وأنهم كانوا- ذات يوم بعيد- مواطنين أحرار في مملكة عظيمة، ثم تبعثروا في طرقات الأقدار واندمجوا في أممٍّ غريبة، وأنهم بوحدتهم الجديدة، إنما يستعيدون هذا الماضي المجيد دفعة واحدة. ولكم أن تتخيّلوا مثلاً، ما الذي يمكن أن يجمع اليهودي الألماني مع اليهودي الفرنسي، بينما– هما- يملكان تاريخاً من البغضاء والحروب؟

كانت اللغة العبرية هي الأداة الهائلة في إنشاء الإطار المناسب لتأسيس وحدة هذه الجماعات المستوطنة القادمة من أوروبا. ولم يكن ذلك كافياً بطبيعة الحال، فكان لا بد من إنشاء سردية موحدّة للوجدان الجماعي، وإعادة روايتها كتاريخ مشترك قديم، يعيد ربط اليهود من كل القوميات بعرق ثقافي جديد ما فوق قومي، اسمه ( بنو إسرائيل) ومن دون أن يعني هذا أنه مجرد اسم لقبيلة. ولقد كانت المفارقة في وجود إسرائيل المعاصرة ولا تزال، تكمن في حقيقة أن ( مواطنيها) المتحدّرين من أممّ وقوميات كبيرة، وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف، وقد ارتدّوا فعلياً إلى عصور ما قبل التاريخ، حين لم يجدوا (عرقاً) أو أمّة ينتسبون إليها، سوى ( قبيلة) عربية بائدة اسمها بنو إسرائيل. وهذا أمر لم يحدث في تاريخ البشرية من قبل. ثم نجمت عن هذا الاختراع مفارقة مثير للحيرة والتساؤل، فقد أصبح تاريخ هؤلاء إسرائيلياً، بعدما كان أوروبياً، لكنه أصبح في الآن ذاته فلسطينياً، لأن تاريخهم الجديد الذي انتسبوا إليه هو تاريخ فلسطين القديمة. أي ما اعتبروه أرض ميعادهم. بيد أنه– حتى في هذه الحالة- يصبح تاريخاً مشتركاً مع شعب آخر اسمه الشعب الفلسطيني، وإنْ كانوا يكنّون له العداء ويرغبون في إبادته نهائياً. وهكذا أيضاً ومرة أخرى، أصبح التاريخ الجديد لهؤلاء- وقد صاروا يتكلمون لغة واحدة ويتمكنّون من التفاهم في ما بينهم بسهولة أكبر، ويتجاوزون حواجز وإشكاليات لغة التفاهم اليومي-هو نفسه تاريخ فلسطين القديمة ولم يعد تاريخاً إسرائيلياً صافياً. ولذا راحوا ينقبّون في أرضها عن كل شئ يخصّهم كجماعة قديمة انبعثت من جديد.

وبذلك تلازم وبشكل عضوي، اختراع إسرائيل القديمة مع اختراع فلسطين قديمة يزعم انها كانت وطن اليهود.

بيد أن فلسطين هذه التي تأسست صورتها في وعينا طبقاً للصور التوراتية عن السبي البابلي ومعارك داود وعبور الأردن وسقوط أريحا،لا وجود لها في التوراة قط، وهي من تلفيق واختراع المؤرخين الغربيين- وعلى خطاهم العرب والمسلمين- لأن التوراة لم تعرف فلسطين ولم تذكرها بالاسم.     

السبي البابلي والمحرقة النازية:

سرديات الهيمنة

تأسسّت هيمنة السردية التوراتية على التاريخ في المنطقة والعالم بأسره، طبقاً لتصورات تاريخية زائفة لحادثتين وقعتا في عصرين، وتفصل بينهما مئات القرون. وقد أمكن بفضل دمجهما في سياق تاريخي واحد، الحصول على سردية جديدة متناسقة، لا تزال حتى اللحظة تهيمن على الدراسات التاريخية بالكامل. الحادث الاول وهو ما يعرف ب( السبي البابلي) الذي يزعم فيه أن اليهود تعرضوا للسبي والاضطهاد على يد الآشوريين. أما الحادث الثاني، فهو المعروف في الأدبيات السياسية والتاريخية بـ(المحرقة) النازية التي تعرض لها يهود أوروبا على يد القوات النازية الألمانية. فما الذي يجمع بين الحادثين؟ لقد جرى تلفيق الوقائع الخاصة بالسبي البابلي من خلال قراءة مغلوطة لنصوص التوراة والنقوش الآشورية انتهت إلى إنشاء سردية جديدة، لا تقول سوى الفكرة التالية: أن السبي الذي قام به الآشوريون استهدف اليهود وحدهم، وأن هؤلاء وقعوا ضحية اضطهاد لا سابق له في التاريخ، بينما تشير الوقائع والمعطيات العلمية المسكوت عنها إلى أن السبي شمل القبائل العربية الوثنية ( البائدة ) وأن الآشوريين استهدفوا إخضاع هذه القبائل لضمان سيطرتهم على سواحل البحر الأحمر، وتأمين طرق التجارة الدولية القديمة، ولم يكن من بين أهداف الحملات العسكرية، أي هدف يتصل باضطهاد اليهود لأنهم يهود. لقد مهدت هذه السردية الزائفة، الطريق أمام حصول يهود أوروبا على ( امتياز الضحية ) الفريدة في نوعها، فهي وحدها التي تعرضت في التاريخ القديم لاضطهاد أكبر إمبراطورية بصفتها (جماعة يهودية ). وهذه السردية مهدت الطريق بدورها لإنشاء سردية موازية عن اضطهاد جديد يقع هذه المرة في قلب أوروبا مع صعود النازية ووقوع ما يعرف ب( المحرقة النازية لليهود). وهكذا اكتملت فرادة الضحية، وامتلكت بقوة امتيازها الذي سوف يعليّ الفارق بينها وبين الضحايا الآخرين، فهي وحدها ضحية تتكرر مأساتها. 

