Menu
حضارة

المجزرة، وجع النّكبة المستمرّ

انتصار الدنان

كانت فاطمة تزور المقبرة الّتي تمّ  دفن شهداء مجزرة صبرا وشاتيلا فيها، تقف أمام المقبرة الجماعيّة، وتذرف دموعًا صامتة، اقتربت منها، وحاولت أنْ أستفسر عن سبب بكائها.

أدارت وجهها الّذي أكلته تجاعيد السّنين نحوي، كانت عيناها غائرتيْن، كأنّهما حجارة صدئة في مغارة عتيقة، تجتمع فيهما كلّ الأحزان، وتغرقان في بحر من موجٍ هائجٍ، بشفاهٍ مرتجّة.

امتنعت في البداية عن الكلام، وما لبثتْ أنْ أدارت عينيْها مرّة ثانية نحو القبور الشّاهدة على المجزرة، تتأمّل الصّور المعلّقة على الحائط، لكنّ إلحاحي كان أقوى من أنْ أحترم دموعها وصمتها، فكرّرت سؤالي عليها.

بدأت شفاهها تتمتم كلمات غير مفهومة، تلّ الزّعتر، شاتيلا، صبرا، الدّامور، الرّوشة. أفٍّ من هذا العمر المدير! وسوّت إشاربها فوق رأسها.

  • كانت أمّي تعيش معي في بيتي بعد أنْ تركنا مخيّم تلّ الزّعتر الّذي فقدنا فيه أخي، وأولاده الأربعة، والعديد من الشّباب، والنّساء، والشّيوخ، والأطفال.
  • كانت أمّي تزور أختي في مخيّم شاتيلا، حين بدأت أحداث الجريمة البشعة، في الوقت الّذي كان فيه جميع المقاتلين الفلسطينيين قد غادروا بيروت كلّها عبر البحر إلى تونس.
  • عدد كبير من الأطفال وجدوا غرقى بدمائهم، وحوامل بقرت بطونهن، ونساء اغتصبن قبل قتلهن، ورجال وشيوخ ذبحوا.

تحجّرت دموعها في عينيْها اللّتيْن لم أستطع تحديد لونهما، ورفعت يديْها ونظرها نحو السّماء، وراحت تتمتم بأدعية لم تصل إلى مسمعي، وغابت في عالم آخر.

عندها هززتها بكتفها، وقلت لها، وماذا بعد؟

  • قُتلت أختي، وزوجها مع بناتهما الأربعة، وأولادهما الأربعة، وكذلك أمّي قتلت.
  • سمعنا بالمجزرة، فشعرت بخوف يمتلئ به قلبي، فسارعت مع أختي إلى المخيّم، منعتنا عناصر الجيش اللّبنانيّ من الدخول إلى المخيّم، لكن مع إلحاحي بالدّخول، سمحوا لي بذلك.
  • ذهبت بسرعة إلى بيت أختي، ورحت أبحث عن أختي وأولادها، وأمّي. لم أجدهم، ورحت أنادي عليهم بأسمائهم، لم يردّ عليّ أحد.
  • لم أجد في البيت غير التّراب الّذي كان يغطّي المكان، خرجت من المنزل، ورحت أصرخ في الشّارع، كانت الجثث مرميّة يمينًا ويسارًا في ساحة الشّهداء.
  • لم أرَ بفظاعة هذا المشهد من قبل، وفجعت لهوله، فالجثث كانت مكدّسة فوق بعضها البعض.
  • رحت أفتّش بين الجثث عن أقاربي، فلم أجد أحدًا منهم، وعندها ساورني قلق شديد، لكنّي سرعان ما تعرّفت على جثّة أمّي، ملابسها دلّتني عليها.
  • لم أرَ وجهها، فقد قُتلت بضربة بلطة.
  • كانت أمّي امرأة كبيرة في السّنّ، لكنّني عندما وجدت جثمانها، أسرعت نحوها، واحتضنتها، واختفى صوتي، لففتها ببطّانيّة وتركتها.
  • بحثت عن أختي، وزوجها، وأولادها، لكنّي لم أجدهم، فقد تركوا بيتهم يوم هجم القتلة على المخيّم، وباتوا ليلتهم ببيت آخر، لكنّني ما إنْ دخلته، وجدت الجثث متكوّمة فوق بعضها البعض.