Menu
حضارة

فلسطينيو لبنان: بين حلم الجماعة المهدور وكابوس الفردانية المبتور

موسى جرادات

تعيش المخيمات الفلسطينية في لبنان في مواجهة الاستحقات الداهمة والمتدحرجة بسرعة كبيرة، حيث يواصل فلسطينيو لبنان مسيرة البؤس السياسي، بمرافقة بؤس الحياة، وما بينهما حياة تزخر بالمعاناة، التي تشتبك بمختلف مناحي الحياة، فلا المكان يمتلك الحد الأدنى من شروط الحياة الآدمية، ولا الخدمات ترتقي لمستوى يمكن قراءته ومشاهدته للحكم عليها، وتبيان الخلل فيها.

وعلى هذا المنوال، تُحاك قصتهم، وتُبنى عليها روايات لا تنتهي، تبدأ من النمو الكبير والمتسارع لمنظمات المجتمع المدني متعددة التمويل والأهداف، وتنتهي بموت القوى الفلسطينية التي تمثلهم، والتي تسير وتمارس العمل السياسي من باب الاستجداء والتسول إنْ جاز التعبير، فلا هي قادرة على صناعة رؤية وبرنامج عمل قادر على تلبية احتياجات اللاجئين، ولا هي تسمح بولادة تصورات جديدة قادرة على النهوض بهم.

لهذا، فليس من المستغرب أنْ تقوم مؤسسات المجتمع المدني طوال أربعة عقود بأنشطة داخل المخيمات أقل ما يقال فيها إنَّها أنشطة خبيثة، هدفت وتهدف إلى تدمير الوعي القيمي العام، وبناء وعي جديد قائم على الفردانية، والذي لا يصلح في هذا المكان، يضاف إليه إدارته من قبل نخبة فلسطينية امتهنت العمل التنظيمي في السابق، فالممول الغربي اصطاد عصفورين بحجر واحد، الأول؛ أفسد تلك النخبة وحوّلها إلى نخبة مفسدة، تتمثل بقيادتها لمؤسسات داخل المخيمات، وتعتمد على موازنات مالية كبيرة لأنشطة وهمية دون رقابة من أحد.

أما العصفور الثاني؛ فيتمثل بعزل المجتمع الفلسطيني عن العالم الخارجي، وبناء المنظومة القيمية الفاسدة، والتي عايشها أكثر من جيل فلسطيني، يتوسل اليوم الحياة بالغرب عبر طلب اللجوء.

وكلا العصفورين الآن يعيش مأزقًا وجوديًا كبيرًا، فالوقت لم يعد يتسع لهما في ظل الهجمة الغربية والإقليمية المسعورة على ملف اللاجئين.

فيما يظهر الخلاص الفردي والجماعي على صورة الرحيل من لبنان، والتخلي عن كل الأحلام التي راودت الآباء والأجداد بالعودة إلى فلسطين.

وقد يسأل البعض عن كيفية الخروج من هذا المأزق المتعدد الأوجه والشعاب، في ظل حالة الاستعصاءات الكبرى التي يعيشها الواقع السياسي الفلسطيني بشكل عام. وهل الوقت قد فات لإعادة ترميم ما هدمته تلك المؤسسات الممولة غربيًا بأيادٍ فلسطينية احترفت اللصوصية؟

ربما من المبكر الحديث عن النهايات المأساوية للحالة الفلسطينية في لبنان، سيَّما أنَّ القضية الفلسطينية سرعان ما تخرج من عنق الزجاجة، وهذا أكدته دروس التاريخ القريب للشعب الفلسطيني ونضالاته منذ أكثر من قرن.

لكن من المهم دومًا الإشارة إلى العامل الذاتي في خراب تلك الوضعية للاجئين الفلسطينيين في لبنان، فالعامل الذاتي مشاهد وملموس، وله عناوين واضحة، رضعت ثقافيًا وماديًا من مؤسسات ودول معادية لقضيتنا، وانطلاقًا من مفهوم" الضحية" عاش الفلسطيني في لبنان خلال الأربعة عقود الماضية في فخ هذا المفهوم، وبنى عليه أحلامه؛ للخروج من مأزق العيش، ومأزق فقدان التمثيل السياسي القادر على حماية وجوده المادي والمعنوي في لبنان.

أربعة عقود مضت كانت كفيلة بوصوله للحائط المسدود، بعد أنْ وُضع على طاولة العمليات الجراحية الدقيقة، والتي لم يخرج منها حتّى هذا الوقت، خاضعًا لكل شروط منظمات المجتمع المدني الممولة غربيًا ضمن برامج ورؤى معدة سلفًا لإخماد الرواية الأم التي يعيشون عليها ويواصلون حياتهم اليومية في إطارها، وفي ظل الحصار اللاأخلاقي المطبق عليهم من كل حدب وصوب.