ولذلك، جرى استخدام مكثف لهاتين السرديتين المتلازمتين لتبرير البحث عن ( وطن قومي) تستقر فيه هذه الجماعة. بيد أن سردية السبي البابلي التي سوف تتكرر بصورتها الرمزية مع المحرقة، وتتكامل معها، كانت جزءا من تزييف أوسع نطاقاً.

إنه لأمر محزن أن لا تتمكن الأمم من رواية تاريخها بصوتها، ولكن المحزن أكثر أن تستمر في الإصغاء إلى التاريخ يروى بصوت الآخر. إن اختراع التاريخ في حالتنا الراهنة يتجلىّ في أنصع صوره في الفكرة الزائفة التالية: هناك من يزعم دون ادنى دليل علميّ، إن التوراة تحدثت عن فلسطين وسجلت اسمها واسم الفلسطينيين، وأنها ذكرت اسم القدس ، وأن داود قاتل الفلسطينيين وسليمان بنى الهيكل هناك، وأن يوشع بن نون فتح أريحا بعد عبور الأردن وأن الفلستيم هم الفلسطينيون، وأن هؤلاء تسللوا من البحر، وأن (ميدب) هي مأدبا الأردنية و( معن ) هي معان، وبيت بوس هي بيت يابوس في ضواحي دمشق. وهذه روايات كاذبة ليس لها من الحقيقة التاريخية أي نصيب. ومن غير شك؛ فإن الكشف عن الطريقة التي جرى فيها اختراع التاريخ الفلسطيني، سيكون في صلب العمل التصحيحي الذي نقوم به، وأساسه نفي الرواية المخيالية التي أنشأها المستشرقون، وإعادة بناء الرواية التاريخية من منظور جديد يتسمّ بالأمانة للنص؛ إذ ليس صحيحاً ما يقال- في سياق التضليل المريع- أن القدس عُرفت باسمها القديم بيت بوس، لأن هذا الاسم ( بألف ولام: القدس وليس قدس كما في نصوص التوراة) اسم حديث لا يرقى لأكثر من عصر العهدة العمرية، ولا يوجد أي دليل لغويّ أو تاريخي، يؤكد أن العرب قبل الفتح الإسلامي، عرفوها باسم القدس. وهي لم تُعرف في أي وقت سابق على ذلك باسم بيت بوس. لقد عرفها عمر بن الخطاب والمسلمون باسمها الروماني إيلياء ولم يعرفوها باسم القدس. وعلى العكس ممّا يقال، فالنبي محمّد كان يعرف قدس الجبل المبارك في الحجاز، ويعرف الجبل المبارك قدس في تعز باليمن، بينما لا يعرف المسلمون في عصره القدس العربية- الإسلامية، لأن جنوب الشام كان يعرف آنذاك، باسمه الدينيّ (إيلياء) الذي كان جزء من التقسيم الإداري الروماني للمقاطعات السورية. وممّا يؤكد ذلك بشكل قاطع، أن النبيّ أرسل لهرقل قيصر بيزنطة ( 627م) رسالة مع أحد سفرائه وهو دحية الكلبي، وطلب منه التوجه إلى بصرى الشام لتسليمها له. يقول البخاري[1] الذي نقل حديث الرسالة ما يلي ( وكان قَيْصَرُ لَمَّا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ، مَشَى مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ، شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللَّهُ). وهذا يعني أن المسلمين كانوا يعرفون المكان باسمه الروماني، ولم يعرفوه باسم القدس.

لقد ظهر اسمها الجديد القدس ( بألف ولام) فقط بعد الفتح الإسلامي لبلاد الشام وليس قبله؟ ومن المؤكد أن الغرض من هذا الخداع الفظيع الذي مارسه المستشرقون في مطالع القرن ما قبل الماضي، كان وببساطة، حملنا على أن نؤمن مثل المستوطنين، بأن التوراة ذكرت القدس، وبذلك، تصبح كل الرواية الملفقة عن صراع بني إسرائيل مع الفلسطينيين قابلة للتصديق، كما تصبح رواية عبور الأردن وفتح أريحا ووجود اسم البحر الميت في التوراة، حقيقية ولا يطالها الشكّ.

إن إعادة بناء الرواية التاريخية وإنشاء سردية جديدة تقطع مع الرواية الزائفة السائدة، يتطلب أولاً وقبل كل شئ، تحطيم كل أساس زائف قامت عليه أسطورة عبور الأردن وفتح أريحا. وفي هذا الإطار، سأعيد التذكير بما نقله البكري في (معجم ما استعجم ) من حديث عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله أقطع بلال بن الحارث المزني ( معادن القبلية، جلسيّها وغوريّه إلى حيث يصلح الزرع من القدس). وفي هذا الكتاب الذي كتبه النبي-ص- إشارة صريحة لجبل القدس في وادي الرمّة ، وليس لأي مكان آخر. وفي كتاب البكري كذلك – باب ذكر جزيرة العرب - قال ( فنزلت جهينة تلك البلاد، وتلاقت قبائله وفضائلهم، فصارت نحواً من عشرين بطناً، وتفرّقت قبائل جهينة في تلك الجبال، وهي الأشعر والأجرد وقدس وآرة ورضوى وصندد).كما ينقل البكري عن يعقوب بن السكيت ( ت 243هـ ) قوله ( قدس وآره: جبلان لجهينة، بين حرة بنى سليم وبين المدينة) وهما جبلان يقال لهما : القدسان ، قدس الأبيض، وقدس الأسود. وأما قدس الأبيض فيقطع بينه وبين ورقان عقبة يقال لها ركوبة، وهو جبل شامخ ينقاد إلى المتعشىّ بين العرج والسقيا، وأما قدس الأسود فيقطع بينه وبين ورقان عقبة يقال لها : حَمت، والقدسان لمزينة – لقبيلة مزينة-.

هذا هو بإيجاز، تصوّر المسلمين لقدس الجبل في الحجاز. وبموازاته، هناك تصوّر آخر عند اليمنيين عن جبل مقدس هو جبل قدس- دون الألف ولام- في تعز، وهو من أعظم جبالها وأقدسها وأكثرها شهرة في التاريخ.

هذه الأوهام والأكاذيب المستمرة والمتواصلة من جانب التوراتيين - وللأسف من جانب العرب والمسلمين كذلك- وعلى حدّ سواء، خلقت فوضى عارمة في التاريخ لا سبيل للخروج من دوامتها، فلا احد استدّل على بيت بوس التي يزعم أنها القدس القديمة، حتى بعد نحو قرن كامل من التنقيبات الأثرية، ولا أحد ما، وجد دليلاً مادياً يؤكد أن القدس عُرفت بهذا الاسم. وبكل يقين، فقد نشأت هذه المزاعم والأوهام عن وهم أكبر، أشاعته رواية عبور نهر الأردن. وفي هذا السياق- ثمة أفكار وصور أخرى خاطئة ورائجة في مؤلفات التاريخ القديم بشكل عام، وتاريخ المنطقة العربية بوجه الخصوص، مثلاَ، الخلط بين العبرانيين وبني إسرائيل، ومعاملتهما على أنهما شئ واحد، وأن كّلاً منهما دالٌّ بذاته على الآخر. وهذا غير صحيح في مطلق الأحوال، كما تتردد في الكثير من المؤلفات والدراسات أفكار مزيفة أخرى، مفادها أن العبرانيين اشتقوا اسمهم من حادثة عبور نهر الأردن، وأنهم عُرفوا بالعبرانيين بسبب هذه الواقعة المزعومة التي لا أساس علمياً لها.    

1. إن يوشع بن نون لم يعبر الأردن- النهر والبلد- ولم يفتح أريحا الفلسطينية، والتوراة لا تعرف هذين الاسمين في صورتهما هذه، بل في صورة مختلفة كليّة ولها علاقة بجغرافية أخرى. كما أن العبرانيين لم يعبروا هذا النهر من قبل،وهم لم يعرفوه قط. إن مسرح الأحدات- التي تخيّلها واختلقها الاستشراقيون من التيار التوراتي وقاموا بالترويج له كمسرح تاريخيّ- لا يتضمن ولا بأيّ شكل من الأشكال، المواضع والأماكن واسماء القبائل الواردة في النصوص التوراتية. وفي الواقع، لا توجد في التاريخ القديم برمته، حادثة من هذا النوع، نجم عنها ظهور جماعة بشرية، سوف ُتعّرف نفسها بأنها جماعة عبرانية نسبة لعبور الأردن. وكل ما قيل وكتب من مؤلفات ضخمة وكتب ودراسات وبحوث عن هذا الحادث، سواء في الثقافة العربية أم الغربية،لا يتعدى في هذا النطاق من الفكرة، حدود التلفيق المؤسس على الوهم والهوس الممزوج بالإعجاب بإسرائيل المعاصرة.  