وإذا كان مفهوم الضحية بمعناه العام ينطبق على الحالة الفلسطينية في لبنان، فإنَّ هذا المفهوم له تداعياته السلبية الواضحة اليوم، وله تجلياته في جميع مناحي الحياة اليومية التي يعيشونها، من انخفاض نسبة التعليم لدى طلاب المرحلة الثانوية والجامعية، مرورًا بالسكوت عن كل الظواهر السلبية، والتي كان من الممكن رصدها والتعامل معها بجدية وصرامة، وخاصة ظاهرة تعاطي المخدرات وترويجها وتوزيعها في المخيمات، بحيث تحوّلت عصابات المخدرات إلى كيان موازٍ للقوى الفلسطينية داخل المخيمات، وإنْ كان بنسب متفاوتة ضمن توزع المخيمات في لبنان، حيث تحوّل السكوت عن هذه الظاهرة، المشاهدة والملموسة، ومع الوقت، إلى أداة اتهام لبعض القوى الفلسطينية العاملة ضمن نطاق المخيمات بالتواطؤ مع تلك العصابات الممتهنة للإجرام لقاء مصالح متبادلة فيما بينهم، وكل هذا التمدد الأفقي لتلك العصابات، جاء متزامنًا مع غياب المرجعيات الفلسطينية وانسحابها شبه الكلي من مسرح الحياة العامة للفلسطينيين في لبنان، وقد يكون هذا النص قاسيًا في وضع الحقائق أمام الناس، إلا أنَّ هذه القسوة تنطلق من باب شرح الفساد الداخلي المستشري في بنية تلك القوى السياسية والاجتماعية، والتي امتهنت التسول أيضًا عبر بوابات منظمات المجتمع المدني.

والسؤال المركزي هنا، كيف مرّت كل تلك السنوات، وكيف صرفت عشرات الملايين من الدولارات ضمن برامج وتصورات الممول الغربي، والذي لم يلتفت للحاجات الضرورية لهؤلاء الناس؟ وكيف صمتت تلك النخب عن هذا المسار؟ والجميع يعلم أنَّ البنية التحتية لجميع المخيمات مدمرة ومستهلكة، ولم يُجرَ عليها أي تطوير منذ عقود، وكذلك المؤسسات الصحية العاملة في تلك المخيمات، والتي تراجعت عن تقديم خدماتها سنة بعد سنة، في ظل الادعاءات التي تقدم دائمًا عن عدم وجود التمويل اللازم لتلك الأعمال، في حين اهتمت منظمات المجتمع المدني بعناوين تربوية وقيمية تتصل بحقوق الطفل والمرأة والجندر وحقوق الإنسان، كأنَّ مشكلة اللاجئ متصلة بأبعاد ثقافية ومنفصلة عن الواقع المعاش.

وعلى هذا المنوال، حاكت تلك المنظمات بإدارة تلك النخب الفلسطينية المتورطة حتّى أذنيها بتلك المهام، وإنْ اختلفت الانتماءات الأيديولوجية لتلك النخب، إلا أنَّها وقفت في نفس الصف تستجدي التمويل لبرامج ومشاريع وهمية ليس لها مصداقية، وتكررت المسرحية في فصول عبثية، تبدأ من توزيع الآلاف من الاستمارات لتعبأتها داخل المخيمات، وبعدها دراسة تلك الاستمارات، وتقديم تصورات ونتائج لها، وبعدها تقدم للممول من أجل الموازنة، ولم تفلح أطنان الاستمارات التي خطتها أيادي الناس طوال تلك العقود الماضية، من أنْ تُبلسم جراحهم، أو أنْ تزيل عنهم بعض الظلم اللاحق بهم.

فيما تلك النخب التي تنظر لتلك الحقوق ما تزال تتربع على عرش المؤسسات وتورثها لأبنائها في مفارقة عجيبة، حيث لم يُسمع ولم يُشاهد حتّى هذه اللحظة أنْ تخلى رئيس جمعية عن دوره القيادي في إدارة تلك الجمعيات ضمن الدين الديمقراطي الجديد الذي بشّر به طوال عقود داخل المخيمات.

وأمام هذا الاستعصاء، نبتت على جوانب تلك النخب والقوى الفلسطينية أزهار شبابية، أدركت بوعيها الفطري وبتجربتها العملية إنَّها ضحية لواقع تتزاحم فيه كل القوى المعنية ببقاء الحالة الفلسطينية على ما هي عليه، ومن خارج مفهوم الضحية، بدأت تلك القوى بمبادرات شخصية ومحلية تتصدى لمشكلات الحياة اليومية للناس، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي استطاعت تلك القوى، ولو بشكل جزئي، أنْ تحقق بعض النجاحات المحدودة، سواءً في حملات التبرعات للحالات العلاجية الطارئة، وانتهاءً بكونها جزءٌ لا يتجزأ من هذا الحراك الجديد الذي يسود المخيمات منذ أشهر.

أخيرًا: إنَّ تعدد اللغات وولادة لغات جديدة ضمن هذا الحيز المحاصر والمذبوح من الوريد إلى الوريد يبشر ببعض الخير، علّه يطوي صفحةً سوداء طال تخييمها على حياة الناس.