وبرأينا، أن المقصود من (العبرانيين) و( بني إسرائيل) الإشارة إلى جماعتين بشريتين منفصلتين لا جماعة واحدة. وهذا التمييز هامٌ للغاية لفّك الارتباط التعسفي الذي جمعهما وأوحى لأجيال وأجيال من البشر في مختلف أرجاء العالم، بأن الإسرائيليين أحفاد العبرانيين، وأن هؤلاء أخذوا من أجدادهم، لغتهم العبرية (لسانهم القديم) الذي يعرفون به. 

2. وفي سياق هذا الزعم، شاع في مختلف الأوساط، حتى الأكاديمية والعلمية منها، القول أن يهود اليوم في العالم كله، إنما يتحدّرون من سلالة بني إسرائيل. ولذلك، حدث دمج جديد ومزيف يماثل بين القبيلة (بني إسرائيل) وبين معتنقي الديانة اليهودية، وبحيث صار كل منهما دالاً بذاته ولذاته على الآخر فعندما تقول( يهودي) سيُفهم من قولك، أنك تعني بني إسرائيل الذين ورد ذكرهم في التوراة والقرآن، وأن قولك (بنو إسرائيل) يعني أنك تقصد اليهود بعامّة.وهذا تصور مُخْتلق لا صحّة له.

3. كما شاع القول، وهو خاطئ جملة وتفصيلاً ولا أساس له، سواء في الأنثروبولوجيا أم في السجلات التاريخية، أن العرب واليهود أبناء عمومة ترتفع إلى الجد المشترك إبراهيم، حتى باتت عبارة ( أولاد عمّنا) شائعة ومألوفة في الحياة الثقافية والعامّة. وهذا غير منطقي، لأن قرابة الدم لا يمكن أن تقوم بين قبائل عربية، وجماعات من شعوب أخرى أوروبية اعتنق أجدادها اليهودية، وكيف يمكن تخيّل أن المصري المسلم والمعاصر مثلاً، هو ابن عم ليهودي إيرلندي؟ كما سيبدو من المنظور الأنثروبولوجي ذاته، أمراً يخلو من أي منطق، تخيّل وجود قرابة دم على أساس الدين بين أبناء قبيلتين عربيتين، أحداهما من طئ وآخرى من حمير اليمنية، ذلك أن القرابات تقوم على أساس العرق لا المعتقد.      

4. وفي إطار هذه الإلتباسات، حدث تكرّيس منهجي لفكرة زائفة موازية، تقول أن الذين عبروا نهر الأردن هم بنو إسرائيل، وهو استطراد مضلل ناجم عن الدمج التعسفي بينهم وبين العبرانيين، وراجت في هذا النطاق داخل المؤلفات التي لا تعد ولا تحصى، أسطورة أن العبرانيين هم أبناء شخص تاريخي، حقيقي اسمه عابر، وإليهم تنسب اللغة العبرية، وأن أحفادهم، هم الإسرائيليون.      

5. وأن هؤلاء أخذوا اسمهم من حادث ( عبور الأردن ) النهر العربي، حين دخلوا فلسطين بقيادة يوشع بن نون بعد معركة فتح أريحا. وهكذا، جرت سلسلة لا تكاد تنقطع من التماثلات بين أعراق وجماعات ولهجات ولغات، عاشت في عصور وفترات مختلفة، ولم تجمعها روابط أو قرابات حقيقة.   

6. وفي سياق هذه التماثلات الزائفة أيضاً، تناسى الكثيرون الحقيقة البسيطة التالية: إن اليهودية دين عربي قديم من ديانات العرب، بزغ فجرها في أوساط العرب الجنوبيين ( اليمنيين) ولم تكن ديناً غريباً، أو وافداً عليهم من خارج الجزيرة العربية، وهي انتشرت في اليمن في فترات ومراحل لا يعرف التاريخ المكتوب عنها الكثير. والتوراة كما عرفها العرب القدماء، كتاب إخباري- ديني مقدس من كتب يهود اليمن، يتضمن التشريعات الدينية والقصص والأخبار والأشعار التي سجلها بنو إسرائيل. كما أنها، شأنها شأن الكتب المقدسة الأخرى، تتضمن قصص وأشعار وأخبار الأولين من القبائل والجماعات التي يعرفها العرب، وبعض قبائلهم تنتسب إلى هذه الجماعات اليمنية، مثل السلف ( الشلف) وجشم، وعبد وسلمه وجبر والحواشب (حشبون) إلخ...      

7. والأمر المؤكد بالنسبة لي، كما برهنت في مناسبات سابة، أن التوراة لا تتضمن أي شيء يخصً فلسطين أو يلمح إلى ذكرها بأي صورة من الصور؛ بل ولا توجد أدنى صلة للتوراة بتاريخها. وكل ما ُيزعم عن وجود وصف لأرضها في التوراة، ليس أكثر من ترويج لأكاذيب وخدع استشراقية، تنتمي الى العصر الاستعماري وهي من نتاجه. والمثير للدهشة، أن التلاعب بالتاريخ و( اختراع تاريخ بديل) كان مؤسسّاً على ترجمة خاطئة وتأويل سطحي لكلمة ها- فلشتيم הפלשתים وتصويرها على أنها تعني الفلسطينيين. وهذا فهم خاطئ لأن العبرية تعرف حرف الطاء ولا تستبدله بالتاء. وقد بينّا في مؤلفاتنا السابقة أن الاسم ينصرف إلى الفلستيين، وهذه هي التهجئة الصحيحة لاسم جماعة وثنية عربية بائدة، عُرفت نسبة إلى عبادة الإله الفلس إله قبيلة طئ وقبائل أخرى، تركت اسم إلهها هذا في مكان معلوم لا يزال شاخصاً حتى اليوم في اليمن باسمه القديم بوادي المفاليس- الفلسيين، بمعاملة الميم الحميرية كأداة تعريف، مثل ءم رصاص: الرصاص، ءم سمّاق، السمّاق- وهذه أسماء بلدات أردنية معروفة.. والتوراة تؤكد أنهم بالفعل جماعة وثنية استولى داود على أصنامها. وقد بلغ التلاعب ذروته حين جرى الترويج لنظرية زائفة مفادها، أن الفلسطينيين دخلوا فلسطين متسللين عبر جزيرة كريت اليونانية. والمحزن في الأمر، أن المؤلفين والدارسين العرب راحوا يرددّون هذه الأكذوبة دون تدقيق، وبعضهم، ربما بسبب جهله باللغة العبرية، لم ينتبه إلى أن هذه الخرافة بُنيت، فقط على أساس كلمة واحدة وردت في سفر ثانوي كتبه الكهنة اليهود في وقت متأخر، وداخل نسق سردي يتضمن دعاءً دينياَ ضد ( أمّة الكرتيين כרתים). والمقصود بهؤلاء جماعة تدعى الكرثيين ( الكرثيون- بالثاء المثلثة ) وهم جماعة يمنية ورد ذكرها في أنساب اليمنيين. وعدا ذلك، لا توجد في التوراة أية إشارة أخرى مهما كانت عابرة، تدعم الفكرة المضللة عن تسلل الفلسطينيين من كريت ( اليونانية(.    

8. لقد ميزّ القرآن- كما فعل العرب في الجاهلية - بين اليهودية وبني إسرائيل، تمييزاً دقيقاً ونهائياً لا يقبل أي جدل، فاليهودية دين، وبنو إسرائيل قبيلة. وذلك واضح كل الوضوح من الآيات والسور القرآنية التي نددّت باليهود، ولكنها مجّدت بني إسرائيل(2).  

إن هذا التمييز يستمد صلابته العلمية من حقيقة ثقافية ودينية معروفة عند العرب القدماء، بأن اليهودية دين عربي ولد في أرض العرب ( اليمن) ولم يولد في استراليا أو المكسيك. وبكل يقين، فلم يكن النبي موسى نبياً ألماني النشأة والمولد، ولا كان داود أميراً دانماركياً. وطبقاً لهذه البديهية التي طالما جرى التغاضي عنها أو إهمالها أثناء النقاش، فإن التوراة تتضمن اشعاراً وقصصاً وأساطير عن جماعات عربية قديمة، وهي لا تروي بأي صورة من الصور أي شئ من تاريخ فلسطين القديم. ولطالما جرى التغاضي أو حتى انعدام الفطنة عند قراءة الحديث الشريف الذي يذكر فيه النبيّ محمد –ص- اسم موسى كنبيّ يمني، فقد قال في حديث الإسراء أن موسى أشبه برجل جعد ( أسود الشعر) من أزد شنوءة، وهؤلاء قبيلة من أشهر قبائل اليمن، إذ يذك العسقلاني[3] في صحيح البخاري نص الحديث على النحو الأتي:     

(حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة-رض- قال، قال رسول الله -ص- ليلة أسري بي رأيت موسى وإذا هو رجل ضرب، رجل كأنه من رجال شنوءة). وهذا الحديث الصحيح يؤكد، أن الذاكرة التاريخية للعرب، تحتفظ بصورة خاصة لموسى النبي كرجل أشبه ما يكون بشخص يمني من قبيلة بعينها، هي من أقوى وأعظم قبائل العرب القديمة وتدعى ازد شنوءة.

9. وإذا ما تقبلنا- مبدئياً -هاتين الفرضيتيين البدهيتين؛ فإن علينا التمييز بدقة بين القبيلة والدين، كما نميزّ مثلاً، بين قريش والإسلام، إذ لا تدّل قريش بإطلاق على الإسلام، ولا يمكن الافتراض أن كل قرشي هو مسلم، أو أن كل مسلم هو من قريش. ولذلك، يجب أن نميّز بين بني إسرائيل واليهودية، وأن ننشئ إطاراً مفهومياً يعيد وضعهما في إطارهما الصحيح كقبيلة ودين، إذ ليس كل من انتسب لبني إسرائيل هو يهودي، وليس كل يهودي هو من بني إسرائيل، لأن هذا المنطق المزيف سيفرض علينا القول، أن كل مسلم هو قرشي، وأن كل قرشي هو مسلم، وهذا أمر فظيع وغير مقبول.  

وبكل يقين، فقد تحدثت التوراة بالتفصيل عن انشقاق ديني أدى إلى انقسام مملكة بني إسرائيل إلى مملكتين متصارعتين، احداهما في الجنوب- يهوذا- التي أدينت بالارتداد عن الشرعة اليهودية وانغماس سكانها في العبادة الوثنية، وهذا أمر يبدو أنه تكرر خلال حقب تالية على عصر موسى وأثناء نبوته أيضاً- وأشار إليه القرآن الكريم في السور التي تناولت بني إسرائيل، وكيف أن موسى وجد اتباعه يعودون لعبادة العجل الذهبي- والمملكة الأخرى في الشمال وتحمل اسم إسرائيل. ولعل وصف التوراة القائل إن – يهوذا في الجنوب وبني إسرائيل في الشمال- يتعارض كلياً مع وصف إسرائيل الحالية، فيهوذا والسامرة-أي الضفة الغربية وغزة- تقعان في الجنوب، بينما تقع أراضي 48 - ما يسمى إسرائيل – في الشمال.

هذا يعني أن التلاعب بالرواية التاريخية قاد إلى التلاعب بجغرافية إسرائيل نفسها، فالتوصيف التوراتي لما يدعى أرض الميعاد، يتعارض ويتناقض مع وصف فلسطين التاريخية، ويقلب خريطتها رأساً على عقب، ويصبح الشمال جنوباً والجنوب شمالاً.. فكيف يمكن قبول هذه الأكذوبة عن تطابق الوصف وهو يقلب جغرافيا التوراة؟  

10. إن مصطلح العبرانيين، وبمعايير البحث التاريخي والعلمي، يدّل على جماعات بشرية كبيرة لا جماعة واحدة، بينما يدّل اسم ( بني إسرائيل) على جماعة قبلية صغيرة بعينها. وكل خلط بين المفهومين سيؤدي لا محالة إلى نتائج خاطئة، مماثلة لما وصلت إليه دراسات وبحوث الاستشراق. والمؤسف أن علماء ومؤرخي العرب الكبار، مثل د. جواد علي[4]، اخطأوا في قراءة بعض جوانب الموروث العربي، وثبتوا في أذهان أجيال وأجيال من المؤلفين الشباب، أفكاراً خاطئة عن المقاصد الحقيقية لقصص التوراة، ففي تحليله لكتابات الإخباريين العرب عن وادي حضور اليمني (حصور في التوراة) التي غزتها جيوش الآشوريين، أخطأ جواد علي خطأ فادحاً حين كتب يقول مندداً بفهم الإخباريين الكلاسيكيين لما تناقله العرب من أخبار، ما يلي: ( ولم يكن للإخباريين علم دقيق بما يرد في التوراة من أمور، فلم يفطنوا أن من غير الممكن أن يكون أهل حاصور من أهل اليمن، لأن ذكر التوراة لهم مع قيدار يجعل مواضعهم في شمال جزيرة العرب. ثم إن اليمن بعيدة جدا عن بختنصر- نبوخذنصرّ- ولا يعقل أن يكون في إمكان جيوشه الوصول بسهولة إلى هناك. ثم إن الكتب اليهودية تصور حاصور في مكان في العربية الشمالية في جوار أرض قيدار، ولم يكن لها علم واسع عن اليمن).      

وكنا بيَّنا بالتفصيل في المؤلف السابق[5]- كما سنبين هنا أيضاً- ان حضور تقع في جنوب الجزيرة لا شمالها وهي من أعظم وديان اليمن، وفيها ازدهرت أعظم المخاليف، وأن التوراة ذكرتها في صورة حصور، لأن العبرية لا تعرف الحرف المعجم بنقطة من فوق. ولذلك، يصبح باطلاً كل نصّ يسخر من معارف الإخباريين، ما لم يكن مبنيّاً على فهم صحيح ووقائع صحيحة.

11. مثل هذا التمييز الذي نقترحه، ضروري للغاية لأجل فهم صحيح لأحداث التاريخ، ذلك أن أسطورة عبور الأردن المزعوم ترتبط في الأصل بالعبرانيين وليس ببني إسرائيل؟ وهؤلاء أخذوا اسمهم، كما يقال عادة من هذه الواقعة المثيولوجية ( الأسطورية). وبالرغم من عدم وجود أي دليل تاريخي يؤيد حدوثها، وأن كل ما ورد عنها في التوراة لا يشير بأي صورة من الصور إلى علاقة مباشرة ببني إسرائيل، فقد طغى في السرد التاريخي، الزعم بأنهم عبروا الأردن نحو أرض الميعاد الفلسطيني بعد فتح أريحا. وبالطبع، فقد كان من نتائج هذا الخلط التعسفي الذي قام به علماء آثار وباحثون ودارسون من الغرب والشرق وعلى امتداد عقود طويلة، أن جرى بشكل تعسفيّ تنسيب أسطورة العبور تلقائياً إلى بني إسرائيل. وذلك ما ساهم في خلق فوضى عارمة في التسلسل التاريخي للممالك والأحداث في المنطقة.    

12. وحده، فك الارتباط بين هذه التسميات والمفاهيم والتصورات والمصطلحات، هو الذي يمكّن دارس التاريخ من رؤية الحقائق بشكل صحيح.

13. إن أكثر الأوهام الشائعة في التاريخ الفلسطيني، تسببّاً في إثارة الفوضى والتشوش؛ إنما هو الزعم القائل أن القدس دعيت أو عرفت ذات يوم باسم (بيت بوس) وأن سكانها القدامى كانوا يبوسييين و(كنعانيين). لقد استند أصحاب هذا الزعم الرائج- دون دليل واحد- على مأ أشاعه المستشرقون وبعض علماء الآثار من أفكار خاطئة، تربط بين فلسطين وقصص التوراة. وهذا محض كذب لا أساس له لا في العلم ولا في التاريخ المكتوب، ولا في النصّ التوراتي، فلا أورشليم كانت تدعى القدس- أو العكس- ولا كان اسمها القديم بيت بوس. ويتوجب علينا اليوم، أن نطالب كل من يدعيّ ويصرّ على ترداد هذا التصور المضلل، أن يقدم لنا دليلاً علمياً أو نقشاً ترد فيه هذه المعلومة. كل ما لدى هؤلاء، هو الذخيرة الفاسدة من المزاعم التي تركها الاستشراقيون خلفهم، بعد أن أنهوا معركتهم مع التاريخ الفلسطيني و-العربي القديم- وهي ذخيرة لا تصلح للقتال والسجال العلمي، لسبب بسيط للغاية، هو أن بيت بوس الحصن الجبليّ المنيع كما تصفه التوراة، لا وجود له في فلسطين قط. ولأن هؤلاء لم يعثروا عليه، فقد زعموا أنه قرية بيت يابوس في ضواحي دمشق. وهذا أمر عجيب حقاً، يكشف نوع الخداع والتلاعب، إذ كيف يمكن لعالم آثار يحترم العلم، أن يزعم بتطابق وصف القلعة الجبلية في التوراة، مع قرية في ضواحي دمشق لا تتصل بفلسطين بسلسلة جبلية، فقط بسبب وجود تشابه في الاسمين؟

14. في مؤلفي السابق( فلسطين المتخيّلة[6]) كتبت ما يلي: ( لقد آن الأوان لأن تتقدم أوروبا-والغرب بأسره- باعتذار صريح للفاسطينيين والعرب والمسلمين عن النتائج المأسوية التي تسبّب بها الخيال الاستعماري المُفرط- ونزعات المستشرقين التوراتيين وعنجهيتهم وعنصريتهم السقيمة كذلك- في تدمير شعب وتشريده عن وطنه، فهذه النتائج أدّت إلى (تهويد) التاريخ الفلسطيني، وإلى وقوع مأساة شعب وأمة جرى الاستيلاء على أرضها وتاريخها وثقافتها بالقوة الغاشمة. بيد أن ذلك لن يكون ممكناً ولا كافياً من دون خطوة جريئة من علماء التوراة في العالم، بإعلان صريح لا لبس فيه، يؤكد بُطلان القراءة الاستعمارية للتوراة، والإقرار بالخطأ الفادح في هذه القراءة والاعتراف بحقيقة أن الانتساب الى دين بعينه، لا يبرر الحق في أي مُطالبة غير مشروعة بأراضي شعوبٍ أخرى، والإقرار بوجود حاجة إلى ترجمة جديدة للنص التوراتي المقدس، تزيل كل صلة وهمية بينه وبين فلسطين).     

إن لمن الإجحاف والتعسف غير المبرر، تخيًل وجود حق ديني في أرض العرب- بالنسبة لمسلم فلبيني مثلاً- قد يخرج على العالم، يوماً ما، ليزعم أنه ينتسب لقريش وهو من سلالتها، وله الحق بالمطالبة بإرث أجداده في مكة، لمجرد كونه دان بدين العرب فأصبح مسلماً. إن كونه مسلماً لا يعطيه الحق في ادعاء الانتساب إلى قريش. والأمر ذاته ينطبق على حالة اليهود في العالم كله؛ فهؤلاء دانوا باليهودية وهي دين عربي–مثله مثل المسيحية والإسلام- ولكنهم ليسوا بكل تأكيد من سلالة قبيلة بني إسرائيل اليمنية المنقرضة والبائدة. لقد تسببّت دراسات المستشرقين- من التيار التوراتي وعلى خطاهم كّتاب عرب- في حدوث في التاريخ الإنساني، نجم عنها صراعات دامية متواصلة ودون توقف، لم تكن مسألة النزاع على الأرض والحقوق فيها، هي المسألة المركزية وحسب؛ بل وأصبح التاريخ نفسه هو موضوع ومادة هذا النزاع. إنه صراع عنيف ومأسويّ بين تاريخ حقيقي وآخر مخترع.  

أريد في ختام هذه الخلاصة، أن أذكّر بما كتبته من قبل، وأن أكررّ الفكرة الآنفة منعاً لأي سوء فهم مغرض أو تأويل ناجم عن فهم سطحي. ليس ثمة أيّ حق ديني أو تاريخي لأي جماعة تزعم أن لها الحق في أراضي الآخرين، لمجرد أنها تنتسب للدين نفسه، فكما لا يحق لمسلم صيني، الزعم أنه من قريش وأنّ له الحق في وراثة أرض العرب لمجرد أنه مسلم-لأن قريش قبيلة عربية وليست قبيلة صينية- فإن اليهودي الأوكراني أو الألماني أو الأمريكي أو الاسكندنافي، لا يملك حق الزعم أنه من بني إسرائيل، لمجرد أنه يهوديّ الديانة، لأن بني إسرائيل قبيلة عربية، وليست من قبائل الجرمان أو الفايكنغ. لذلك، فإن مؤلف الكتاب يرفض سلفاً أي قول سخيف وسطحي قد يصدر من بعض المتطفلين على البحث العلمي والقرّاء غير المهتمين كذلك، بأنه– بنظريته هذه - يبشرّ، أو يدعو لإعطاء اليمن لليهود الغربيين، وهو قول تردد ويا للأسف في أوساط بعض القرّاء السطحيين الذين يجادلون في الله بغير علم.

إن الأمم تحيا وتنهض وتتوحد، فقط حين تمتلك سردية واحدة وصحيحة عن تاريخها، بمعنى أن تمتلك رواية واحدة ومتماسكة عن نفسها، وليس روايات متعارضة ومتصادمة، فالتاريخ عامل مركزي في صناعة الأمم وفي الحفاظ على وحدتها ووجودها، مثله مثل الأرض المشتركة واللغة الموحّدة. ومن غير شك- بالنسبة لي- فما أقوم به منذ سنوات، هو التأسيس لتيار تصحيحي يضع نهاية للفوضى في السردية التي تركها لنا الإستشراقيون الأجانب( والعرب). وما لم تتمكن الأمّة من الخروج من دوامة الفوضى في فهم وقراءة تاريخها؛ فإنها لن تتمكن أبداً من البقاء في مسرح التاريخ وسيكون مصيرها، ويا للأسف، محزناً لشدّة التمزق وعمق الخلاف وتشعبّه.

الهوامش:

1. البخاري، ج10/95، كذلك شرح النووي على مسلم-يحيي بن شرف أبو زكريا النووي- دار الخير1996م.

2.( لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [يونس: 90]. وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93).

3. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني : فتح الباري شرح صحيح البخاري- دار الريان للتراث-1407هـ / 1986م: ص3214.

4. جواد علي : المفصل 1/121.

5. حقيقة السبي البابلي، بيروت- دار جداول للنشر 2011.

6. فلسطين المتخيلة: أرض التوراة في اليمن القديم، مجلدان، دار الفكر- دمشق- ثلاث طبعات 2009.